“عنبر الجنون المعلق” مقطع من رواية “سند الطابو” للكاتب العراقي محسن حنيص

محسن حنيص

مستشفى الامراض العقلية (الشماعية) ببغداد، يدخل بقوة الى رواية (سند الطابو) . يبدو الأمر وكأنه خارج الارادة. هناك اغراء هائل لفتح هذه الصفحة. في المستشفى يوجد قسم مغلق يطلق عليه (عنبر الجنون المعلق) تقبع فيه فئة من النزلاء مشكوك في جنونهم، هم في الاصل زبائن مديرية الامن العامة، تزورهم دوريا للتحقق من قدراتهم العقلية.

اليكم واحدة من تلك الزيارات :

في اليوم المعين لزيارة العنبر وصل اربعة من رجال الامن. سوف يقف كل نزيل امامهم لعرض ذاته، وبالطريقة التي يرتأيها. العرض اشبه ببرنامج للمواهب، يمثل فيه رجال الامن لجنة الاختبار. العرف الامني يكفل حق الجنون، لكن بشرط ان يكون اصيلا، ويحمل ادلة قاطعة. عيون الضباط حادة، تخترق حالات الزيف، خبرة طويلة في فرز العقل من اللاعقل. القت الباحثة الاجتماعية السيدة ايمان القيسي (التي تنظم دخول النزلاء) كلمة قصيرة، اكدت فيها ان نسبة الخطأ تقترب من الصفر.لايقدر ان يبقى النزيل معلقا لفترة طويلة، اذ يتحول مع الايام ، ودون وعي الى مجنون، ويكون شفاؤه اصعب من المختل اصلا. ادعاء الجنون مغامرة خطرة جدا، سوف تتفتت عناصر المنطق في داخله رغم انفه، فغياب المنطق اسهل بكثير من بقائه.

هناك مايوحد النزلاء: اللحى المهملة، والاضلاع البارزة، والرقاب المعروقة، والاقدام الحافية، والعيون المطفأة، والشفاه المتيبسة، وكل ما حل بهم من خفة، واستعداد للتحليق باجنحة الوهم.

هيأت ادارة المستشفى منصة وستارة للعرض على غرار المسرح. ستتفرج اللجنة الامنية على عروض فردية وجماعية. المطلوب منهم ان يؤكدوا جنونهم، سوف يحدد الضباط الوقت، ويضع كل رأيه بمعزل عن الاخر، وفي الختام سوف يقررون بقاء النزيل في المستشفى او اعادته الى المديرية. القاعدة الامنية: المتهم عاقل حتى يثبت جنونه.

ابتدأ العرض بعضو سابق في الفرقة السيمفونية الوطنية، عزف النشيد الوطني بمناخيره. لم تكن هناك آلات موسيقية، بل مزيج من النواح والعويل يفطر القلب. جاء بعده أحد العاملين في سكك حديد الجمهورية العراقية، شكل قطارا يطوف حول اللجنة: جكجكجك …. توووووووووت … جكجكجكجك، وكانت فرحته لاتوصف. سألوه عن وجهته، قال انه آخر قطار في الدنيا، من لا يركب معه فسوف يموت من السأم.

