“الكلاب الضالة” قصة قصيرة للكاتب اللبناني الكندي راوي الحاج

ترجمة عن الانكليزية: محمد حبيب

 

راوي الحاج
راوي الحاج

لم يتردد سمير معروف أبداً في قبول الدعوة التي تلقاها للمشاركة في مؤتمر حول التصوير الياباني. لكنه تساءل حينئذٍ، وهو جالس في شقته المستأجرة في سانت بول، في مينيسوتا: لمن سيزفُ هذا الخبر العظيم؟ لن يفهم والداه في الأردن عظمة هذا الخبر. فوالده، رجل الأعمال، الذي انتقل إلى العربية السعودية من أجل العمل، كان مدمن عمل وكحول، ومدخناً شرهاً لا تنطفئ سيجارته، وعلى الرغم من أن فرصة سفر سمير هذه كانت ستفرحه، فقد كان أعجز من أن يفهم أهمية هذه الدعوة بالنسبة لعمل ابنه الأكاديمي. لقد أرسله والده، مثل كل العرب الموسرين، إلى جامعة في الولايات المتحدة للحصول على شهادة جامعية في إدارة الأعمال كي يعود بعدئذٍ إلى العالم العربي ليدير أعمال والده. إضافة إلى أن هذه الشهادة كانت عظيمة الأهمية بالنسبة لوالدته؛ لأنها ستمكنها من التباهي بشهادة ابنها الأمريكية التي كانت تحظى بمكانة هامة في المجتمع، والتي سوف تضع صورها في إطار مذهب وتعلقها على جدران المنزل. تقابله مع بقية أفراد العائلة في المطار، وفي نهاية المطاف تجد العروس المناسبة لها ولعبقرية ابنها.
لهذه الأسباب مجتمعة زلزل سمير كيان العائلة عندما قرر تغيير دراسته الجامعية من إدارة الأعمال إلى الفلسفة، واختار فن التصوير لأطروحة التخرج التي سيستغرق إنجازها من ثلاث إلى خمس سنوات. كيف سيستثمر فن التصوير والفلسفة في عالم التجارة؟ هذا ما فكر فيه والد سمير، وارتعب عندما فكر بالمصورين كأرمنيين أو مصورين في مرتبة أعلى قليلاً من مرتبة النادلين في حفلات الزفاف. أمن أجل أن يفلسف أجهزة متوسطة الحجم، ورخيصة الثمن، يبدد المرء ثلاث سنوات من حياته يكتب عن آلة تنتج صورة بمجرد ضغطة من أصبع؟ لماذا يفعل سمير هذا؟ استدعى الوالد ابنه إلى الأردن. لكن سمير رفض الامتثال. اضطر والده إلى الشجار معه على الهاتف؛ هدده بالتبرؤ منه، ثم أغلق سماعة التليفون بغضبٍ، منهيا المكالمة مع سمير، الذي على الرغم من ذلك، رفض أن يجادل والده. علاوة على هذا، أرسل سمير لوالده رسالة عبر شقيقته يبلغه فيها أنه ليس راغباً فقط في أن يُتبرأ منه فحسب، بل طلب منها أن تبلغه أنه من دواعي سروره ألا يعود إلى الأردن أبداً.
من اجل تصحيح الغضب الذي أفلت منه مع أنفاس سيجارة المارلبورو بعد كأس ويسكي الجوني وولكر المختلس ليلا، ذلك الغضب الذي أفلت منه ممتزجاً بالصراخ، ومكعبات الجليد، وكلمات الوعيد، أخبر الوالد ابنته أن تتصل بشقيقها وتسأله إن كان بحاجة إلى آلة تصوير رقمية جيدة. لأنه يستطيع أن يرسل له واحدة من العربية السعودية حيث تتوفر في كل المتاجر وبسعرٍ أرخص. فرد سمير، عبر شقيقته أيضاً، أنه نادراً ما التقط صورة طوال حياته كلها، وعندما فعل ذلك، استخدم كاميرا ألمانية كبيرة الحجم تنتج نيجاتيف صورٍ قياس 6*6 . وقال لها أنا غالباً أكتب عن فن التصوير.
سألت شقيقته: وماذا في التصوير لتكتب عنه؟ الجميع قادرون على التقاط الصور.

