مقطع من رواية “الهروب من جزيرة أوستيكا” للكاتب الليبي صالح السنوسي

 

تصدر في الاسبوع الثاني من شهر كانون الثاني (يناير) 2019

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب

1

في جزيرة : اوستيكا” ينتظرون فصل الصيف بفارغ الصبر أكثر من أي فصل آخر، حيث يعتدل المناخ فيزداد النشاط بين القرى المتناثرة بين جبال الجزيرة وتنشط حركة التجارة والسفر ، بسبب هدوء البحر ورغبة الكثيرين في الخروج من الجزيرة التي قضوا فيها بقية فصول السنة.

يزداد إنتاج المزارع ويكون العمل أقل مشقة ولكن ساعات العمل تكون أطول بالنسبة للسجناء المنفيين في الجزيرة، لأن عملهم يمتد من الصباح إلى ما قبل المغرب بساعة ولكن بالنسبة إلى سالم البراني فإن المشقة وطول ساعات العمل لا يصنعان فارقاً لديه، فقضيته الحقيقية هي حب” لورينزا” الذي نما بين الصخور السوداء ووسط أعمال السخرة وسياط الجلادين، متحدياً القهر والظلم ومشاعر اليأس والاحباط، أما بالنسبة إلى رفيقيه ادريس التايب ورمضان الجالي، فإنهما يفضلان العمل الشاق في الفضاء المفتوح على الشمس والهواء بدلاً من البقاء في كهوف السجن المظلمة تحت أعين الحراس وإدارة السجن، بينما بقية رفاقهم من المنفيين لم يقبلوا العمل في هذه المزارع بسبب صحتهم أو أعمارهم ففضلوا الجلوس في مجموعات على صخور الشاطئ في ضحى الأيام المشمسة.

عندما وصل سالم البراني إلى المخزن حاملاً فوق كتفه جوالاً “كيساً” ثقيلاً من البطاطس، رأى فتاة خضراء العينين طويلة القامة تميل إلى النحافة، تضع على رأسها الغطاء الذي تضعه النساء الإيطاليات في تلك الجزيرة، بينما تدلت بين كتفيها جديلة شقراء طويلة.

تسمر في مكانه واستغرق في النظر إليها حتى انه نسي أن هناك حملاً ثقيلاً فوق كتفيه ينبغي أن يتخلص منه ويلقي به على الأرض.

كان الوقت ضحى يوم صيفي تنعشه نسائم البحر الذي يعانق قوس السماء على المرمى القريب من النظر.

لقد مضت على سالم البراني ورفاقه قبل هذا اليوم ست سنوات من السجن في منفى جزيرة ” أوستيكا” ذات الصخور المحروقة.

قبل ست سنوات وبعد حلول ظلام أحد أيام شهر يناير في السنة الرابعة من العهد ” الفاشيستي” الموافق لعام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين، تحرك مركب صغير من بين السفن الراسية في ميناء بنغازي ليرسو على أحد الأرصفة المعزولة في الطرف الغربي من الميناء، حيث ينتظر طابور من الرجال المكبلي الأيدي تحت حراسة شرطة ” الكارابنيري” وخلفهم جنود بنادقهم تبرق شفرات حرابها تحت الاضاءة الخفيفة التي يسلطها المركب على الرصيف لكي يتمكن هؤلاء الرجال المكبلي الأيدي من رؤية طريقهم إلى جوف هذا المركب الذي يحمل إشارات البحرية العسكرية الإيطالية.

ما أن تم التسليم والاستلام بين الشرطة التابعة للإدارة الاستعمارية في مدينة بنغازي وحراس المركب التابعين لإدارة سجن جزيرة ” اوستيكا” حتى أنزلق المركب من حوض الميناء إلى ظلمة البحر تاركاً خلفه مدينة يلفها رداء الخوف وفي بيوتها عشرات الأمهات والزوجات والأخوات والأبناء والآباء، الذين لا يجرؤ أحد منهم أن يطلق صرخة استغاثة.

