حدائق بيرسيفونه للشاعر سوينبيرن ترجمة ماجد الحيدر

أو حدائق بروسرباين

Swinburne, Algernon Charles (1837-1909)
Swinburne, Algernon Charles (1837-1909)

 

هنا في عالمِ السكونِ.

هنا حيثُ تبدو كلُّ الرزايا

ثورةَ ريحٍ مَيتةً أو موجاً مُعَنّى

في رؤى أحلامٍ مُريبةٍ،

أرقبُ الحقلَ الأخضرَ، وهو يعلو للباذرينَ والزارعينَ

ومواسمَ الحصادِ والغلالِ،

كعالمٍ بليدٍ من الأنهارِ.

**

قد تعِبتُ من الدموعِ والقهقهات ،

من رجالٍ يبكونَ ويضحكونَ.

قد تعبتُ مما سيأتي في الغدِ ،

من رجالٍ يزرعونَ ويحصدون

قد تعبتُ من الأيّامِ والساعاتِ

وبراعمِ الزهورِ العقيمةِ اللاهثات،

قد تعبتُ من الرغباتِ

والأحلامِ والسلطاتِ،

وكلِّ شيءٍ خَلا النوم.

**

هنا الموتُ جارُ الحياةِ.

وبعيداً عن الأعينِ والآذانِ

تكدحُ الأمواجُ السقيمةُ والرياحُ المخمورةُ

وتنقادُ السفائنُ الضعيفةُ والأرواحُ دونَ هُدى

ولا تحفلُ بمن يمضي معها

الى حيثُ تُلقي المراسي.

لكن ريحاً كهذهِ لا تهبُّ هنا

وزروعاً كهذه لا تعيشُ هنا.

**

لا سِباخٌ معشِباتٌ، لا غياض

لا زهورٌ للخَلَنج ، لا دوالٍ للكروم،

لا شيءَ غير براعمِ الخشخاش الذاويات

وعناقيد من حصرمِ “بروسرباين”

ومغارسُ من أسلاتٍ شاحبات،

لا … ولا وريقةٌ

مزهرةٌ أو نديّة

غيرَ تلك التي تعصرُ منها

خمراً مُهلكةً

تصبُّها للهالكين.

**

شاحبينَ

دون أسماءٍ أو أعداد ،

يتكوَّرونَ وينامونَ الليالي

في حقولِ القمحِ العقيمةِ

حتى يولدَ الضياءُ.

وكمثلِ أرواحٍ

تلكأَتْ في النعيمِ أو في الجحيمِ

عاجزةٍ عن وجدانِ أزواجِها

يخرجُ الصبحُ من الظلامِ

كابياً من وطأةِ الغيمِ والضباب.

**

حتى الذي في قوّةِ سبعةٍ من الرجالِ

سينزلُ أيضاً بدارِ الميتينَ

ولا يهبُّ في الجنانِ بجناحينِ

أو يعوِلُ في الجحيمِ لأجلِ أوجاعِهِ.

وحتى الذي في جمالِ الورودِ

سيَغيمُ جمالُهُ ثم يحتجِبُ.

ومهما أراحَ الحُبُّ أو استراحَ

فإن نهايتَه لا تسرُّ.

**

شاحبةً

دونَها أروقةٌ وأبواب،

مكللةً بتاجٍ

من وريقاتِ السكونِ،

تنتصبُ الأنثى التي

تجمعُ كلَّ ما يموتُ

بيدٍ ثلجيةٍ لا تموتُ.

شفاهُها الفاتراتُ

عندَ من يلقاها من الرجالِ

الآتينَ من كلِّ أرضٍ وزمانٍ،

أعذبُ من شِفاهِ الحُبِّ الذي

يخافُ أن يبدأَها السلامَ.

**

تنتظرُ هذا

وتنتظرُ ذاك

تنتظرُ كلَّ مَن يولَدُ.

هي تنسى أمَّها الأرضَ،

وحياةَ القمحِ والثمارِ.

فيتبعُها الربيعُ

والبذورُ و طيورُ “السنونو”

الى حيث تُزدرى الزهورُ

ويرتِّلُ الصيفُ أغنياتِهِ

مكتومةً جوفاءَ.