***

جولي جولدن ويكسون، راعية ومنظمة مؤتمر طوكيو، طلبت من سمير، بشكل خاص، أن يجلب معه دراسته التي نشرها في مجلة فنية تدعى بيدان؛ وكان قد تناول فيها المصور الياباني دايدو مورياما ونظيره التشيكي جوزيف كوديلكا.
دراسة بعنوان ” الكلبان”، جولي كلاريفيد. إننا مهتمون جداً بالمقارنة التي أجريتها بين صور الكلاب التي التقطها دايدو وكوديلكا كلٍّ على حدة.
كان سمير قد كتب أن صورة كلب دايدو وصورة كوديلكا الشهيرة عن كلب آخر، اللتين التقطتا في موقعين مختلفين، تشتركان في الحس الميثولوجي ذاته. وأوضح سمير أن كلتا الصورتين كانتا متوعدتين. وكلاهما التقطتا من الزاوية العلوية ذاتها، ما يثبت أنهما التقطتا من قبل كائن أعلى منتصب القامة. وقد بدا لعين سمير أن كليهما لديه مرجعية دينية ورمزية للصور. كما كتب سمير أن الشيطان موجود. ففي صورة كوديلكا، أذنا الكلب المدببتين جعلتا الحيوان يبدو مثل خفاش أسطوري. وفي صورة دايدو، الأسنان الظاهرة والتباين القوي بين الأبيض والأسود في الصورة- وهذه إحدى سمات أسلوب دايدو والعديد من المصورين اليابانيين الذين ينتمون إلى تلك الحقبة والمدرسة- جعلا الكلب يبدو على الأغلب مثل إنسان غريب، ضاحك، ينظر إلى الوراء.
فالدراسة أيضاً (وكما هو متوقع، من سمير المضطرب البال) أجرت مقارنة وموازنة بين الغرب والشرق، تناولت الدلالات الدينية في الصورتين. إن سيطرة الظل المسبقة. غلبة الظل- أو كما كتب سمير، ” مديح الظل”- في عمل دايدو منح الصورة حساً روحيا غامضاً. فكر سمير أن غاية دايدو كانت جعل العالم غامضاً وغير مفهوم، وعمليا تضييق فهمه بالنسبة لبعض المشاهدين (الذين أشار إليهم سمير باسم “المؤمنين”) الذين سيمشون بعمى وطاعة طريق الغموض والتنوير. في حالة كوديلكا، أسقط سمير على صورة الكلب شكلاً أسطورياً برمزية دينية قوية، شكلاً يمكن أن يتجاوز إلغاء الدين في الحقبة الشيوعية، التي خبرها كوديلكا جيداً وسجلها خلال انتفاضة تشيكيا عام 1968. كما كتب سمير في مقالته “أن تجعل الشيطان مرئياً، فهذا يعني أن تعترف بوجود الله”.
لكن ما فاجأ قراءه حقاً وكان مبتكراً (على الأقل، هذا ما أَمِلوه) كان العنصر الثالث الذي أقحمه سمير في دراسته. فقد أضفى عليها بعضاً من سرده الشخصي والثقافي-وعلى وجه التحديد، خوفه من الكلاب واحتقار الثقافتين العربية والإسلامية للكلاب. كما أقحم ذكر إثنيته في الوقت الذي كان الأكاديميون الغربيون يبحثون يائسين عن أي شيء عربي، وإسلامي بالتأكيد، من أجل دمجه في مناهجهم الدراسية. ويعتقد سمير أن المثقفين الغربيين قد انتقصوا، وعلى مدى سنوات، من قدر الحضارة العربية والإسلامية العظيمة خوفاً من تصويرهم كمتعاطفين مع القضية الفلسطينية أو، وهذا هو الأسوأ، خوفاً من الاتهام القاتل بمعاداة السامية. وبعد انهيار برجي التجارة العالميين في نيويورك، توقع سمير أنه بعد انقضاء الفترة الأولى من الغضب والذهول الغربي، سيشهد الغرب فضولاً تجاه الثقافة العربية/ الإسلامية. وقال لنفسه إن الفترة اللاحقة ستشهد بعض التفكير. ويستمر عنصر الغفران وبلسمة الجراح، سواء كان تجميلياً أم لا، في الثقافة الغربية.
وهكذا بنى سمير مقالته حول نوعٍ من ثالوث ثقافي/ جغرافي/ تاريخي، على التوازي مع صور الكلاب، الشياطين، ومخلوقات منبوذة –هي- في مواقع القلب منه. ولقيت مقالته الترحيب من قبل اليمين واليسار معاً. ووجد كل قطب فيها ضالته. فقد رأى اليمينيون أن المقالة قد برهنت على قسوة ثقافة لم تستطع أن تتسامح حتى مع جراء لطيفة هي أفضل أصدقاء الإنسان (بعد الله، طبعاً). ورأى اليساريون في مقالة سمير إحالة إلى موضوع استعمار، غامض، منبوذ، ومضطهد تاريخياً أسس لفعل تحدٍ كشف عن إهمال الأوساط الأكاديمية لجزء مهم من العالم.
وسُمع رئيس كلية الآداب في جامعة سمير يقول: إن منح تلك الثقافة مكاناً في النقاش الفني ضروري جداً في هذا الوقت من التصادم بين العالمين.

