إلياس فركوح: حيفا، «كوكب الشرق» ، عمان

الياس فركوح كيكا
الياس فركوح Elias Farkouh

في الساعة الثالثة بعد الظُّهر، ومن إذاعة عمّان، عرف شكيب أفندي مغزى كلّ ما حدث صباح هذا اليوم. كان يحدّق بسقوف البيوت العالية من النافذة، بينما الصوتُ الجهوريّ يعلن:
«بوركَ الدمُ يا كرك بوركَ الدمُ يا كرك. بوركَ الدمُ يا خليل. بوركَ الدمُ يا سلط. بوركَ الدمُ يا نابلس. بوركَ الدمُ يا إربد. وبوركَ الدمُ يا جليل»!
«فَجّروا رئيسَ الحكومة. اغتالوه! هذه إشارة شؤم!» (1)
وعادَ ليتساءلَ، متشككاً، إذا ما كان للأقدار علاماتها العصيّة على الأذهان!
أكانَ تغييره اليوم لمساره المعتاد، هو شكيب أفندي، إشارة لم يلتقط معناها!
* * *
لا لسبب معلوم. حتّى هو لم يدرك لماذا كان منه أن فعلَ هذا، واتخذَ لمسيرة التَّرَيُّض الصباحيّة وجهةً أُخرى. دأبَ، إثر إحالته على التقاعد من وزارة الأشغال، على مخالفة ما تكَرَّسَ لديه بحكم الوظيفة، إذ أصبحت: من البيت في «الملفوف»، متدرجاً في هبوط الدرجات المؤدية به إلى شارع الملك طلال، مروراً بالفسحة الصغيرة حيث مدخل السينما وشُبّاك تذاكرها، ثم الدرجات الثلاثين المتبقيّة لوضع «سُبّاطه» اللامع، البُنيّ الغامق برأس مُدبب ورباط متين، الإنكليزي الطراز، فوق أرض الرصيف المغبرّة. عند ذاك تواجهه، على الرصيف المقابل، مَحالُّ عمارة صاحبه الخواجة جورج التجاريّة، ذات الطابق الواحد، بأبوابها القصديريّة المتموّجة وقد رُفِعَت. يراها فيحدسُ صوتَها لحظتئذ، بآليّة التذكُّر اللعينة، دون حاجته لسماعه، الصادر عن الصدأ المتراكم في محور التفافاتها وإغفال تزييته. يرتعشُ بدنُه من تلقائه، ويقطّب جبينه المُحْمَرّ ذو الحزوز. سوف ينصح الخواجة بتنبيه مستأجريه، وإلاّ ستتعرض «الماكينة» للتلَف! سيتذكّر هذا الأمر في زيارته له بعد الظُّهر. أما الآن؛ فإنّ سَيلَ السابلة والعربات لم يشرع بالتدفق، رويداً، في الاتجاهيَن، بعد. شمسُ آب اللهَّاب في بكارتها ما تزال مُحْتَملَة. الصباحُ هو الصباح الرائق، ككُلِّ صباح، فاطمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إلى سلاسة الحياة ومهادنتها. ها لا شيء يُنْقصُ من حُبّه لها اليوم. وها اليوم ماءٌ زُلالٌ باردٌ سوف يَغرفه من «زير» الفَخَّار، المُغَطّى بالخَيش المُندّى، بالـ «كيلة» الألمنيوم المربوطة إلى أذنه بخيط قيطان، لمّا يصل أوّل أركان الجامع الحسيني، قبل صعوده إلى المقهى المقابل.
«لو كانت الحياة طفلة من البَشَر»؛ فكَّر، «لأهديتها حَبَّةَ حلقوم، وبُسْتُ خَدّها!»، تداعت فكرته: «ولكنتُ أسميتها حيفا!».
كثيراً ما تعبرُ بباله صورةُ فتاة يراها ابنةً له، خارجة من ماء صلبه الذي أهدرهُ بعبث وطيش الشباب، ثم بعِناد ادّعاء حكمة منتصف ثلاثينات العُمْر الزاعمة بـأنّ «المرأة هي التي تضع قطعة سُكّر في كلّ ما تقوله للرجل» ـ بحسب واحدة من الكلمات المأثورة التي اعتادَ مطالعتها في ما تقع يده عليه من جرائد ومجلات. وكان أن تعززت قناعته بصحّة عزوبيته لمّا صادفَ أن قرأ جملةً باتت نبراساً هادياً لحياته ومهدّئةً لبقايا ظنونه، إثر اجتيازه عتبات منتصف العمر، وجدها على قفا ورقة ذات يوم من أيام الروزنامة: «الزواج في الشرق صفقة يتوقف إتمامها على رضاء الآباء.»
صفقة! أبداً لن يعقدها! وهكذا باتَ يُكَنّى وسط معارفه بـ«العازب الأبديّ»!
