“الذهاب إلى نهاية العالم” قصة قصيرة للكاتبة البحرينية ابتهال سلمان

في غرفة الصف قال لنا أستاذ الرياضيات، عندما تقف نملة عند الجدار، وتبدأ رحلتها نحو الجدار المقابل لغرفة الصف، فإن ذاك قد يكون بالنسبة لها كالذهاب إلى اللانهائية، إلى نهاية العالم المستحيلة.

أنا الآن نملة في رحلتي نحو نهاية العالم. عندي من الزمن ساعة ونصف لأنجز الرحلة، وليس عندي أي تصور للمعجزة التي ستسعفني في قطع 65 كيلومتر من الزحمة الخانقة والشوارع الضيقة والإشارات الحمراء لكي أصل في الوقت المناسب، إلى نهاية العالم.

يقولون لك، هذه الجزيرة أصغر من أن تسيح فيها ساعات، يمكنك طيّها في نصف ساعة، من الشمال للجنوب، شرقا وغربا. لكني حالما أركب سيارتي لأبدأ الرحلة من شمال جزيرة المحرق، حتى يختفي أفق الوصول. الشارع يمتد ويمتد، والسيارات تتكاثر وثقل اليأس من إدراك الوقت النازف يزيد الأسى في قلبي. أقف في صف طويل من السيارات المنتظرة عند اشارة ضوئية مفترضة لا أستطيع حتى رؤيتها من موقعي،صبري يتسرب إشارة بعد أخرى، ضوءا أحمرا بعد آخر. وفي الشارع السريع الذي يبزع بعدها كالقمر في ليل داج، أقود بالسرعة القصوى لشارع مزدحم من جميع الجهات، أتجاوز خارج قواعد السير والذوق، أشعل الأضواء الأمامية ليفسحوا لي الطريق على وجه الأهمية، لكن الوقت يبقى يتسرب كالماء من إناء الأمل المثقوب. دون أن يبدو أني قد اقتربت من هدفي، فقدت ساعة من الوقت ولم يبق لي غير الصراخ البدائي: “ابتعدوا عن طريقي!”.

في رحلة الذهاب الى نهاية العالم، لا تذهب وحيدا، حتى عندما تبدو وحيدا. يطاردك بركان من الذكريات، يطاردك الى نهاية العالم. كانت له سيارة، وبيت. زوجة وحلم طفل. يضغط على رأسي صوته الواهن عبر سماعة الهاتف. القيود في معصميه، وآخر مرة عبر فيها باب البيت مغادرا بصحبة رجال الاعتقال، ولم يعد. ما طعم هذا؟ أن تغادر بيتك ولا تعرف أنها المرة الاخيرة. أن تنام خارج بيتك سنوات. أن لا ترى نصف أقاربك، أن تتوقف حياتك بأكملها عن أن تكون.

إن كل ما أريده هو ساعتين كل أسبوعين لأنظر في عينيه وأحاول أن أستمد منها شيئا من الصبر. لأقول له، ولو كذبا، أن لا شيء بالخارج يستحق اللهفة. لأتظاهر، لمدة ساعتين، أن بوسعنا أن نكون كما كنا ذات مرة. كما كنا قبل أن يأخذوه، قبل أن يجعل القاضي الناس تقف لحضرته، ليعلن أن على شقيقي المكوث عند حضرة الحكومة لخمس سنوات أخرى. ربما بدأت الرحلة، لا من ركوب السيارة هذا اليوم حقا، بل منذ ذاك اليوم والقاضي يتلو حكمه عليه، وفي الوقت ذاته حكمه عليّ بالذهاب في رحلة لا نهائية نحو نهاية العالم.

كيف سمحت لهم بأن يأخذوه ويبقوه كل هذا الوقت. كانت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات تطوى، لا شيء يحدث في جلسات الإستئناف سوى عصف الريح، هو في تيه القضبان، وأنا في الطواف اللانهائي. وفي هذا اليوم بدا أن كل دقيقة تعبر وأنا لا أصل كانت تقول لي: أني خذلته.

في الرحلة إلى نهاية العالم، منبه السيارة يعلو بالتحذير من تجاوزك للسرعة الآمنة مطالبا بالتخفيف، بعد أن تنجو من الاصطدامات الكارثية عند اشارات انطفأت فجأة بينما كنت تقطعها (هكذا تنوي أن تقول لشرطي المرور لو تصادف وجوده)، تكون قد شاهدت ملك الموت يركض بحماس في تقاطعات الشوارع وأنت تتجاوزه باتجاه هدفك، هدفك غير المرئي، الذي تندفع نحوه مسلحا بالرغبة الحارقة، تمر عبر شوارع لا تستطيع التأمل في معالمها، قلبك ساعة رملية لا ينفك الوقت عن النفاذ منها، وتركك خاليا، شاحبا، توشك على البرودة.

أي شيء لم أفعله لكي أصل؟ ذهبت إلى المحاكم، ودخلت مقرات الاعتقال، وتحدثت للإعلام، وللعالم، تظاهرت، خرجت في ثورة لقلب النظام. سبحت في مسيلات الدموع وعبرت الهراوات فوق الجسد. أي شيء لم أفعل لكي يعود. ولماذا فوق كل شيء، يستعصي عليّ أن أنجز رحلة قصيرة في جزيرة صغيرة من الشمال إلى الجنوب في الوقت اللازم، لأحظى بعشر دقائق كل أسبوعين؟

نصف ساعة؟ ليس حقا. ليس عندما تكون متجها إلى نهاية العالم، ذلك المكان الذي يبقى يبتعد كلما اقتربت، ربما لأن رغبتي بالوصول تماثل في قوتها الرغبة لو أن هذا المكان لم يوجد أبدا. كيف لم أصل، كل هذه الكيلومترات، كل هذه الشوارع السريعة والداخلية والمنعطفات والطرق و الممرات والاشارات والتقاطعات والدوارات والازدحامات، كل هذه السيارات التي مررت بها، وكدت أركب فوقها، كل تلك التي نجحت في تفاديها في اللحظة الأخيرة والحاسمة، كل تلك القرى والمدن التي مررت بها وتركتها خلفي فيما أنهب الأرض باتجاه نهاية العالم، ولا أصل. يبقى المكان عصيا، بعيدا، بعيدا.

بعد الاشارة الأخيرة، إذ أصبحت تعرف أنه لم يعد بينك وبين هدفك سوى هذا الشارع الطويل الممتد، تضع قدمك فوق دواسة البنزين ولا ترفعها، ماذا بقي لك من الوقت، ماذا بقي لك من النبض. بقي لك شارع لا ينتهي، شارع ذاهب إلى اللانهائية.

وكما يحدث دائما، في اللحظة التي توشك فيها على فقدان الأمل يبزغ جسرك الأخير، وترى أبراج المبنى في نهاية العالم.

في نهاية العالم، في الجنوب الأقصى من جزيرة البحرين، على بوابة سجن جو المركزي، يرفع هاديس يده في وجهي معترضا وتعتصر خلايا دماغي محاولة ترجمة كلماته لأي شيء آخر سوى افراز دمعي مالح في العينين: “انتهى وقت الزيارة.”

 

 

المنامة – نوفمبر 2017

 

ebtihals@gmail.com