أخذ الكابيتانو “ماروزي” مندوب سجن “أوستيكا” يتصفح أثناء الرحلة البحرية الطويلة، ملف السجناء المنفيين الذين امسو في عهدته بعد استلامهم في ميناء بنغازي منذ ليلة الأمس .

كان التقرير من بضعة اسطر حول اسم خالد الكيلاني، يصفه بأنه محام ومن كبار وجهاء المدينة ومن احدى عائلاتها العريقة، درس القانون في فرنسا وسبق له أن شغل عدة وظائف في الإدارة التركية، يتكلم إلى جانب لغته العربية اللغات التركية والفرنسية والإيطالية، أحد أشد المحرضين ضد الحكومة الإيطالية رغم تظاهره بالاعتدال، مقيم في بنغازي، صدرت ضده عقوبة بالسجن المؤبد، بينما يحمل الملف الثاني اسم سالم البراني المقيم في درنة والذي يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، يعمل مدرساً في المدرسة الإيطالية العربية، درس اللغة الإيطالية في مدرسة الراهبات ثم اكمل دراسته في مدرسة ” سان ماركو” بالإسكندرية.

يرتبط بعلاقات مع العصاة ويقدم لهم العون المادي.

حكمت عليه المحكمة العسكرية بعقوبة السجن خمسة عشر عاماً.

الاسم الثالث حامد الصافي يبلغ من العمر ستين سنة، أحد مشائخ السنوسية في الجبل، يحرض الناس على الالتحاق بالمتمردين صدرت ضده عقوبة الحكم المؤبد.

يحمل الملف الرابع اسم الحاج سليم محمود البالغ من العمر خمسة وخمسين عاماً، من كبار تجار مدينة بنغازي ووجهائها المعروفين، يقدم الأموال الى المتمردين، أصدرت ضده المحكمة العسكرية حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات.

الاسم الخامس. حسين الفضيل، يقدر عمره بأربعين عاماً، من سكان البادية ومن شعرائها المعروفين، يسخر شعره لتمجيد المتمردين وحث الناس على محاربة الحكومة الإيطالية، صدر ضده حكم بالسجن لمدة أربعين عاماً.

في الملف السادس يجد اسم الشيخ مسعود الجارح يقدر عمره بخمس وستين سنة، شيخ قبيلة في منطقة البطنان، يمتلك ثروة حيوانية كبيرة يخصص جزءاً منها لتمويل المتمردين. صدر ضده حكم بالسجن المؤبد.

يكتفي الكابيتانو” ماروزي” بهذه العينات من ملفات السجناء المنفيين، فقد توقف المركب منذ ساعة تقريباً على شاطئ جزيرة “اوستيكا” وأنتظم السجناء في طابور صامت حزين يتعثرون على رمال الشاطئ بسبب الاعياء والجوع ودوار البحر وظلمة المكان.

دفعوا بهم في سرداب مظلم لاينير طريقهم فيه سوى مصباح صغير في يد أحد الحراس إلى أن وصلوا إلى نهاية القبو، فتراجع حامل المصباح فأختفى الضوء وسمعوا صرير اكثر من باب حديدي خلفهم تردد صداه في حلكة الظلام الدامس.

جمعوهم في الصباح في ساحة السجن فأخذوا يجيلون أبصارهم في ماحولهم فاحسوا بأنهم في حفرة عميقة تحيط بها جبال شاهقة سوداء لم تترك سوى رقعة صغيرة من السماء الملبدة بالغيوم فوق رؤوسهم.

يعلق سالم البراني بسخرية مريرة: يبدو انهم القوا بنا في بئر عميق لا ماء فيه.

كان ذلك أول تعليق على المكان من جانب الشخص الوحيد الذي ستقوده الأقدار والمصير بعيداً عن أرض الجزيرة وسمائها بعد ست سنوات من ذلك اليوم.

فجأة ارتفعت جلبة ونباح كلاب دخلت الى المكان من الجهات الأربعة يمسك بها الحراس وهي تحاول أن تتملص منهم لتهاجم الفرائس التي أمامها.