هو الآن يعيش نشوة الصباح الأولى، مُطلقاً العنانَ لأغنية قديمة غائرة في داخله أن تتعالى وتُطْرِب روحَه. يتمتم بما يشبه: أفديه إنْ حَفِظَ الهوى أو ضَيعا.. مَلَكَ الفؤادَ …! ليست مقيمة في أعماقه فحسب؛ إنما تشاركه سَهَر لياليه الطويلة حين يستعصي عليه النوم ـ كليلة أمس ـ، ويكون وحيداً. يعمّرُ كأس عرق زحلاوي كان أوصى بزجاجة منه أحد سائقي خط عمّان ـ دمشق ـ بيروت. «يكسرهُ» بقليل من الماء، ويُسقطُ فيه ثلاث قطع من كيس الثلج الذي تناولهُ من نادل المقهى، مقابل خمسة قروش. يرتشف مستطعماً. يقضمُ فَرْمَةً من إصبع الخيار. ويُديرُ أسطوانتها العتيقة، المعتنى بها داخل حافظتها الكرتونيّة، فوق قرص الفونوغراف الذي اشتراه، بالغالي، من محلات «بوتاجي» في حيفا، ماركة His Master’s Voice (صوت سيّده) بصورة الكلب الرابض أمام البوق! وهو نفسه «بوتاجي» الآن في عمّان.
اليوم هو الإثنين، 29 آب / أغسطس من العام 1960 ميلادي، 6 ربيع أوّل 1380 هجري، كما هي ورقة «روزنامة الاستقلال». نزعَ ورقة يوم أمس، وعاينَ قفا الورقة الجديدة، وقرأ: «السعادةُ في الحياة شبحٌ يُرجى، فإنْ صارَ جسماً مَلَّهُ الناس.»! هزَّ رأسه موافقاً، ونظرَ في ساعته الثمينة، بسوارها المُصفرّ، ماركة «جوفيال»: بعد السابعة بعشر دقائق.
لا أحد يُجاريه في الخروج المبكّر من الحي سوى خليل، الأرملُ صاحبُ بسطة القهوة. والبيوت الصغيرة، على جانبيّ الدرجات، غالباً ما تكون موصدة، وثمّة اندياحات مياهِ الشَّطْف برغوة صابونها العكر تنساب من أسفل أبوابها الخشبيّة. أبواب مدهونة بالأخضر، تكاد تتفلّع. تماماً كباب بيته؛ فكلّما أغلقه عند المغادرة أو الرجوع، حتّى إنْ فعلَ ذلك بأناة الحريص، وجده يتراقصُ مُصْدِراً أنينَ التَخَلُّع.. فينخلعُ قلبه العجوز! عندها يؤكدُ لنفسه، كما في كلّ مرّة، بأنّه سيُصلح مفاصلَه يوم الجمعة القادم. ولكن، كما يُقال: هنالك يوم جمعة في كلّ أسبوع!
فَكَّر، ذات مناسبة نسيَ متى كانت، إذ باتت الذاكرة تستطيبُ الخيانةَ، في إصرار الناس على هذا اللون الأخضر! ربما هو الوحيد مَن خالفَ مألوفهم، وبقصديّة المُصرّ المعاند أيضاً، ودَهَنَ بابه بالأزرق «النيـﭭـي»! نعم؛ «النيـﭭـي» تحديداً. وتحديداً صفة اللّون هذه يقولُها متعمداً لفظها بلغة أبناء الإنكليز، وبلكنة «الكوكنيز»(2)، التي استعار بعضَ كلماتها الجارية على ألسنة جنود الجيش البريطانيّ. هكذا تعلّمها سنوات عمله في فلسطين واختلاطه بهم. وكان يفاخر بأنَّ بشرته (ويشير إلى وجهه بأنفه البارز كمنقار صقر) هي تماماً «حمراء» كهؤلاء الإنكليز! ولعلّه اكتسبَ العِنادَ والإصرار من مهندسيهم والفنيين المساعدين، إبّان انخراطه في مطلع شبابه عاملاً متنقلاً بين ورشات توسعة وتطوير «بور حيفا» ـ المرفأ الذي شكّلَ مدرسة «شكيب أفندي» في إتقان عمل الأشياء، ومواجهة صِعابها وتعقيداتها، مهما كانت، وتذليلها.
