“خمسة مشاهد لثورة فاشلة” قصيدة للشاعر الليبي عاشور الطويبي

Ashur Etwebi

1

 

نوافذ السرايا الحمراء،

منعت الحكايات أن تطلّ على الساحة

العلمان الكبيران، لم يكونا هنا ليلة أمس

بينهما تقف وحيدة النخلة الطويلة،

ترفرف شوشتُها في الريح

عابرون في ملابس رياضية رخيصة وصنادل مغبرة

يدخلون ويخرجون

لا أعلام في أيديهم ولا حقائب

فقط حيرة نحيلة تحوّم في الهواء

سماء هذا الصباح الطرابلسي فقيرة وجافّة

لا أحد يسأل أين ذهب حمام الساحة

وأين ذهب بائع الفول السوداني

المشنوقون منذ قرن، والجالسون تحت الخيول النحاسية،

يتابعون فتية يرتدون قبعات العهد الجديد.

 

2

رتل سيارات مدنية، جنود بلحيّ طويلة وقفاطين أفغانية، يرفعون علامات النصر، وجوه فتية تبتسم، بنادق كلاشينكوف تملأ الفضاء، ضحك، هتافات، مباني صامتة، دكاكين مقفلة، مخابز فارغة، مراكز شرطة فارغة، معسكرات حُطّمت بواباتها، بحر صامت، سوق سمك فارغ، علب أغذية جاهزة، أعلام أعلام أعلام أعلام. مات قائد الثورة وملك ملوك إفريقيا؟!

 

3

العشريني الواقف في الساحة

تحت قبعة الشرطة العسكرية الحمراء، وخلف نظارة سوداء

ماذا يفكر؟ وماذا يرى؟

مسدّسه المعلّق على جنبه الأيمن ثقيل

يشعر بالندم أنه لم يأكل فطيرة التونة كلها

فتيات محجّبات، يرمين على الموكب العسكري ابتساماتهن

الساحة غابة أعلام من نوع واحد

الساحة غابة حياة قديمة دفنت في الفاتح من سبتمبر 69

قريبا ستشع الكشّافات الضخمة بأضوائها البيضاء

تنهمر الصيحات بلا حماس وتنسلّ بين الأجساد المتعبة روائح الشاي المطبوخ.

 

4

سياراتان ورشّاشتان، نوع 14.5 وراء تبة رمل

بقايا فوارغ ذخيرة من نحاس أصفر وقناني ماء بلاستيكية

كيس مكرونة، صندوق زيت، صندوق طماطم،

قطع خبز يابسة وعلب تونة فارغة وعلب زبادي النسيم فارغة

خلف كلّ رشاش يجلس رجل مرتديا معطفا عسكريا أخضر

اليدان على الزناد

العينان إلى الأمام

شمس حارقة، رائحة نفط ثقيلة

رجلان لم يفوزا بلقب الشهيد، لم تحتل صورتهما صفحات الفيسبوك ولم يتعرف عليهما أحد

حسبُ، أشلاء وراء تبة تراب في نهار اقترب من الرحيل.

 

5

غادر الذين وضعوا الحجارة على الجثامين

غادر الذين كتبوا الخطابات الحزينة والحماسية

غادر الذين بكوا وحثّوا التراب على رؤوسهم

غادر الذين حملوا الأعلام

في الليلة الأولى مدّت الأحجار جذورها في اللحم

في الليلة الثانية حطّ طائر على كلّ قبر

في الليلة الثالثة سقط المطر غزيرًا حتى الفجر

في الليلة الرابعة ارتفعت أعواد عضّة عاليا

في الليلة الخامسة نبتت أوراق خضراء صغيرة على الأغصان

في الليلة السادسة امتلأت الأشجار بالأعشاش

في الليلة السابعة لم تتوقف الأمهات عن الغناء.

 

 

bashirmetwebi@gmail.com