“هناك من ينبأ بموتي” وقصائد أخرى للشاعر العراقي صلاح عواد

Salah Awad, New York 14 Dec 2018

 

تعرّفت وقت الصبا على عصورٍ،

يوم كانت السماء أرضاً رخوةً

متسكعاً فيها كراعٍ بلا ماشيةٍ،

ودون حدود.

وشِئْتُ كاليافعين أن أكون وهماً في قصيدة،

تشبه الطيور المهاجرة،

أو سيّدات القصور.

ليكن.

لي بدايات مثل الأسماء المهجورة،

وحلم بكتابة قصيدة

عن أسماك نهشت جسد رفيق الصبا،

عن نهر غرقت فيه،

عن أول عينين لفتاة اشعلت النيران في جسدي،

عن خمرة جنّات عدن٫

عن حور عينٍ رأيتهن في أحلامي،

عن نفسي في المنافي.

لي الآن أكثر من قناة،

وبحيرات شيّدت حولها قصوراً

لأشباح آلهة

ولرفاقٍ تقاسمت وإياهم الخمر والحشيش،

وتلك الأيام.

ليكن.

ثمّة موكب من الكلمات،

ورايات حملن اسمي مثل العهد القديم،

أو يافطات العهد الجديد.

الآن

هناك من ينتظرني عند نهاية الجادة،

ومن يقيم معبداً لي.

هناك.. من يكتب القصيدة،

كي تبقى زوارق المهربين الحالمين بالثراء،

وسفن القراصنة،

ورهان الإنسان العاري العابر للحدود.

في البداية

هندست خطواتي تاركاً لمن كان قبلي اختيار

الحجر والكلمات وما تبقى من بياضٍ يليق بقصيدة لم تنسب لي.

والآن

مثل صائغ الذهب الماهر

لي كهوف من كلمات

وخزائن من أحجار،

وتلك الخطوات.

حسناً

من يطأ الأرض

من يقامر

من يبارز

من يموت يوم ولادة القصيدة؟

  

هكذا أمشي

كأني أول من وطأ الأرض،

فالنهر ذاكرتي

والبحر جحيمي.

وتلك المحيطات مشروع قصيدة،

ولدت مع حلمتي أمي.

والآن

تركت الأحجار تنحدر،

ناسياً

 كعصفور يراقب الكارثة،

طُعْم الحفرة،

منجذباً لإغراء حبّات القمح،

ولنشوة إيقاع ضارب طبلٍ في هضبةٍ

نسيت اسمها.

وشئت التحليق بعيداً

بحثاً عن ربوّة نهدين كانتا في يومٍ ما لأمي.

والآن

ملئت مدونتي بغريب القول

وبغرائب العصور،

واخترت لنفسي مقصورة لا يدشنها

إلا حاملات جرار الخمر،

وملائكة اختاروا الندامة والسكر في الحانات،

وآيات تنبأ بموتي!

 

 صوت امرأة لم أرها

 

أسمعُ صوتَها مثل أحجارٍ من الماس،

ينبئني بحربٍ قادمةٍ،

وبنهارٍ يُغري بالوداعة،

وربما بموتي.

أسمعُ صوتَها مثل كراتٍ من الثلج،

يغريني بالبيت،

ويقودني إلى قرية،

شاءت أن تكون بداية التكوين.

أسمعُ صوتَها مثل خرير الماء

تغريني كالعادة

بالاستمناء

وبرسمِ أخرَ حرفٍ من اسمها.

أسمعُ صوتها دون صدى،

فيذوب الثلج،

وتأتي الرغبات.

قاومت فلق الصباح،

غير أن

وجهي استقبل كلَّ الرماح.

إذن

أنهض الآن بصحبة النمر

وأفتح كوّة للشمس مستقبلاً سرّاً خبأته عيناك في السرير.

حسّنتُ بعضاً من عيوب الليل،

فاستقبلني جسدُكِ متوشحاً برغبات النهار.

انهض

كأني حوذيٌ

قادته خيوله نحو مقامات لعصور مضت.

وتجاسرتُ

على أمل ردم ما تبقى من الظلام.

مرّت الأيام.

والرغبات تتخذ هيئة الحديقة،

والحارس الذي قادني حول أسوارها،

أغراني بالوهم،

وببوابة فتحت لي بعضاَ من الأسرار،

ربما فرجها،

 هندسة نهديها

ثراء فخذيها،

وفي النهاية سحرَ ما تجودُ به عيناكِ.

غريبة تلك الليالي،

 كلماتكِ تأتي صافية مثل حرارة الشمس،

ويداي صارتا منشفةً سحريةً لتزيل ما علق من الرمل.

لا يمكن النزول في النّهر مرتين،

لكنْ

 يمكن أن نشيّد مدينة عند ساحل البحر الأحمر،

 علّنا نلتقي في واحة لاستقبال الذئبَ الشريد.

 

 الأكاذيب

 

لم تعدْ لي قدرةَ على جمع كلَّ الأكاذيب،

ولا التراخي في الاستمتاع بها،

ولا أملَ الوصول إلى جذورها،

ولا متابعةَ من سرّبها عبر الفصول،

والمدن

والقارات.

لم يعدْ لي قدرةً على إحصاء الروّاة

ولا التحقق من سندها،

ولا التعرّف على النسّاخ.

إنها ببساطة أكاذيب،

قادرة على نسف الجبال،

وحرق المدن الغافية تحت ضلال التاريخ.

والأكثر رعباً،

نسف حياتي.

شاهدت قيامة من يولد في أنبوب،

وسجلت يوميّات القادم من المريخ،

وحَمَلْتُ الصخرَ مع عبيد روما

ومن شيّد جنائن بابل المعلّقةِ،

وكان لي أول كوخٌ على سطح القمر،

منتشياً مع امبراطور الحكايات.

 لم يعدْ بمقدوري التفريقَ بين الفصول،

ولا الضحكَ في الربيع،

ونسيتُ

أنَّ الثعلب سيّدُ الحقول.

شاعر عراقي، نيويورك

salahrazzouki04@gmail.com