**

هناكَ تمضي قصصُ العشقِ الذاويات ،

وعلائقُ الحبِّ الشائخاتُ

بأجنحتِها المتعَبةِ

وكلُّ نكبةٍ وشؤمٍ:

الأحلامُ الهالكةُ للأيّامِ المنسيَّةِ

البراعمُ العمياءُ التي ضربَتها الثلوجُ

أوراقُ البراري التي ساقتها الرياحُ

والنُثارُ القرمزيُّ للينابيعِ الخرِبةِ.

**

لسنا واثقينَ مِن الأسى

والفرحُ لم يكن يوماً بالأكيد.

يومُنا هذا سيموتُ غداً ،

وشِراكُ الإنسانِ لا تخدعُ الزمانَ .

والحبُّ ، إذ يضعفُ ويضطربُ،

يتحسَّرُ بشفاهٍ نصفِ نادماتٍ

ويبكي بأعينٍ كثيرةِ النسيانِ

خيبةَ كلِّ حبٍّ في الثبات.

**

قد بَرِئنا مِن الحزنِ والأملِ

ومن فرطِ افتتانٍ بالحياة .

فحَمَدنا بآياتِ شكرٍ موجَزاتٍ

أيَّتَما آلهةٍ كانت :

لأنَّ كلَّ حياةٍ الى فناء ،

لأنَّ الموتى لا يقومونَ ،

لأنَّ كلَّ نهرٍ مُتعَبٍ سَئِمٍ

لا بُدَّ أن يرتمي

آمِنا في البحرِ.

**

ولن توقِظَنا الشمسُ ولا النجومُ

ولا تحوّلُ الضياءِ.

لن يهزُّنا هديرُ الموجِ ،

ولا مشهدٌ أو صوتٌ.

لا أوراقُ ربيعٍ أو شتاءٍ

ولا النهارُ أو تقلّبُ الأيامِ.

لا شيءَ غيرَ نومٍ أبديٍّ

في

 

Swinburne, Algernon Charles (1837-1909)

شاعر وناقد إنكليزي ، اشتهر بأفكاره التحررية وبراعته الأسلوبية الفائقة. ولد في لندن ودرس في جامعة أكسفورد وتركها قبل إكمال دراسته. نشر في عام 1860 مسرحيتيه الشعريتين “الملكة الأم” (The Queen Mother) و “روزاموند(2)” (Rosamond). ليرتبط بعدها بصداقة حميمة طويلة مع الشاعر والرسام الانكليزي المعروف دانتي روزيتي وجماعة ماقبل الروفائيليين(3). في عام 1865 انضم الى مشاهير الأدب الإنكليزي حين نشر مسرحيته الشعرية “أتالانتا في كلايدون” (4)(Atalanta in Calydon) التي عدت محاولةً جريئة لمحاكاة روح وأسلوب التراجيديا الإغريقية أظهر فيها الشاعر موهبته الفذة في التحكم بموسيقى القصيدة وأجواءها اللحنية والتصويرية.

أما مجموعته الشعرية “قصائد وبالادات” (Poems and Ballads-1866) فقد تسببت في إحدى أشهر الفضائح الأدبية في العصر الفكتوري، إذ حاول سوِنبيرن فيها أن يحتفي بالحب الجسدي واللذة الحسية مجاريا في ذلك ما دأب عليه أسلافه الشعراء الإغريق وبعض معاصريه من الشعراء الفرنسيين، كما أظهرت بعض قصائد المجموعة في جلاء نزوع الشاعر الى خلق جو من الصدمة التي تصيب القارئ.

أما القصائد السياسية التي ضمتها مجموعته “أغنياتٌ قبل الشروق” (Songs before Sunrise-1871) فقد كتبها بوحيٍ من إعجابه الشديد بالثائر الوطني الإيطالي مازيني(5) وهي تتراوح بين الإجلال الحماسي الرفيع للديمفراطية والاستحسان العاطفي الغامض للثورة. وتضم إحدى أعماله الكبرى الأخيرة، التي سماها أيضا “قصائد وبالادات-1878” قصيدة الرائعة “سلاماً ووداعا” (Ave Atque Vale) التي كتبها في رثاء الشاعر الفرنسي شارل بودلير. كما كتب سونبيرن العديد من المراثي المستحسنة ومنها مرثيته في الشاعر الإنكليزي روبرت براوننغ.