«هذا نهار جديد»، يرددُ في داخله، ويكررُ لازمته كأنها تميمة ينبغي عليه ألاّ ينساها: «عَساهُ نهار مُبارَك، بِجاهِ نبينا محمد!» ـ دون أن يعني ذلك إيماناً دينيّاً متعمقاً لاصقاً بشغاف قلبه. فهو، على النقيض من الحاج خير الدين الورّاق البخاري الذي يقرأ الكتب، ويفكّر فيها، ويتاجر بها عند الكنيسة، ويتحدث عن أشياء لا يفهمها أحياناً، ولا تعنيه كأمرٍ واجب؛ لا ينظر للدين إلاّ بوصفه ميراثاً أخلاقياً حَسَناً صالحاً لتهذيب الناس وتقويم اعوجاج أخلاقهم، ولم تكن لمشيئته الحُرّة أن تختاره دون سواه. ميراثاً رضيَ به دون تساؤل عميق، تماماً مثلما هو لون بشرته الحمراء، التي تسللت إليه من سَلَف عتيق كان يعيش في إحدى قرى «السويداء». هذه البشرة التي يَسِمْون مَن يتصفُ بها، هنا في عمّان، بـ«الجِنجي» : جِلْدٌ ضارب للّون الزهري، أبيض غالباً، يحتلّـه النَّمَش، وشَعْرُ رأس وجفون أصهب له الحُمْرةُ الناريّة لإحدى درجات الحِنّاء!
«وما الذي رمى بكَ من ˝جبل العَرَب˝ إلى فلسطين، شكيب أفندي؟»
سأله الخواجة جورج، بطربوشه المعاند دائماً لأيّ ميلان. كان ذاك يوم أشارَ عليه، في مرحلة تمهيد أساسات عمارته وحفرها في أرض تجتاحها مياهُ السيل شتاءً، وتنغلُ من أسفلها بقيّة أيام السنة، بأن يَسخو ويُكْثِر من كميات الإسمنت. بل أشرفَ بنفسه على الأمر واجتهدَ في تنفيذه. كان يرصف، فوق شبكات الحديد المبروم وتحتها، شوالات الإسمنت الصافي كما هي إلى جوار بعضها طبقةً تعلو طبقة. صحيحٌ إنّ نصيحته هذه (قال بأنه تعلّمها من المهندسين الإنكليز عندما عمل معهم في بناء حوائط كاسرة الأمواج، ضمن مشروع توسعة ميناء حيفا ومَدّ الشاطئ نحو البحر) كَلَّفَتْ الخواجة جورج ديوناً إضافية أثقلَ «البنكُ العثماني» بها كاهله مدةً طويلة ـ فالوقتُ بعد الحرب الكونيّة، وأسعار الإسمنت المستورد «نار»؛ إلاّ أنها أثبتت صوابَها. فها هي العمارة قائمة وصامدة حتّى اليوم. وها صداقتهما متّصلَة بالودّ، ومنسوجة بأُلفة وحميميّة زيارات الأعزب الأبديّ لبيت عائلة الخواجة الواقع في القسم الخلفي من البناية. البيت وشرفته الممتدّة بإطلالتها على جريان السيل الرائق صيفاً، وطوفانه المرعب شتاءً: على مجموعة برّاكيات بائعي الفَخَّار التي بدت كأنها طرأت يوماً لتدوم أبداً: على خان «أبو مظهر» الشركسيّ وأكوام التِّبْن من حوله، بأبقاره، وحصانَيْهِ، ورائحة الروث العابقة في أصياف زوابع الذباب الأزرق: على المستشفى الإيطالي هناك فوق التلّة المقابلة بسقفه القرميديّ الأحمر: على جسر المهاجرين يميناً بمخفر شرطته ورئيسه الحازم: على جسر الحَمّام يساراً بِحَمّامه العموميّ ومحال بيع بقايا الذبائح: وعلى رُكن الحاج البخاري بمكتبته المرتجلَة فوق الرصيف، عند سور المدخل التحتيّ للكنيسة.
«رماني أبي، يا خواجة. نزلَ بي وَلَداً في الحادية أو الثانية عشرة من الجبل إلى حوران. أرفقني به وسافرنا في «ترين» سكة حديد الحجاز من محطّة درعا إلى حيفا. ركبنا واحدة من مقطورات البضائع بالمجّان ـ وإذا أردتَ الصحيح فإننا في الحقيقة اختبأنا فيها. كانت «المتليكات» (3) شحيحة واليد قصيرة. مررنا بسمخ، وبيسان، والعفولة إلى أن وصلنا.»
«إلى حيفا؟»
«نعم ، حتى محطة حيفا. أول مرة أرى البحــــر. محطة القطار عند البحر.»
«وبعدين؟»
«شَغّلني معه في كلّ شيء. في الطوبار، والعتالة في البور، وتعبئة الأكياس وتحميلها في مصنع الإسمنت، وأجير في مستودعات القمح، وشَغّيل موسميّ في معاصر الزيتون والعِنَب، ومساعد حارس ليلي في محطّة تكرير خطّ أنابيب بترول كركوك. ثم تركني ومات.»