***

عشية مغادرته إلى المطار، جلس سمير في كرسيه المفضل وطلب زجاجة كوكا وطبق بيتزا بالبيبروني، دون أن يبالي إن كانت تلك البيبروني لحم خنزير أو لحم كلب. وبانتظار البيتزا، راح يتخيل نفسه ينكح ابنة عمه في الأردن وبعض رفيقاتها المتبرجات. طالما راوده هذا الخيال: تبدأ الواقعة بشرب كأس في بار الفندق مع ابنة عمه وصديقاتها، اللواتي كن يصحبنه كرقيب يضمن لأهلهم ان عذريتهن ستبقى مصانة حتى يأتي الخطيب المسلم، روميو الغني.  بعدئذٍ تقرر صديقات ابنة عمه الذهاب إلى بيت إحداهن والتي يتفق أن يكون والداها غائبين. وعندما يصلون إلى هناك، تبدأ ابنة عمه بالشرب وتطلب منه أن يراقصها، وفي لمح البصر يجردهن سمير من كل ثيابهن ويتركهن عاريات إلا من المجوهرات البراقة حول أعناقهن، والأقراط الذهبية عيار أربع وعشرين قيراطاً التي تتدلى إلى ما دون مستوى أنوفهن، وهن يعوين مثل مخلوقات مربوطة بأطواق وسلاسل.
بعد أن يقذف، يغسل سمير يديه، يشعل التلفزيون وينتظر وصول صبي البيتزا. كان قادراً على قراءة كانط، وأكل البيتزا ، ومشاهدة المصارعة، والتفكير في الصلة بين الثلاثة في الوقت نفسه. في النهاية، حُلَّت قضية التعالي والإدراك الكانطي من خلال سيلان لعابه لدى سماع جرس الباب يعلن عن وصول صبي البيتزا.
في الطائرة يتذمر سمير من عدم قدرته على مشاهدة شاشة التلفزيون المسطحة. احتج بهدوء، وهو يعرف أن وضع الرجل الشرق أوسطي في الطائرة هذه الأيام كان محفوفاً بالمخاطر. ابتسم للمضيفة وأقنعها أنه بحاجة إلى تغيير مقعده لأن زاوية المقعد تمنعه من مشاهدة الفيلم الهوليوودي الذي طالما تمنى مشاهدته.
كانت المضيفة لطيفة جداّ ونقلته إلى مقاعد الدرجة الأولى، وسألته بغنج إن كان بحاجة لبطانية صغيرة ليلف نفسه بها. ابتسم سمير، دون أن يرد عليها. وراح يشاهد الفيلم، وعندما انطفأت الأضواء، تخيل ابنة عمه سعاد في المقعد المجاور لمقعده، أصابع قدميها المطلية باللون الأحمر الوهاج، وكاحليها السمينين، تتظاهر بالنوم، منتظرة أن تزحف أصابع سمير إلى فخذيها الفاتنين الممتلئين من أكل الحمص.
في المطار في اليابان، كان في استقبال سمير اثنتان من منظمات المؤتمر، وقد عرفتاه فوراً. ابتسمت له الامرأتان لكن دون أن تنحنيا له، حتى أن إحداهما حاولت أن تصافحه فوقعت يدها على كف سمير التي كانت تقبض على مسكة حقيبته.
في الباص، تحدث سمير مع مضيفتيه اليابانيتن بينما كان الناس يصعدون الباص وينزلون منه. لاحظ وجود بعض الألمان- أو الهولنديين ضخام الأجساد- يلبسون صنادل-وبعض اليابانيين الذين شغلوا مقاعد متفرقة في الباص، وهم ينظرون عبر نوافذ الباص نظرة أهل المكان المألوفة. سأل سمير عن دايدو، ما إذا كان يحضر المؤتمر، وإن كان أي من المصورين المشهورين من جيل دايدو ومدرسته سيحضرون. ومن منهم ما يزال حياً ومن توفي؟ إذا ما كانوا مستمرين في التقاط الصور، ويعرضونها في الخارج؟ كان سمير يعرف أن الكتابات اليابانية عن فن التصوير مليئة بالمعلومات الشخصية، لذلك افترض أنه من المسموح أن يسأل عن الحياة الشخصية للمصورين.
