ثلاث قصائد للشاعر العراقي هاتف جنابي

Hatif Janabi

 لُعبة

 

مَرْحبا يا يَدي، يَتُها الكتِفُ

أنتما خارجا تعملانِ ولكنْ على جسدي تقفان

فهل حانَ وقتُ فاتورةِ الكلمات؟

وَضَعَ القلبُ إصْبَعَهُ،

فوقَ دَفْقِ الألمْ

بيدَ أنّ طبيعتَهُ تركتْ جانبا

صرْخةَ الآخرينَ – ضيوف الجسدْ

فتدَفّقَ عَصْفٌ لتَعْقبَهُ

مُتواليةُ الألمِ

قمْتُ بوضْعِ يدي فوقَ طاولةٍ

وغَمَسْتُ بمَحْبَرَةٍ ريشَهَا

ثمّ عالَجْتُها بالقلمِ.

 

يابوونّا في 07-12-2018

 بافاروتي وآدَمزْ

 

يحدجُني الكرسيُّ بنظرةٍ خشبية

والجدرانُ تُصْغي بآذان من قرميد الجسور.

مُصْغيا إلى بافوريتي وآدمز*

جاءني رجْعُ أعماقٍ أجهلها مختومةً بالبلّور والضوء

لكنّي أحلم فيها من زمنٍ يسبق آدم.

فراشةٌ حَطّتْ على كتفي تسَللتْ من نافذة خلفي

خلّلَ الكهرمان- سجنها السرمديّ.

أوْمأتْ لي باتّجاهٍ يُعَرّشُ حول خصريهِ نباتٌ بري

فألفيتُ نفسي حائرة

بين هاويتين عند تقاطع الزمن.

كيف لي أنْ أقشّرَ نفسي

كيف يمكنُ أنْ أنْخلَ الوقتَ…

كيف لي أنْ أُدْخِلَ الباقي

في خرْمِ إبرةٍ مَغروزةٍ

في جنحِ عاصفة

كيف لي، ذلك الحلم أنْ أرْتقه؟!

 

* بافورتي ورايان آدم: الأول مغني الأوبرا الإيطالي الشهير والثاني مغني مشهور، يجتمعان في دويت..

 

يابوونّا في 30. 08. 2018

 

 دعسوقةُ الجار

 

جاري العِبريّ يعلُّق قبّعةَ الخوصِ على قرنِ أيّل،

قربَ مقبضِ باب الخروج ذي السوارين

فوقها صورةُ المسيح مُحاطا برايةٍ بيضاء – حمراء

رأيته من حديقة البيت كيف يُنقّعُها ثم يمسح رأسَ يسوع بها

واضعا كفّا على صدره وأخرى فوق كفّ الصليب

مرّةً قال لي مازحا: سأدعوك على مَلِكِ المُحرّمات

جاري العجوز في الثمانين من عمره

يسألني عن الشرق عن الصحراء والعقارب

عن نساء الشرق المُبرقعات، وهل هنّ يُخفين شيئا؟

فجأة لاحتْ فتاةٌ نهداها يرقصان، فقلتُ له: لا تقيّةَ بعدَ الآن!

قال: تعادلنا بين العراء والخفاء!

أسألُهُ عن النبتِ والفراشات والطيور

فيُشيرُ مازحا، أراك مُجنّحا يا صديقي

حتى أنني أعطيته دعسوقةً حمراءَ عند الشفق

كانت تدبّ فوق أوراق الخريف

الدعاسيق فِعلُها في الطبيعة أكبرُ من حجمها

لها مظهرٌ واحد، تغطيها شهبٌ حمراء

أجرامٌ سماوية على نغماتٍ شفيفةٍ تعزف…

ليستْ كبني البشر- ألوانُهم لا تُعَدّ

وأسماؤهم يسأل عنها الكاهنُ في يوم الأحد.

قال لي بعد صمت:

أفلَتُّ من محارق الغزاةِ ذاتَ ليلةٍ، من تبختر الخنازير،

غيّرتُ اسْمَي وانْبعثتُ من جديدٍ كي لا أُحْرَقَ مثل أخي والوالدين

حالِمَا، يُحيط بي قتلى وجلادون وقطّاعُ طرق؟

لا أدري كيف عشتُ كلَّ هذي المسافة

بين النقيضين: شموخ الحجارة وانْدحارِ الجسد!

كان جاري مستغرقا (رغم أنّ دعسوقةً

مرّتْ على شفتيه) في رسائل الغائبين

والبحث عن خاتم الزواج وقُرْطَيْنِ كانَ أهْداهُما

لزوجته المُنتحرة.

تَرَكْتُهُ مُنْسَحِبا ببطءٍ إلى الغابة الأولى

إلى الأعماق.

عدتُ سريعا فألفيتُ زوجتي

مُشرعةَ الشفتين

تقرأ الطالعَ من كفّ النجوم.

برمنغهام-وارسو في 22/29-10-2018

 

Three Poems by Hatif Janabi

hatifj@gmail.com