«وبعدين؟»
بلا مبالاة مَن لا يريد أن يتذكّر:
«دفنه أهلُ الخير في مقبرة المدينة. كنتُ وقتها في السابعة عشرة من عمري، كما أظن. جمعتُ ثيابه في بقجة، أضفتُ إليها ليرتين ذهب تحويشة تعبنا لمدة سنة، وأرسلتها لأُمي مع واحد من أبناء الحلال. أخبرته أن يقول لها بأني سأغيب طويلاً. لم أكن أريد أن أعود أبداً! أحببتُ البلد.»
«والإنكليز؟»
«اشتغلتُ معهم لأتعلّم مهنة تفيدني. البناء يا خواجة. البناء على أُصوله. بدأتُ كأبي طوبارجيّاً لا يمرّ يوم دون نَسْرَة خشب تخزقُ زِنْدي، أو مسمار بولاد يخرق نعلي لينغرز في باطن قدمي، أو سِلْك تربيط صَدِئ ناتئ يخدش وجهي. صرتُ معلّم بناء. وإذا شِئتَ، قُلْ بأن الإنكليز صنعوا مني مساعد مهندس!»
وأطلقَ ضحكة مقتضبة، لكنَّ نبرة صوته وَشَت بافتخارٍ كبير وثقة عالية.
غَيَّرَ الخواجة مجرى الحديث. حوّله نحو المداعبة، بينما يقدّمُ لضيفه زبديّة طافحة بـ «بربارة» (4) ما زالت ساخنة:
«وكيف جاءتكَ الأفنديّة؟ أكنتَ موظفاً هناك؟»
جاراه شكيب: «أبداً. بإمكانك اعتبارها ˝فَرْق عِمْلِة˝. خََلّيها مسألة نظافة ثياب ومَظْهَر مُرَتَّب أحببته في الخواجات!»
وشرعَ يلتقط بالملعقة حَبّات الزبيب واللوز المقشَّر أوّلاً. ثم، وبأصابع ترتجف غَلَّظها العملُ في الإسمنت والتراب، ازدانَ البِنْصَرُ منها بخاتم ذهبيّ متوَّج بِحَجَر أحمر، غاصَ بطول الملعقة في دسامة القمح المطبوخ بالقرفة والسُكَّر. وبين كلّ لُقمة وأُخرى يعالجها بـ «طَقْم» أسنانه القويّة، ينفثُ أجزاءً لواحدة من حِكَمه وأحكامه:
«لِكُلِّ شيء، يا خواجة، ثمنه الذي يجب أن ندفعه! أنا يا خواجة لم أجمع مالاً. طوال حياتي. ليس مُهمّاً. عِشتُ بالطول وبالعرض. لا وَلَد ولا تَلَد. كُلُّ كنوز قارون كذب. لنا وليست لنا. ليست مُلْكاً لأحَد. تختفي كالعاهرة، مثلما تظهر، ورَبُّكَ له تدبير هذه الدنيا. أليس هو خالقها؟ سأقول لكَ شيئاً علّمتني إيّاه الحياة، عَلِّمْه أنتَ لابنكَ حتّى لا يضيع: مع كلّ قرشٍ أكسبه ويدخلُ جَيبي، كنتُ أخسرُ قطعةً من حُريَّتي، فأُسرع بإنفاقه!»
ولمّا أجهزَ على زبدية «البربارة»، تَلَمَّظَ، جرعَ من كوب الماء، واستدرجَ صديقه على وقع جرس الكنيسة المنبئة دقّاتُهُ بقُدّاس جنائزيّ:
«أرأيتَ جنازة تشييع حمدي منكو، أكبر تُجَّار عمّان؟»
«سمعتُ بها ككل الناس. سارَ بها خَلْقٌ كثير، وطافت الشوارع. أرأيتها أنتَ؟ إحكِ لي.»
«رأيتها. وكما سمعتَ؛ أطَلَّت الحقيقةُ الأخيرة برأسها من نعشه المرفوع على الأكُفّ!»
«الحقيقة الأخيرة!»
«أوصى بأن يُخرجوا يده من النعش عند الجنازة!»
«هذا غريب فعلاً، شكيب أفندي!»
«أبداً. لكي يراها الناس خاويةً لا تقبض على شيء!» ـ وأتبعَ دون الالتفات إلى خلو ما قاله من حِشمة الكلمات وأدب المجالسة:
«أنا أبصقُ على المال، خواجة جورج! أنا أبول عليه! هذا ما يستحقه هذا السافل!»
ثم، كأنه تذكّرَ أمراً، خَتَمَ عارضاً حجته: «ألَم يُسَلَّمْ مسيحكم الطاهر لليهود لقاء ثلاثين من الفِضَّة التافهة؟ هو، مِلْحُ الأرض والإنسان، مقابل معدن خسيس تغطيه أوساخ الأيدي!»
* * *
«صباح الخيرات، شكيب أفندي!»