كانت إحدى المضيفتين أكثر معرفة من الأخرى ومن الواضح أنها كانت تبدو أصغر من عمرها الحقيقي، لأن إجاباتها كانت تشي أنها من معاصري دايدو، يوتاكا تاكاناشي، وحتى كين دومون، الذي افترض سمير أنه في عداد الأموات الآن. لكن كان واضحاً أن دومون ما يزال حياً، على الرغم من أن فلسفته العسكرية حول “اللقطة مطلقة العفوية”، كما فكر سمير، كانت قد أصبحت موضة قديمة في هذه الحقبة التفكيكية وما بعد الحداثوية.
نظر سمير عبر النافذة وتساءل فيما إذا كانت ابنة عمه سعاد ستفهم أي شيء من هذا. حياتها لم تُختبر وكانت هي نسَّاءة للتاريخ، والجغرافيا، والثقافة؛ فقد كانت سعاد مجرّد وجود صغير طافح بفناجين قهوة الصباح، والنميمة التافهة حول عرائس وعذارى ينتظرن أزواج المستقبل، مورّدي (المني) والنطاف، والسيارات الفارهة المركونة أمام البوابات المعدنية وسائقيها الذين ينكحون الخادمات وينفضون الغبار عنها بريش البواء العملاقة، وهم يتمايلون بتناغم مثل خدم كليوبترا فوق السيارات العائلية، ويلمعون معدنها. غير أن هذا هو سر حياة سمير: لماذا تطارده أفكار سفاح المحارم هذه؟ لماذا كان مسكونا بسعاد، صاحبة الرأس الفارغة، المُختلقة، ابنة عمه ملكية الدم البدوي التي أمضت أيامها في منطقة فارغة حدودها قناتي “الجزيرة” و”سي إن إن”؟ ربما لأنها كانت واحدة من قلّة من النساء اللواتي كن حول سمير عندما بلغ جنسياً وهو لم يتجاوز بعد خيالات استمنائه الأول. ربما كان ما يزال يحافظ لاشعوريا على تقليد الزواج داخل العائلة الذي عفا عليه الزمن. أو ربما جاءه من قراءة أبي نواس، الذي، في احتفائه بالخمرة وحرية الجنس بين الذكور، ربما كان أول شاعر عربي/ فارسي يكتب عن الاستمناء (وتذكر سمير كيف كان مرذولاً بسبب أشعاره الصادمة، التي يصف فيها جهاراً ما نهى الدين عن ذكره). أو ربما كان ذلك بسبب تأثير الشاعر الجاهلي امرؤ القيس، على عقل سمير الشاب المطواع، الذي قال في واحدة من قصائده الطويلة الماجنة أنه كان ينكح ابنة عمه على ظهر الجمل.
نظر سمير نظرة خاطفة إلى مضيفتيه. تبدو النساء اليابانيات هشات جداً، وصغيرات جداً. في حين كانت تكورات جسد سعاد وامتلائه الفاتن، وعلى الأغلب بريقه المنفر، هو ما دفعه للجوء إلى جماليات المصورين اليابانيين. فقد غاب من أعمالهم كل ذلك العطر، والإفراط في التبرّج، والألوان، ووفرة اللحم.

