عن أخي يوبرت ومحمود درويش

يوبرت يوخنا شمعون مع محمود درويش، عمان 2001

في العام 2001 التقيت بأخي يوبرت Youbert في عمّان، كان اللقاء الأول منذ أن تركت العراق في نهاية العام 1978. كان يوبرت مقيما في عمّان، ومثل الآلاف من العراقيين كان يطمح للوصول الى أوروبا. بعد ثلاثة أو أربعة أيام من التسكع سوية في العاصمة الأردنية، قال لي ونحن نسير في أحد الشوارع “لماذا لا تعرفني على محمود درويش”؟

“أي محمود درويش”؟ أجبته مستغربا.

*

في صيف العام 1978 أنهيت خدمتي العسكرية الاجبارية في الجيش العراقي، وكان أخي يوبرت قد التحق بالخدمة قبل ذلك ببضعة أشهر. ولم يتسن لي أراه لأشهر عديدة. بل أنني لا أتذكر فيما اذا كنت قد ودعته حين تركت العراق، مرة والى الأبد. كما لا أتذكر، أن أخي الحبيب يوبرت، قد تحدث معي ذات يوم عن الشعر أو الرواية.. ولم أره ولو لمرة واحدة يقرأ قصيدة أو قصة… كنت أعرف أنه مهووس بهندسة الطيران. كان هذا حلمه.

لذلك كانت مفاجأة بل صدمة كبيرة لي حين ذكر اسم محمود درويش.

*

أنني أحدثك عن الشاعر الفلسطيني العظيم محمود درويش” قال لي يوبرت “لقد سمعت أنك تعرفه”. واضاف أن حلمه أن يلتقي بالشاعر محمود درويش.

وفعلا حين عدت الى فندقي اتصلت بحبيبنا الراحل محمود درويش، وأتذكر أنني قلت له “لقد أكتشفت أن أخي الصغير معجب جدا بك ويتمنى أن يراك، قبل عودتي الى لندن”.

قال لي محمود تعالا بعد الخامسة لنشرب القهوة عندي.

أخذت أخي وذهبنا الى الشاعر العظيم.

ما أن فتح محمود درويش الباب حتى رأيت أخي يهجم عليه ويحضنه ويردد أنني أحبك أحبك، أنت شاعر الثورة، أنت أعظم شاعر .. نظر اليّ محمود مستغربا. (ثورة يوبرت كانت مفاجأة حقيقية لي).

كنت أعرف أن محمود درويش لا يحب أن يلمسه أي رجل. ولكنه شعر بعاطفة خاصة نحو يوبرت، شعر بأنه ازاء شاب صادق ونقي. فأحبه، وعامله بلطف ومحبة كبيرين.

بعد أن هدأت الأمور، ووافق يوبرت أن يجلس. في البدء رفض أن يجلس أمام محمود درويش. قال محمود درويش، طيب اسمحا لي ان اذهب واعمل لكما القهوة.

هنا، صرخ يوبرت بصوت عال “لا أسمح لك. لا أسمح لك أن تعمل لي القهوة.. أنت شاعر الثورة..” وظل يصرخ الى درجة يمكنني أن أقول أنه دوّخنا. ثم أخذ يبكي، ويقول موجها كلامه الى درويش “أنا جئت هنا لأسلم عليك، ولا أقبل أن تعمل لي القهوة، أنت شاعرنا العظيم، أنت محمود درويش .”. . والله قال أشياء عجيبة، الى درجة جعلت محمود يحتضن أخي ويقبله ويقول له بهدوء “يا يوبرت، أنت في بيتي، ونحن عرب، ولازم نقوم بواجب الضيافة.. “. عاد يوبرت الى مقعده وظل يبكي وهو يهز رأسه موافقا.

بعد لحظات ناداني محمود الى المطبخ، وقال لي “دير بالك عليه، هذا شاب كثير طيب”.

بعد أن شربنا القهوة أخرج يوبرت من جيبه كاميرا بلاستيكية disposable camera، وطلب مني أن أصوره مع محمود درويش. وهذا ما فعلته.

*

عندما توفي يوبرت يوم 25 نوفمبر 2018، في شيكاغو، سافرت الى هناك، زرت غرفته الصغيرة والفقيرة جدا. كان يقيم لوحده. رأيت صورته مع محمود درويش، معلقة بالقرب من صورة أمي.

صموئيل شمعون