يقول خالد الكيلاني الذي يخاطبه الجميع بلقب البي خالد: لا تتوقعون منهم ان يستقبلونا بغير هذه الطريقة.

تختفي الكلاب وبعد قليل يدخل آمر السجن كان يحمل رتبة ماجوري” فبدا في عموم هيئته في العقد الرابع من عمره ضخم الجثة متجهم يلتفت الى يمينه وإلى يساره وكأنه يبحث عن شخص او شيئا ً ضاع من منه، عيناه الشهلوتان يتطاير منهما الشرر. وبعد لحظة صمت كان خلالها يتملى المشهد الذي أمامه، تقدم المترجم ليقف الى جانبه ويخبرهم بأن الماجوري” دانادوني” يريد أن يتحدث اليكم فانصتوا.

أخذ الماجوري “دانادوني” يشرح لهم اللوائح المعمول بها في السجن والاجراءات والعقوبات التي تطبق على من يخل بالنظام، ثم يبين لهم بأنه بحلول المساء يتم وضع القيود في أيدي السجناء ليناموا في حجرات تضم كل منها خمسة نزلاء ، وفي مقابلها الزنزانات الفردية لمعاقبة كل من يرتكب فعلاً مخلاً بالنظام، أما الغذاء فيتكون من خمسمائة جرام من الخبزة ومائتي جرام من الحساء يومياً، ولكن من لديه القدرة المادية لشراء السلع الغذائية فبإمكانه أن يفعل ذلك، كما يجوز لكل واحد منهم ان يبعث برسالة كل شهر الى اهله عن طريق ادارة السجن شريطة ان يتحمل رسوم البريد، واي محاولة للهروب من السجن عقوبتها الاعدام.

كان اليوم الاول طويلاً تخللته مفاجأة محزنة عندما قامت ادارة السجن وهم ما يزالون مكبلي الايدي بحلق رؤوسهم ولحيهم وشواربهم، فكان ذلك صدمة كبيرة لبعضهم ولاسيما المشايخ الذين اعتبروا ذلك مساساً بكرامتهم ورجولتهم فقال الشيخ مسعود الجارح متأثراً : كنت اتمنى أن يعدموني على سفح هذا الجبل من أن يقيدوني ويحلقون لحيتي.

ظلوا عدة اسابيع وهم تحت تأثير هذه الصدمة رغم محاولة البي خالد الكيلاني التهوين من الامر ودعوتهم الى تجاوزه لكي يفوتوا على الإيطاليين فرصة الشماتة بهم عندما يرونهم على هذه الحالة من الحزن.

يوقظون العشرين سجيناً في الساعة السادسة صباحا، ومن يجدونه نائماً ينال عقابه من الجلد بالسوط أو الحبس الانفرادي، لا تقدم ادارة السجن افطاراً صباحياُ، بل على السجناء أن ينتظروا وجبة الغداء في منتصف النهار مالم يكن لدى بعضهم القدرة على دفع ثمن الافطار فقد سمحت ادارة السجن بعد مضي عام لذوي السجناء ان يبعثوا اليهم بمبالغ مالية في بداية كل شهر.

يخرجون لمدة ساعتين عندما تظهر الشمس من خلال قمم الجبال الشاهقة السوداء، ثم يعودون الى مبان السجن داخل الكهوف المظلمة الرطبة والزنازين الانفرادية لكل من يرتكب افعالا تعتبرها إدارة السجن اخلالا بنظام السجن ولوائحه.

مع توالي الأيام والشهور اخذت مقاومة اجسام معظمهم تسقط تحت قسوة الحياة في معتقل مصمم من اجل ان يموت فيه كل من يدخله بدلاً من اصلاحه وخروجه منه حياً، فانتشرت بينهم امراض السل وفقر الدم والفشل الكلوي ونقص المناعة فازدادت حالات الوفاة.