***

أخذت المضيفتان سمير إلى فندق صغير في شينجوكو. صغير لكنه جيد. قالت إحداهما، ماكيسو، وضحكت.
قال سمير: ليس كبيراً مثل الفنادق الأمريكية.
كررت ماكيسو ضاحكة، كلا. إنه صغير، لكنه جيد.
وضع سمير حقيبته على السرير الذي كان يشغل معظم مساحة المكان. وكان هناك مطبخ صغير، وحمام صغير جداً، وشرفة تطل على موقع بناء. انحنت الامرأتان اليابانيتان ثم انسحبتا وتركتاه وحيداً. قالت ماكيسو، غداً، بينما ضحكت المرأة الأخرى وانسحبتا وظهرهما إلى الباب.
كان هناك تلفزيون مثبت على الحائط فوق الباب. في البداية بحث سمير عن القنوات الإباحية أو قنوات المصارعة، لكن كل القنوات كانت تقدم الأخبار وبرامج المسابقات مع فتيان وشابات يصرخون ويضحكون طوال الوقت. وسرعان ما شعر بالجوع فنزل إلى بهو الفندق. كانت آلات البيع في كل مكان. ويمكنك أن تحصل منها على القهوة، الواقيات الذكرية، والبيرة، والطعام. دون خارطة أو أية كلمة يابانية غامرَ في جولة في الشارع. سار في خط مستقيم، وكان كلما أوغل في السير ازداد الشارع ازدحاماً. فقرر العودة إلى غرفته خشية أن يضيع وسط الحشود. وفي طريق العودة رأى أكشاك خضروات عبر الشارع مقابل الفندق. اشترى برتقالاً وصعد إلى غرفته. فتح كل الأدراج في المطبخ الصغير لكنه لم يعثر على أي سكين. فثقب برتقالة بإبهامه، ثم فتح باب الشرفة وخرج. راح يقشر البرتقالة ويضع قشورها على الحافة. أكل البرتقالة وقرر أن يستحم.
بعد الحمام، كان سمير متعباً فغط في النوم. استيقظ في منتصف الليل، كان مرهقاً وعطشاناً، فتناول كأس ماء، وأمسك جهاز التحكم عن بعد. قلب بين القنوات لكنه لم يستطع العثور على قناة إباحية. فاستقر على قناة كتبت في الزاوية اليسرى من الشاشة كلمات إنكليزية: “وقت الشفاء”. موسيقا سلسة ناعمة، مريحة للأعصاب ترافقها صور أرانب حية تقفز وترعى، فيما الغزال الأميركي يتهادى لامبالياً، عصافير تطير، وأنهار تنسكب من جروف عالية. لقد ذكره هذا المنظر بالمفكر المشهور، الجاحظ، المفكر العربي من شرق أفريقيا، الذي عاش في بغداد خلال حكم العباسيين، كما تذكر كتابه “كتاب الحيوان”، بأجزائه المتعددة في النثر، الأوصاف الشعرية، والأمثال التي تسجل وتصف مئات من الحيوانات المختلفة. وكان الجاحظ قد طور نظرية حول تأثير البيئة على الحيوانات والبشر. وكان “كتاب الحيوان”، الذي كتبه الجاحظ قبل قرون من مولد داروين، يُعتبر في بعض الدوائر الأكاديمية مقدمة لنظرية النشوء والارتقاء.
شاهد سمير تلك القناة حتى الصباح. وكان الصفاء مفاجئاً ومطمئناً؛ فقد أنهى كل شيء. ففي تلك الليلة لم تزره سعاد في أحلامه، حتى أن الكثير من أظلاف الحيوانات العاشبة (التي تأكل العشب) التي كانت تظهر فجأة وبهدوء على شاشة التلفزيون لم تذكره بأصابع قدمي سعاد. انقضت ساعات وسمير مستلق في السرير، دون أن ينطق بكلمة واحدة، ولا حتى أي صوت. كان يتفرج وحسب. يتفرج على حيوانات غير مؤذية تظهر على الشاشة وتختفي فوق مسطحات خضراء في هذا العالم الزائل.

