قصيدة “السهل” للشاعر الفرنسي أوجين غيلفيك ترجمة عن الفرنسية أسامة أسعد

أوجين غيفيك، أو غيلفيك كما عرف عند العرب

لهذا السهل الذي أمامك.

ما الذي قد تقول

ولا يعرفه

لكثرة ما ردّدتَه؟

لكنك تشعر، تعرف

أن ثمة شيئًا جديدًا

تنتزعه منه

وتبحث.

ربما بسبب التقدم في العمر،

تتشكل الآن بينكما

شبكة جديدة،

وربما

هي أن تفضي له

أن بينكما،

لم يغيّر العمر شيئًا،

وأنّ الحلف

لم يتبدّل.

ليس لي أن أكون نشوانًا

بالتوحُّد معك، مع اتساعك،

وما تحتوي.

حسبي أنني

أنا وأنت،

حسبي أننا،

كما نحن،

نشوانين بالوجود معًا

أنا وأنت.

وأن أشعر

بهذا التيار اللانهائي بيننا

وأن أجده

كلما دنوت منك

ومهما نأيت عنك.

أتَرى، أيها السهلُ:

عندما يكون الشغف هنا، موجودًا،

عندما نبحث بلا كلل

كيف ينبغي أن نبحث

كي أعرفك وتعرفني

كي نتّحد.

كيف نكتشف في الآخر

ما فينا،

وإن لم نجده

يجب أن يأتي،

أرأيت إذًا، أيها السهل:

لا تخمد فينا الجذوة.

عليك وقفتُ.

وعليك استلقيتُ،

وعليك تدحرجتُ،

وهذا كله أستطيع فعله

ثانيةً، وثانيةً،

وسأفعله،

ولكن أخبِرني

أنّ ما كان،

لم يُنسَ منه شيئًا.

فلتعلمْ، أيها السهل،

أنّي أبدًا لا أراك

عن قرب أو بعد

ـ وأحب أيضًا

رؤيتك من الأعلى –

وأني أبدًا لا أراك

إلّا وكلّي

مغمور بك

إذ نغوص

في الأعماق

حيث يروق لك ذلك أيضًا.

ينتابني الفضول

كلما انحنيت عليك

من أعلى،

أشعر

أنني أرتفع وأسمو،

بالغوص فيك

وبالصعود.

ترى ما هو رأي السماء في هذا؟

ولا أتكلّم

عن هذه الآلهة التي أجهلها

وأريد أن أجهلها،

أتكلّم عن الزرقة.

عن الأثير، والغيوم،

عن هذه الهاوية

التي تتهرّب مني ولا أمسكها.

أعذرني

إن كنت في بعض الأحيان

في غمرة اتحادنا

وفي إظلامي المجيد

بك

وإظلامك المجيد

بي

أخالنا برجًا

يشعُّ على الأرض

وما يتوّجها.

أقول

إننا موجودَان.

أقول

إنه بفضلنا

يوجد آخرون

وإنهم يعرفون ذلك.

أقول

إنه بفضلنا

تتشكل سلسلة

تنتصر بنا على ذاتنا.

منذ متى

يدوم اتحادنا

وتكراره؟

وعندما يكون الاتحاد هنا

من يبدأ عدَّ الزمن؟

يجب أن نبلغ

لحظةً

لا نعرف فيها

بداية ولا نهاية.

ننفصل،

يا سهل،

لكننا إلينا نعود.

لم ننته أبدًا،

وأبدًا لن ننتهي من الذهاب إلى النهاية.

ثمة شيء هنا

لم يُكتشف بعد

وينبغي اختراعه

وعيشه على أية حال،

سرّةٌ

نقتات منها دائمًا.

أنا صغير جدًا،

أعرف ذلك جيدًا،

وأنت كبير،

بل أقول إنك هائل

لو كنت أعشق الصفات.

أنا صغير، ولكن لا يهم،

فالقصة ليست مسألة أبعاد.

إنها مسألة قوة،

مسألة حاجة.