قال البي خالد الكيلاني وهم عائدون من تشييع جثمان احد رفاقهم: هذه الجزيرة اسمها الارض المحروقة ، وهذا القبو ليس سجناً ، بل مقبرة، ونحن بيننا شعراء فعليهم أن يوثقوا حياتنا في هذا المكان بأشعارهم وليحاول كل منا أن يحفظ منها مايستطيع طالما اننا ممنوعون من الكتابة، وبالتالي فمن تكتب له النجاة من هذه المقبرة سينقل بعض هذه الاشعار إلى اهلنا هناك، حتى لانسقط من ذاكرة اجيالنا في المستقبل.

يرد عليه الشاعر البدوي حسين الفضيل: عليك ان تستعد منذ اليوم لحفظ ما سأقوله.

يجيبه خالد الكيلاني: سنحاول جميعاً حفظ ما نسمعه منك ومن سالم البراني.

يعلق سالم البراني شاعر الفصحى: لن اجد من يحفظ شعري سواك انت والشيخ حامد الصافي.

يرد عليه خالد الكيلاني مطمئناً: ستعود انت وشعرك الى الوطن، لأنك من الجيل الذي سيشهد زوال حكم الدولة الإيطالية عن وطنه.

يتساءل الحاج سليم محمود: اي الدول ستخلف دولة إيطاليا، حسب ظنك يا بي خالد.

يرد عليه: لقد مضت ثمانية سنوات على نهاية الحرب الكبرى والخلافات بين الامم الاوربية اخذت في التصاعد وقد لا تمر سوى سنوات قليلة حتى يدخلون في حرب كبرى جديدة، وهذا ما كان يتنبأ به كبار رجالات السياسة والصحافة، واذا وقعت فستهزم دول وستخسر مستعمراتها وإيطاليا على الاغلب لن تكون من المنتصرين.

يرد عليه الشيخ حامد الصافي: ولكن إيطاليا سبق وان دخلت الحرب الماضية وكانت الى جانب المنتصرين وقد يحدث الامر نفسه في الحرب القادمة.

يقول له خالد الكيلاني: لم تكن إيطاليا آنذاك تحت قيادة الفاشيست” وموسوليني فهؤلاء مجانين ولديهم اوهام ستجعلهم يدخلون في حروب مع الامم الاوربية القوية.

يعلق سالم البراني: هل هذه نبوءة ام انها امال واحلام سجناء.

يرد عليه خالد الكيلاني: هذه نبؤات الاخرين ونحن ليس لدينا سلاح نواجه به هذه الجبال السوداء التي تحيط بنا وهذه الكهوف المظلمة التي نعيش داخلها سوى الأمل.

هذه الأحاديث كانت هي السلوة الوحيدة لهؤلاء السجناء المختلفين في الوعي والثقافة والسن والذين جمعت بينهم نكبة وطنهم فالقت بهم في جزيرة الأرض المحروقة التي كانت مكاناً لعزل المجرمين العتاة والقتلة وقطاع الطرق والميؤوس من اصلاحهم.

المفاجأة الكبرى حدثت في نهاية السنة الثانية من وصولهم للجزيرة وذلك عندما خرجوا في ضحى أحد أيام اغسطس المشمسة بعد أن أصبح يسمح لهم بتمضية عدة ساعات خارج مبان السجن بالقرب من الشاطئ، فوجدوا مجموعة من النزلاء الجدد يجلسون في مجموعات صغيرة، ولكن بشرة معظمهم وسحنتهم لا تدل على انهم من المنفيين العرب، فقال الشاعر حسين الفضيل:” هذول موش من عربنا” هؤلاء ليسوا عرباً.

فلما اقتربوا منهم سمعوهم يتحدثون باللغة الإيطالية، وعندما شعر هؤلاء بأن السجناء العرب يترددون في الاقتراب منهم، اخذوا يبتسمون لهم ويلوحون بأيديهم ليدعوهم الى الانضمام اليهم.

 

كاتب وأكاديمي ليبي

s_senoussi2000@yahoo.com