***

في اليوم التالي، وبعد أن انتهى سمير من إلقاء كلمته عبّر بعض الأكاديميين اليابانيين عن تحفظاتهم. كانت التساؤلات مهذبة جداً لكنها مليئة بالاعتراض. شكك البعض منهم في فكرة إدخال كينونة ثالثة. فقد قوبلت محاولة سمير إدخال الثقافة العربية إلى معادلته بالتشكيك. واعترض أحد الأكاديميين على هذه النقطة قائلاً إن الإفراط في التركيز على السياق ينطوي على تجريد فن التصوير من أية هوية خاصة به؛ وأن تقديم عمل دايدو كمنتج خاص من وحي تقاليده الثقافية والدينية ينكر عليه استقلاليته، كما ينكر عليه جهده للقطع مع كل الأيديولوجيات والتقاليد التصويرية السابقة.
لكن سمير أجابهم بأن هذا ما تطمح البوذية إليه: تنوير فردي، متعالٍ، يسعى إلى القطع مع كل ما تم تعلّمه واكتسابه سابقاً.
رأى سمير بعض الرؤوس اليابانية تومئ مؤيدة، ورجلاً معه كاميرا ليكا Leica يلتقط له صوراً دون أن يصدر أي صوت.
بعد انتهاء المؤتمر، عاد سمير إلى غرفته في الفندق واستلقى في السرير. فكّر في عائلته. أخيراً، تناول صورة من محفظته، صورة جماعية للعائلة كلها. وكانت سعاد تقف إلى جانبه في الصورة. وقد وضعت يدها على معصمه.
أغضبته الصورة. اغضبه نفاق تلك الصورة. فقد التُقِطت هذه الصورة قبل لحظات من حفل زفاف ابنة عم له وبدا الجميع فيها سعداء. لكن ما جرى بعد التقاط تلك الصورة كان شنيعاً. فقد اندلع شجار. وتم إلغاء حفل الزفاف كما يذكر. راح يمزق الصورة ببطءٍ. في البداية مزقها نصفين، ثم بدأ بتمزيق النصف الذي يظهر فيه والده، وحيث يقف هو وسعاد بجانبه في الوسط، ثم بدأ بالقسم الذي تظهر فيه والدته. وببطءٍ كان كل شخص في الصورة يفقد رأساً أو ذراعا أو ساقاَ.
ألقى سمير مزق الصورة الصغيرة في سلة المهملات. لا فائدة ترتجى من الاحتفاظ بصورة إن كانت ترتبط بها ذكرى سيئة.