لا أشعر بالضياع

فيك،

ولكن بالطفوِّ فينا،

في هذه الكرة التي نخلقها

تمشي

يحملها الهواء،

تفتح فضاءً

بات أكثر حضورًا.

الهواء

مسكون بأنهار

لا نراها.

إنها بحرها.

فيها من الجاذبية

ما يكفي

بحيث لا تُفلِتُ من الأرض.

تخاف الأضواء القوية جدًا.

أقوى مما يطلب جسدها.

فيها من الشجرة

ما تكتمُ الشجرة

عن نفسها ولا تقول.

تحمل من العذوبة

مقدار ما يمكّنها

من إخفائها.

لها صوت الطيور

عندما

يحادثها الربيع.

لها

ما يجعلنا نتأمل

ولا نملّ

جريان ماء الجداول.

منها تتخذ الزهور،

والمرجان، وشروقات الشمس

إلهامها.

عليها

يصبح الأسود لونًا.

ترقّص انحناءات جسدها

على موسيقى

تخترعها.

لها من الأفعى

انسيابها

وما يجب من الحيلة

لتكون ما تكون.

تستطيع أيضًا

أن تكون غضبًا

كالساقية

إذ تغدو شلالًا.

تعرف أنها

ليست نفسها دائمًا،

لكنها لا تكترث.

إنها حاجة الغموض

للوضوح.

إنها التحام العناصر

التي تشعر

بعبورها فيها.

تمشي

نحو تقديسها

بما يحيط،

وسيحيط بها.

في حضرتها

يغدو الظل ظلامًا.

الشجرة

متجذرة في الأرض،

وهي متجذرة في المركز.

ليست واثقة جدًا

من نفسها،

أحيانًا

تسيطر عليها سلطتُها.

عندما تفعل

تحلم.

لا تتوقّف عن القتال،

ولكن ضد ماذا؟

هي نفسها

لا تدري.

ثمة شيء

يبحث في الفضاء

ويتغذّى بالضوء.

أينما سارت

تصبح الدرب لها.

بلحظة

تبلغ المنحنيات

الكمال.

أينما كانت

تتكلم لغة ينابيع

قلب الغابة.

عندما يسيل الماء على جسدها

يعود إلى الأصل.

وليكتمل بهاء النهار،

حسبها أن تظهر

على عتبة الباب.

هي جسد

هي روح.

هي جسد الروح.

نظرتها

تقول ما يدور في خلدها

في ذاتها،

ومظهرها.

عيناها قبّة السماء.

هما بركانان أيضًا،

واعدان بقدر مكتوب.

رموشها

ذاكرة الغابات الأولى.

يداها تشهدان

كالبتلات

التي يتربّص بها الخطر.

أين هو الجبل

الذي قد يملك من الشغف

ما تقوله ركبتاها؟

نهداها

يحتفظان بالسر،

ويكتمانه.

إنهما أكثر ما عندها من كوكبيّ.

عندما تحب،

تحب معها

الأرض كلها

من خلالها.

لو لم تكن،

كيف ستكون حالنا اليوم؟

هي وحدها

تقف سدًّا

ضد هجمات الأفق،

كي تخلصك من هذا الرهن

الباقي أبدًا هنا.

بسمتها

ثمرة تحالف

المستقبل

والكوكب.

الشمس

والقمر معًا،

كأس قربان الأرض المقدسة.

أراها،

عارية في الأفق

بقامتها الطبيعية،

قدماها في السهل،

ورأسها في الهاجرة.

***

أسامة أسعد، باحث ومترجم سوري

 

(أوجين غيلڤيك أو غيڤيك Eugène Guillevic 1907-1997فرنسا) من أشهر شعراء النصف الثاني للقرن العشرين (نال الجوائز التالية في حياته:

• جائزة الأكاديمية الفرنسية (1976)

• جائزة الإكليل الذهبي (1976)

• الجائزة الوطنية الكبرى في الشعر (1984)

• جائزة غونكور في الشعر (1988

حظي بترجمات مختلفة للغة العربية.