حين غادر القطار، دخل المنصة صوت جهوري: (ايها الرومان، ابنا وطني الاعزاء، اصغوا الي فان الموضوع خطير). ازاح بصوته الستارة، فظهر بجلباب امبراطور روماني. لم تتفاجأ اللجنة ولا ادارة المستشفى، فهو معروف سلفا. ولكي لايبقى عاريا، جلبوا له جلباب امبراطور روماني الدو. انتهى بروتس توا من قتل يوليوس قيصر: (من كان صديق حميم لقيصر، فاليه وحده اقول: كان قيصر حبيبي فانا ابكيه، كان مقداما فانا اطريه، ولكنه كان جشعا طماعا ، فقتلته …… ). فتح الضباط ملفه، خريج اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، ومسرحية شكسبير هي اطروحته للتخرج. كان من المفروض ان يذهب للحرب. لكنه فضل الصعود للجبل والانضمام لقوات الانصار الشيوعيين. وقع اسيرا في مواجهة مع الجيش. انهارت قواه العقلية تحت التعذيب وفقد ذاكرته. الشيء الوحيد الذي لم يفقده هو دوره في المسرحية التي اخرجها بنفسه ومثل فيها. قطع احد الضباط عليه خطبته: لكن يا سيد بروتس انت لم تقتل يوليوس قيصر فقط، بل فتحت النار على فوج مشاة في جبل قنديل، وقتلت جنديا. حتى الآن لم نسمع منك سوى دورك في المسرحية، اما في الجبل فلا شيء. سوف نمدد اقامتك في المستشفى فربما تعود اليك ذاكرتك. يخرج بروتس ويظهر شراع في خلفية القاعة. يرسو المركب في الميناء. يهبط القراصنة الملثمين، يتحركون في المدينة، يقتحمون مبنى الجمارك ثم يشعلون النار فيه، ويعودون الى المرسى، لكنهم لا يجدون مركبهم . يهربون سباحة، ينتهى بهم الأمر الى الغرق وسط البحر. تصعد الموسيقى الحزينة من وراء الستار. وينزل البحر مثل شمس الغروب. رتل من النمل يحمل جثة غريق، يسحبها بعيدا عن الشاطيء، كي يوصلها الى ثقب في الارض، يدفنها مؤونة للشتاء. فوج المغاوير يتقدم للحرب فيضيع في الغبار. زفة عرس يقودها بغل . يتصاعد ايقاع الجنون. يقود العرض مخرج سينمائي صنع فيلما في الخارج يسيء الى الحزب الحاكم، فتم خطفه وتأمين احضاره بالحقيبة الدبلوماسية. تعرض لتعذيب وحشي ففقد التسلسل الدرامي. الافلام التي يخرجها في المستشفى اقرب الى الكوابيس. بعد هذا العرض اجمع الضباط على جنونه.

من يسار المنصة دخل هندي احمر يحمل سهما وقوسا، ومن اليمين دخل راعي بقر امريكي (كاوبوي) يحمل مسدسا. بدأ كل منهما بالتسديد على الآخر. الشجرة التي تتوسط بينهما فشلت ان تكون حاجزا، فتراجعت وخرجت من المسرح، وبقي الاثنان يتناوشان عن بعد. حين انتهت السهام والرصاص، تقدم كل منهما صوب الآخر. قال الهندي الاحمر: انا قتلتك، فلماذا لم تمت؟ اجابه الكاوبوي: وانا ايضا قتلتك، واطلب منك ان تموت حالا. فقال الهندي: لكني رميت عليك اولا، فرد الكاوبوي: طلقتي اسرع من سهمك، ولابد ان تكون ميتا. قال الهندي: انت تغش، اذا لم تمت، فسوف اشتكي عليك. فقال الكاوبوي: انت ميت ولا تستطيع ان تشتكي. فبدأ الهندي يبكي، لن العب معك، انت لاتموت. تدخل السيدة ايمان لتوقف هذا الحوار، تقول انهما لو تركا فسوف يقضيان النهار كله دون ان يصلا الى حل. تطلب منهما اللجنة التوقف واخلاء المنصة. واضح تماما انهما فقدا الشعور بأهم بديهيات التفكير وهو قانون السببية.

بعد سلسلة من جلسات التعذيب حاول عامل في مقهى ان يبقى صامدا، فلا يعترف على رفاقه. ادعى ان ذاكرته سقطت في ابريق الشاي وهو يغلي. حبسوه خمسة اشهر انفراديا ففقد عقله. حين دخل على اللجنة كان يحمل هرما من اقداح الشاي. وزع على الحاضرين شايا. ودخل مقلد بارع لفريد الاطرش يحمل عود بلا اوتار. وتقدم ضابط متهم بالمشاركة في محاولة انقلابية. مازال يرتدي ثيابه العسكرية. واعلن البيان رقم واحد (بعد الاتكال على الله، وبهمة الغيارى…). كل يوم يستيقظ مبكرا، يحتل قاووش النزلاء ليذيع البيان ذاته. حينما يخلى المنصة يتقدم شيوعي متطرف، يحمل زجاجة فودكا، يرتدي معطف ليونيد بريجنييف، ويرقص البلايكا، ويغني اغنية روسية غريبة الاطوار، ثم يقف متجمدا مثل تمثال لينين.

كاتب عراقي مقيم في هولندا

shoka57@yahoo.com