يلتفتُ إلى خليل المنشغل بتوضيب أغراض رزقه على اليمين. يغتمُّ في سِرّه لترمّل الرجل، ويرمي بالسؤال:
«أنتَ حَجَّار أباً عن جد، قبل شُغْل القهوة والشاي طبعاً. هل تعرف أحسن أنواع الحَجَر الفلسطيني؟»
«طبعاً. حَجَر قباطيا، شكيب أفندي.»
«ليس صحيحاً. حَجَر عتليت أحسن. هل تعرف أن ˝حيط الموج˝ في بور حيفا جلبوه من عتليت؟»
«ما أعرفه من أبي أن عتليت بعيدة عن حيفا. كيف؟»
عندها، نَقَرَ بإصبعه كتف خليل كأنه يقوم بتنبيهه، وقال:
«صَح. لكنهم نقلوا الحجارة بعربات سَيّروها على خط سكّة حديد إلى البور. الإنكليز شياطين!»
ولمّا وَجَمَ الرجلُ كأنه يتخيّل الطريقة، بادره شكيب أفندي:
«أما زال أكرم عند جَدَّيْهِ، في عناتا؟»
يزفرُ: «نعم، ما زال.» ويستطرد: «إلى أن يَحلّها ربُّكَ ويبعث بابنة الحَلال.»
يواسيه: «ولا يهمك أبا الخِلّ. بتهون. هي يومان والثالث، فقط عليك أن تنتظر. بعد إذْنك.»
يشيّعه القهوجي الأرمل: «إذنكَ معك والله معك»، ومبتهلاً: «يا رَبّ!»
يمشي العجوز بتؤدة خُطاه الخفيفة. يتخذُ الرصيفَ نفسه، المغمور بمساقط شمس ناعمة، درباً لهدفه الصباحيّ. يجعلُ عن يمينه طرف عمارة الخواجة، حيث مصبغة «الشُّربجي» الغائرة، ككهف، بين الشارع فوقها والمنحدَر نحو محلات العمارة تحتها، ثم مدخل سوق الخُضار المُشرف على السَّيل، ومحلات الأسماك والبقالة، جهة الرصيف المقابل. يلتفتُ عند سماعه أنين أحد الأبواب القصديريّة هناك. يرى رجلاً طويلاً ناحلاً يمسحُ كَفَّيْه ببعضهما، قبل أن يدلف إلى عَتمة «نجمة للبقالة»، عند زاوية العمارة التالية.
* * *
«طِلْعِتْ يا مَحلا نورها شَمْس الشَّمّوسه…»
صاحَبَ صوتَ فيروز هامساً: «يَللا بينا نِملا ونِحْلِب لَبَن الجاموسه»، مجارياً أغنيتها الطالعة من راديو المقهى.
صوته ليس حلواً. هو يعرف ذلك؛ لكنَّ هذا لا يحول دون أن يُطلق لمزاجه الرائق حريّة الاندياح. ركنَ جريدته «الجهاد» فوق سطح الطاولة الرخامي، لصق زجاج النافذة الوسيعة المشرفة على ساحة الجامع، وأجالَ نظره في رحابة المكان. ما زالت بقايا ماء الشَّطْف والمَسْح جُزُراً صغيرة، هنا وهناك، وثمّة بلاطات مكسوّة بفتات نشارة الخشَب يراها قبلَ أن يغوصَ بعينيه بين سطور الجريدة. وكانت الرائحة المميزة أيضاً. رائحة المقاهي التي توّزعها مروحة السقف الكبيرة، المحمَّلَةَ بمزيج التنباك العَجَميّ المرصوص، والسجائر، وشيء من عَطَن الزوايا والأركان الخبيئة، وفَوح الشاي المُخَمَّر، والماء ينفثُ بخاره من جهة الوجاق القَصيّ.
هي الآن الثامنة إلاّ ثلاث دقائق، بحسب الساعة المعلَّّقَة على الجدار، خلف طاولة صاحب المكان، إلى جوار صورة مَلك البلاد، الشاب العشرينيّ ما زال، بزي سلاح الطيران، وشاربه النابت، والشامة واضحة على خدّه الأيسر.
لم يحضر حفيظ بعد. لم يحن موعده. والوقت ما زال مبكّراً، وخلا حركة نادليَن وثلاثة زبائن، لا أحد يشغل المقهى. اثنان يجلسان متقابِلَيْن في رُكن بعيد، يتبادلان حديثاً لا يُسْمَع. وثالث، باللباس العربي الأبيض تحت عباءة بنيّة وغترة بيضاء تجلل رأسه، يجعلُ ظهره للجدارالأيسر بينما عيناه على المدخل. يبدو كأنما يتوقع قدومَ أحد، أو يستريح من سَفَر إلى أن يحين موعدٌ يخصّه. ثمّة فرصة لشكيب أفندي لأن يتصفّح الجريدة. ليس مضطراً للمناداة على النادل؛ فطلبه معروف: كوب شاي بالحليب لتنظيف حلقه من دخان سجائر «الروثمانز» القويّة، كوب كبير، وبعدها بحوالي نصف ساعة فنجان قهوة عالريحة! عندها؛ يكون الوقت اقتربَ من التاسعة، فَيُطِلُّ حفيظ.
