محمد علاء الدين عبد المولى: أوراقٌ ليست مجهولةً من سيرة أبي

Mohamad Alaaedin Abdoul Moula

* البداية *

 

أبتدئُ من غبارٍ يستولي على تفاح رئتيه

ينهمر من يدِ جلاّدٍ علّقت حناجرنا على ملح المشانق

فرأيتُ جبلاً ينصهرُ في روح الشّيخِ

وتراتيل تتوارى خلف ضبابِ عينيهِ

وشممتُ رائحةَ الموتِ تسيلُ من القمرِ.

أبتدئ من حلم

/ جنازةٌ رُفِعَ فيها كفنُ ملوّثٌ

الكفن ابتلع الشّعر – فراشةَ الطّفولةِ –

امتلأَ غماماً

قرأتُ اسمي على بياضِ الكفن /

فلماذا يسرقُ أبي حلمي ويموتُ قبلي؟

* ملك الليل *

 

أنتظرُ حتى ينطفئَ الليلُ

حديثنا نسيانٌ

وأبي ذاكرةٌ تنشئ وقتَ العالم

ولا تنسى إلاّ الفرحَ

ملكُ الليلِ أبي: تاجه قمرٌ يشتعلُ شيباً

من عسل عينيهِ يعبّئ خوابي الفجرِ

وتلك زهرة عطر الليل تجلس في سرير الحديقةِ

– إلى أين يأخذني عطركِ ؟

– إلى فجرِ الزنزانة

*

أنتظرُ حتى ينطفئَ الليل

هو ذا الله في قمر

انظر رأسَ الكوكبِ ما أعلاه

إنه اللهُ من خلفِ الضّبابِ يتستّرُ بالحرير

هي منارات روحكَ مشرعة

أقم بين الأشجار والأذكارِ

صديقكَ النبيّ وأعواد البخورِ تفتحُ طاقة للانكشافِ

أيها المزّمّلُ بالهشّ من القشّ

(خديجةُ) قطعوا ثديها

فتزيّن بفضّةِ الكآبةِ واردمْ بئرَ الشّهوة

إنه الله من خلف الحراب يقضي

* شجرة *

 

كثيرُ الحلمِ قليل الفرح

مشتْ فراشاتٌ في صدره

قيل وجهه يتشقّقُ في خطبة اليأسِ

عيناهُ نجمتان منطفئتان رويداً

وقالبه شجرةٌ أفاتحُ أوراقها

أرى احتشاءَ الحلم في الوريدِ

ملائكة انسحبت بأنهارها عن الجذور.

هنا القلبُ رملٌ

وجراد يصنعُ وليمة على الثمر

يا أبي هل تسمّي الجراد الزمانَ ؟

قلبك شجرة ما تلوّث سحابها بغبار الملوكِ

فلأختبئْ مع الأطفال تحتها

أقبّل امرأتي وأدخلُ ملكوت اللاّنهايات

* الحيرة *

 

يحتار قليلاً ويخسرُ أشياءه

كانت زهرة معلّقة بيمينه

هل يجمع حولها نحل العائلةِ

أم يزين بها تابوته ؟

رأسه مئذنةٌ تجلدها رياحُ الشتاء

تؤذّنُ كل يوم لخمسين جنازة

لكنّ قلبه يبقى مسْجِداً فارغاً

* القلق *

 

الجسد خيمةٌ يبدأ منها صهيل القلق

هل يفكّر سقف السّجن العالي

بأن يسقط على رؤوس أطفالي

أم يعودون ذات صباحٍ طارئ

في صندوقٍ مختومٍ بكعبِ بندقية ؟

صهل القلقُ /

أنتظر الزّمن وأبتدعُ الصّلوات

تراني صاحب خواء

أم مَلكاً يُسحبُ العرش من تحته

يسقط تاجه عندما يركع للربّ ؟

تراني نافذةً يخرج منه النّشيدُ

ويهربُ أولادي منها ولا يدخلُ منها قمر ولا… ؟

صهل القلقُ /

الجسدُ بركانٌ خامد من الشّهوات

هذا الليلُ لا يعطيه كوكبَ الرّعشة

وأمّي مدّت يدها إلى صدرها وقالتْ:

ثديي مقطوعٌ فابتعدْ أيها القويّ.

صهل القلقُ /

سأفقد طيوري

أحدّقُ في الوردِ فأخسر معناها

أحدّقُ في الموتِ فأفقد معناه

يا حياة ياحياةُ

نادى وما لبّت

حركةُ اليدِ غمامةٌ بطيئة

الحبّ في القلبِ سلحفاةٌ هرمت

وما تبقى موتٌ يدلّ على خريف الحياةِ

* في القلب *

 

في القلبِ نشيدٌ أبيض

هو الكفنُ الّذي سرق جسدكَ.

في القلبِ نشيد أسود

يشبهُ الحزنَ الذي أغرق بلدكَ.

في القلبِ نشيد يرفعُ الإله على جبينه متعباً

إلهٌ يمضي في الخبزِ

في ذاكرة يمسحها الجلاّدُ

في صبرٍ يحمل صخرته ويصعد جبلاً لا مرئيّاً.

في القلبِ إلهٌ في قلبه نشيدٌ

تتلوه الملائكةُ في حضرةِ الجثث.

في القلبِ عرشٌ من الحزن

تجلسُ فوقه عجوز تسمّى الأمّة

لم يبق منها غير ثدي تطعمه للدّيدان.

* الشّفاعة *

 

ماذا أقولُ لقلبي إذا الليلُ اكتسى جثثاً

وآبارُ الكلام عبثاً ؟

ماذا أضعُ في يديْ من يقرع نافذتك ؟

ها هي الروحُ تعرجُ إلى فكرة الفردوس أو الجحيم

فلا تختلفي يا حبيبتي إننا سنفزعُ إلى جناح الملائكةِ

سأقول لأبي

أيها الأبُ يتمطّى الحلمُ ترعدُ الأرواحُ

يلعبُ أطفالٌ في كآبةِ الوطنِ

وما زالَ الفجرُ بعيداً

لمَ لمْ تنتظرني لأغمضَ عينيكَ ؟

تعالَ ارقدْ في سلامِ العالمِ الأسفلِ

ودع قصيدتي تواجه منجل القتلة

بسنابلها الأخيرة

 

شاعر سوري مقيم في ألمانيا

mmalmawla65@hotmail.com