***

انقضت بضعة أيام. زار سمير خلالها سوق السمك، بعض المعابد، ومزاراً. وكانت مراسم احتفال الشاي الذي حضره تجارية، صممت من أجل السياح والغربيين الساذجين الذين شعروا أنهم مجبرون على احترام كل فنجان أو طقس غريب يوضع بين أيديهم. التقط صوراً. ذلك ما فعله. حاول الاتصال مع دايدو، لكن طلباته قوبلت باعتذارٍ ورفضٍ مهذبين. دُعي إلى حفلة في بيت بروفيسور ياباني، حيث استقبل بالترحيب المناسب، وابتسامات وضحكات سخية، مهذبة، ومتأنية. لم يستطع أن يتذكر اسم أيٍ من الموجودين، وكان محرجاً من إخراج بطاقة الدعوة التي قُدمت له، ليقرأها ويتذكر أسماء الموجودين ويناديهم بها. ربما كانت هذه هي الغاية الرئيسية من إعطاء سمير هذه البطاقة، لكن سمير شعر، وفقاً لرأي دايدو عن الصور، أن الاستذكار ينبغي أن يكون تخليداً للذكرى لا تسجيلاً لها.
في نهاية ليلة السهرة تلك، ساقت به إلى الفندق فنانة يابانية بقيت تبتسم له طوال السهرة حتى اقترب منها، أخيراً، وفي يده مشروبه. في السيارة أخبرته أن تحليله لفن التصوير والإسلام، الدين الذي يحرّم التصوير، يمكن اعتباره مهيناً مثلما هي محاولته لربط معنى فن التصوير الياباني بدين اليابان القديم. فإن كان ما تفترضه صحيحاً، فكل المعاني يمكن أن تجد جذورها في التاريخ وبناء عليه أنت تزعم أن محاولاتنا لتجاوز التاريخي والاجتماعي قد فشلت وكل شيء مايزال في حالة ركود. ثم أردفت قائلة، ربما هذه هي الحال في العالم العربي لكن ليس في اليابان.
حاول سمير دون جدوى تذكر اسم المرأة. دس يده في جيبه وأخرج بعض بطاقات التعريف لكنه بدلاً من أن يقرأها طبع قبلة سريعة مفاجئة على خد المرأة. ثم فتح باب السيارة ونزل منها، سار مترنحاً، سكراناً، إلى غرفته الصغيرة.
في اليوم التالي، هبت الريح في شوارع شينجوكو. شق سمير طريقه بين الأقدام المسرعة والوجوه الصارمة. سار تحت أبنية كبيرة وعبر الاختناقات المرورية وتحت الكثير من جسور المشاة. التقط صوراً للشوارع الكبيرة والأزقة الخلفية. كان يسير، يأكل، ويحمل كاميرته على خصره. أمضى اليوم كله في التقاط الصور. أخيراً، دخل إلى متجر لبيع الكتب-الهزلية وفيه مقهى انترنيت ليتفقد بريده الإليكتروني. كانت أخته قد كتبت له: عاجلٌ. البابا… اتصل فوراً بالبيت في العربية السعودية.
اتصل سمير بمنزل والديه فسمع على الجانب الآخر من الهاتف عويلاً.
كانت أخته تنتحب على سماعة التليفون. ولبرهة من الزمن لم تستطع سوى ترداد كلمة بابا، بابا. بعدئذٍ قالت كلاماً مشوشاً. كان يريد أن يعود إلى مسقط رأسه. كان يريد أن يعود إلى قريته في فلسطين.
بعدئذٍ تحدثت إليه اثنتان من بنات عمه. بدت سعاد مفجوعة. سيجري دفنه في اليوم ذاته.
تقتضي الطقوس الإسلامية تكفين الميت بكفن قماشي بسيط ثم دفنه خلال أربع وعشرين ساعة، ورأسه باتجاه القِبلة. لا تُحفظ الجثة في الغرف الباردة أو توضع على المذابح في توابيت خشبية ليلقي عليها نادبوه ومشيعوه نظرة الوداع الأخيرة. فكر سمير أنهم لن ينتظروه. فالعرب القدامى لم ينتظروا أبداً. كانوا يتنقلون بين الكثبان الرملية وتحت شمس الصحراء اللاهبة، مخلفين وراءهم ما لا يستطيعون حمله على ظهور حيواناتهم.

***

أمضى سمير أياما يتجول في الشوارع ويلتقط صوراً لليابان بكاميرته. سار دونما هدف، هام على وجهه عبر الشوارع والقرى، يصور الأشجار، الزهور، والحيوانات.
في يومه الأخير في اليابان، تذكر شيئاً قاله له والده ذات مرة. عندما غادر والده وعائلته قريتهم في فلسطين، كان الشيء الأخير الذي رآه والده من قريته هو الطريق التي تؤدي إلى بيتهم وبضع كلاب ضالة. قال له والده، لقد غادرنا، لكن الكلاب الضالة بقيت. نظر والده وراءه وضحك.

2009
كاتب كندي (لبناني) يقيم في مونتريال،

نشر هذا النص في مجلة كيكا للأدب العالمي
العدد السادس، ربيع 2015، وينشر هنا بالاتفاق

اطلبوها من منشورات الجمل
kk22
kkfiction