حفيظ، حفيظ عيسى العكّاوي، مَن جعلَ منه قارئاً للجرائد اليوميّة. شجّعه على تعلّم القراءة. منذ أيام عمله في ميناء حيفا. تَعَرَّف عليه مساء يوم سبت، وكان ينفردُ بطاولة في مقهى «شط الصيقلي» المشرفة على البحر. سحبَ الكرسي المقابل، وجلسَ دون استئذان. قالَ بأنه يشعر بالملل، وأنه مثله يجلس وحيداً، وأنه يريد أن يتحدّث! عجيب هذا الحفيظ! كان في مثل سِنه. بداية العشرين، أو أقلّ قليلاً. أهله في عكا، وهو يسكن هنا في شارع اللنبي عند أخته المتزوجة، ويشتغل في مجلة «الزهور»! لم يسمع شكيب بها. أو، بالأحرى، لم يكن ليحفلَ بها أو بغيرها من المجلات والجرائد. شكيب، في ذلك الوقت، بالكاد يعرف كيف يفكّ الخطّ! سايره. تحدّثا. تشاركا شرب زجاجة واحدة من البيرة الإيرلنديّة جينس Junness ـ فسعرها غالٍ، لكنّ صاحب المقهى يشتريها من الجنود «مُهَرَّبة» ضمن مواد أخرى تتسرّب من «كانتينات» المعسكرات! دَخَّنّا أربع سجائر محليّة من إنتاج «قرمان، ديك وسلطي» (تبغ تركي ممتاز، قبل غزو الفرجيني للعالم)، أخرجها حفيظ من علبة مربعة. كان يوم سبت. والسبت يوم عطلته الأسبوعيّة، حيث يترك وراء ظهره مشروع كواسر الأمواج، ويخرج منهكاً من البوابة التي صَدَّأَ هواءُ البحر المالح يافطةَ الشركة الانكليزيّة المكلّفة بإنجاز المشروع، تلك المعلّقة فوق السياج العالي. ينسى، أو يتناسى عَمَل البِغال، ويؤوب إلى الغرفة التي اكتراها في «وادي الصليب». يغتسل، يغيّر ثياب العمل، ويقصدُ إحدى دور السينما. «عين دور»، أو «الكرمل»، أو «سينما يافا»، أو «سينما آرمون». يختارها بحسب الفيلم المعروض. غالباً ما يكون أجنبيّاًً، بالأسود والأبيض طبعاً. وأحياناً يعرضون فيلماً مصريّاً. يدلفُ إلى الصالة مستمتعاً بنظافتها ووثارة مقاعدها، ويخرجُ منها إلى الشارع وإنارته الهادئة ليشتري، من العربة المستقرة عند سور السينما، حذاء كشك الهاتف، «قُمْعاً» من الفستق المحمّص. يتجوّل متسكّعاً ومنشرحاً بهواء الليل المضمخ برائحة البحر، وبخليط البشر الخارجين من الصالة، ولَغَطهم الواشي بأصولهم: فلسطينيون أفنديّة، وعرب من الشام ولبنان ومصر، ويهود أشكناز من أوروبا بسراويل قصيرة وأكمام قمصان مشمورة، وإنكليز مدنيون وعسكريون، وألمان يفدون من ضاحيتهم الخاصة على البحر. زارهم ذات فرصة عمل هناك، ورأى، بأُم عينه، العَلَم النازي، بصليبه المعقوف، مرفوعاً وفي زاوية منه كلمة فلسطين، هكذا:Palastina. وعلى علم آخر شاهد النسرَ الألمانيّ وفي داخله الصليب إيّاه، وفوق رأس النسر كلمة فلسطين ذاتها داخل شريط مرسوم متموِّج!
ولأنّ شكيب كان ما زال في أوّل شبابه، وعاملاً بسيطاً مأخوذاً بالحياة كما هي؛ لم ينصرف تفكيره إلى هذه الحالة السياسية الشاذة. ولأنه كان يعيش حياته يوماً بيوم ـ يشتغل ويتعب ويكسب، لكنه «شَمّيم هوا قَطّيف ورد»؛ لم يخطر له أنَّ كارثةً سوف تقع لحيفا ذات يوم قريب! ربما ليس قريباً إلى هذا الحدّ؛ فهو يذكرُ تلك الليلة الرائعة من عام 1928، منتصف تشرين أوّل، التي دعاه فيها حفيظ لحضور حفلة أم كلثوم.
«من أين لك بالتذكرة؟»
«ولا يهمك. وَزّعها علينا المعلّم جميل(5)، صاحب المجلة. إنه مؤسس نادي الرابطة الأدبي.» ـ وأخرجَ من جيب قميصه ورقةً مطبوعةً، مطويّة، فَرَدها فكانت تحتلها صورة للآنسة أُم كلثوم، فاتنة الجماهير ومطربة الشرق الوحيدة، وأعطاها لشكيب: «خذها للذكرى.»
تساءل شكيب، بينما يدفعها في جيب بنطاله: «وما دخل النادي بأم كلثوم؟ سمعتُ بأنها أطربت الناس في مسرح «عدن» في القدس قبل أيام.»
«النادي هو المنظِّم والداعي. هل تحبّ غناء أم كلثوم؟»
«لا أعرف. لستُ متابعاً.»
«تعال ولن تندم. نحن أهلُ البحر نعرف كيف ننبسط.»
كانت حفلتها الثانية في حيفا، التي جاءتها بالقطار. الأولى أحيتها في شارع الملوك، وها الثانية يأخذه صديقه العجيب حفيظ العكّاوي ليستمع إلى غنائها في مسرح «منتزه الانشراح»!
وكانت ليلة انشراح حقيقيّ ذات طعم جديد، سيظل شكيب يحتفظ بها طويلاً. لن ينسى تلك السيدة الحيفاويّة التي خرجت من بين الناس وصعدت إلى حيث تقف أم كلثوم، وقالت لها: أنتِ لستِ مطربة الشرق؛ أنتِ كوكب الشرق! ولسوف تبقى طبقةٌ في روحه تكنزُ لحناً ماتعاً لأغنيةٍ تواصلُ كلماتُها الطالعة بصوت أم كلثوم انبعاثها كلّما أصابته نشوةُ فَرَح.. بصرف النظر عن مصدرها. عندها؛ تتعالى من داخله، كما في صباح هذا اليوم العَمّانيّ:
أفديهِ إنْ حَفِظَ الهوى أو ضَيَّعا مَلَكَ الفؤادَ فما عسى أن أصنعا
مَن لم يَذُق ظُلمَ الحبيب كظُلمه حلواً فقد جهـلَ المحبّةَ وادّعـى(6)
* * *
أكانَ شكيب أفندي، العازب الأبديّ الآن، آنذاك، يعرفُ الهوى ويحترقُ بنار الغرام المستعر؟
لا أحد بمقدوره الجزم. ولا أحد سمعه يوماً يفصح عن هذا الجانب من حياته. كما لا شيء كان يُنبئ بما حدثَ هذا اليوم: الإثنين، 29 من آب، 1960!
لم يحضر حفيظ للمقهى، ولم يبرح شكيب أفندي مكانه. ظلَّ يفتّشُ بين سطور الجريدة عن قَوْل مأثور، غير ذاك الذي طالعه على قفا ورقة الروزنامة في البيت. قلم «الباركر» في يده، وفي عينيه، خلف نظّارته السميكة الزجاج، يرمحُ صيّادُ الكلمات ليظفرَ بحكمةٍ ربما تفسّرُ له مغزى ما سوف يسمع (الآن وقد أطبقَ عقربُ ساعة الجوفيال الصغير على العاشرة، والكبير على السادسة)!
وكان انفجارٌ هائلٌ هَزَّ أركانَ المدينة. انفجار قريب! ارْتَجَّت نوافذُ المقهى؛ فارتفعت رؤوسُ الزبائن لتنظرَ العيونُ في العيون! تَلَفَّتَ شكيب أفندي: هنالك وجوه ما كانت ساعة استغراقه في جريدته، غير أنّ الرجلَ باللباس العربي الأبيض غائب. ربما حانَ موعده فانصرف إليه. وفي الخارج، حين وقف مستطلعاً ما يجري، رأى الناسَ تهروِل وأصحاب المحلات يخرجون منها للشارع. وعلى مبعدة عرض الشارع المقابل، احتشدَت جموع متفرقة في ساحة الجامع المكشوفة. رجع بنظره للداخل، فعاينَ صاحبَ المقهى يحرّك مؤشر الراديو باحثاً عن جواب. لا أحد يملك جواباً، حتّى اللحظة. الجريدة مفتوحة وفوق ورقها يتدحرجُ قلمُه الـ «باركر» المُفضّل. غادرَ كثيرٌ من الزبائن يدفعهم الفضول والخوف من الآتي، غير أنه بقي لا يعرف ماذا يفعل! ثم، وكأنَّ دواراً خفيفاً أصابه، هبطَ فوق كرسيه واضعاً رأسه بين كفيه الغليظين. لم يدرك كم مرَّ من وقت، لكنه أنصتَ، وهو في مكانه، لضجيج موكب سيارات وهَرَج كبير يجيء من جهة جسر رغدان. لم يكن وقتاً طويلاً. غير أنه، لمّا رفعَ رأسه، اصطدمَت عيناه المضببتان، عند رأس قلمه الثقيل، بقولٍ يابانيّ تمايعت حروفه المطبوعة فلم يفلح، لحظتها، بلملمتها.
عندها، وكانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة وعشر دقائق، وقعَ انفجارٌ ثانٍ!
فكانَ ذهولٌ يغلّفُ النفوس.
وكانَ هَلَعٌ غامضٌ يلُفُّ المدينة.
وكانَ شَرٌّ خَفيٌّ يتطايرُ في الهواء فيحبسُ الأنفاس.
وكانَ على شكيب أفندي، كي يصلَ إلى بيته، أن يَتَسَلْحَفُ في شارع الملك طلال الذي طفق يخلو إلاّ ممن يهرعون في كلّ الاتجاهات. بعض المحلاّت أغلقت أبوابها. ومما يذكره، تلك الأوراق التي كانت تطيّرها الأقدامُ في شارع سينما «البتراء» الفرعيّ، على يسار الطريق، فارتدّتْ إليه انفجارات حيفا القديمة، قبل هجرته منها بشهور، والجثث الملقاة مقابل سينما «يافا.»
وكانَ مَنْعُ تجوُّل حتّى الثامنة ليلاً؛ فلم يستطع زيارة الخواجة جورج، بحسب المقرر. فما كان منه إلاّ أن همسَ لنفسه:
«لقد أفسدوا يومي، هؤلاء المشتغلون بالسياسة! معلش!»
استدارَ. أخرسَ الراديو. أخرجَ أسطوانته القديمة من حافظتها، وأَحَلّها فوق قُرص الفونوغراف، وشَغَّلهَا. مشى باتجاه النافذة لينظرَ منها إلى ما بدا من مدينة تغطس في ليلة ترتعش، متيحاً لصوت «كوكب الشرق» أن يزيح عن نفسه انقباضها. وأن يتعالى ولو مصحوباً بخشخشة اعتادها، كأنما هي من لوازم الأغنية.

” فصل من رواية “غريق المرايا” وينشر هنا بالاتفاق مع المؤلف.

الهوامش

(1) هزّاع المجالي (1919ـ 1960)، رئيس وزراء الأردن عند اغتياله.
(2) لكنة سكّان أحياء لندن الفقيرة.
(3) جمع «متليك»: عملة عثمانية صُكّت من النحاس لقلة الذهب. المتليك الواحد يساوي أربع بارات عثمانية، وقيمته ليست ثابتة.
(4) يصادف عيد القديسة، أو الشهيدة بربارة في الرابع من كانون الأوّل/ ديسمبر من كل عام لدى المسيحيين الغربيين، وفي السابع عشر من الشهر ذاته لدى الشرقيين. ويقولون في الأمثال: «في عيد البربارة بتطلع الميّ من قدوح الفارة» لغزارة المطر في هذا الوقت من السنة. الأصل أن بربارة كانت ابنة لرجل وثنيّ ثري هاله أن تعتنق إبنته الوحيدة بربارة الديانة المسيحيّة، غير قابلة بالأوثان آلهةً لها، فما كان منه لشدة جبروته إلاّ أن قطع رأسها لمّا أصرّت على إيمانها. المرجّح أنها ولدت أوائل القرن الثالث للميلاد، في مدينة نيقوديميا بآسيا الوسطى، وأنّ إعدامها حدث في 235 للميلاد. أما عن استخدام القمح في الخليط المحلّى، فإشارة إلى القصة التي تقول بأن «بربارة» لجأت إلى حقول القمح لتختبئ فيها وتتغذى عليها عند مطاردة والدها لها.
(5) جميل حنا البحري (1895ـ 1930) ناشط ورائد ثقافي كبير وكاتب مسرحيات من حيفا، له قرابة عشرين مسرحية مُثِّل بعضُها، من أبرزها: «قاتل أخيه»، و«سجين القصر»، و«الاختفاء الغريب». أصدر مجلة «الزهرة» عام 1923 (مجلة أدبية روائية أخلاقية تاريخية فكاهية) توقفت ليصدر بعدها جريدة «الزهور» عام 1927 (جريدة عربية حرّة)، حيث كانت تعنى بالأدب والفن. بدأت أسبوعيّة ثم مرتين في الأسبوع، وتوقفت بعد وفاته اغتيالاً في أيلول 1930. أسسَ أوّل مكتبة بأكثر من لغة في حيفا هي «المكتبة الوطنيّة» عام 1920، كما ساهم في تأسيس نادي الرابطة الأدبي، الذي توزعت أنشطته على غير مجال أدبي وفني تطبيقي.
(6) القصيدة للشاعر العباسي ابنُ النبيه المصري، ولقد غنتها أم كلثوم ذاك التاريخ في حيفا، بتلحين رياض السنباطي.