تدهورت صحة الشاعر بحلول عام 1879 نتيحة حياته اللاهية الباحثة عن الملذات وما عاناه من انحرافٍ نفسي وميل الى المازوشية فكان أن وجد الرعاية والمأوى في بيت صديقه الشاعر والناقد ولتر دانتون (Watts-Dunton) حيث استرد عافيته وعاش بقيه حياته في رعاية الأخير، فكتب الكثير من الأعمال الشعرية جنباً الى جنب مع اهتمامه المتزايد بالنقد الأدبي، إذ أنجز العديد من الدراسات البارعة عن المسرح الإليزابيثي في كتابيه “دراسة شكسبير” (Study of Shakespeare-1880) و “عصر شكسبير” (The Age of Shakespeare-1909) أما أعماله المميزة الأخرى فتتضمن سلسلة من المسرحيات التراجيدية منها ثلاثيته عن حياة ملكة اسكتلندا ماري ستيورات(6) وتشمل “شاستلار” (Chastelard-1865)و”بوثويل” (Bothwell-1874) و “ماري ستيورات” (Mary Stuart-1881) ناهيك عن العديد من الدراسات المهمة عن وليم بليك والأخوات برونتي.

إن شهرة سونبيرن كشاعرٍ عظيم تعتمد على عدد من مطولاته الشهيرة وفصائده الغنائية العذبة –التي كتب معظمها في النصف الأول من حياته(7) التي أظهر فيها خياله الواسع وقابلياته الفنية المثيرة للإعجاب وقدرته الفائقة على التحكم والتجديد والتجريب في استدعاء الصور الشعرية الغريبة واستخدام التقنيات الفنية من وزن وقافية وتقطيع بغية أحداث الأثر الشعري المطلوب في نفس القارئ.

 

هوامش:

 

بروسرباين (Proserpine) : هو الاسم اللاتيني لبرسفونه (Persephone) ربة الموت والخصب وابنة “زيوس” كبير أرباب الإغريق من “ديميتر” ربة الأرض والزراعة. أحبها “هادس” إله العالم السفلي وخطبها لنفسه لكن أمها رفضت فخطفها “هادس” عندما كانت تجمع الزهور وحملها الى العالم السفلي. وعندما كانت أمها المفجوعة تخرج باحثة عنها كانت الأرض تجدب ويموت الزرع ويعم الجوع ، حتى أرسل “زيوس” رسوله “هرمس” الى “هادس” ليأمره بإعادتها الى أمها. لكن الأخير طلب من برسيفونه تناول حبوب الرمان (طعام الموتى) مما أرغمها على العودة الى العالم السفلي أربعة أشهر من كل عام.

2) أو روزاموند الجميلة (1140-1176) عشيقة ملك إنكلترا هنري الثاني. نسجت عنها وعن جمالها العديد من الحكايات والأساطير.

3) Pre-Raphaelites وهي جماعة تأسست عام 1848 من مجموعة من الفنانين والشعراء ونقاد الأدب تقدمها الرسام والشاعر غابرييل روسيتي (شقيق الشاعرة) وكان من أهدافها مواجهة النزعة الكلاسيكية الجديدة ومادية العصر الفكتوري والعودة الى التقاليد الفنية للقرون الوسطى وبداية عصر النهضة التي سبقت ظهور الفنان الإيطالي رافائيل، وكانت في العموم ذات نزعة شبه دينية. أصدرت الجماعة عام 1850 مجلتها (الأصل) (The Germ) التي استمرت فترة وجيزة.

4) Atalanta في الميثولوجيا الإغريقية . تركها أبوها في البرية لأنه كان كارها لإنجاب البنات قتعهدتها إحدى الدببة بالرعاية حتى أصبحت صيادة ماهرة وعداءة لا يشق لها غبار. أعلنت أنها ستتزوج من أي شاب يستطيع سبقها (على أن يكون الموت جزاءه إن أخفق). غلبها الفتى “ميلانيون” بمساعدة “أفروديت” لكن الإلهة مسختهما فيما بعد الى أسدين بسبب عصيانهما.

5) Mazzini, Giuseppe   (1805-1872) مفكر وسياسي وثائر إيطالي جمهوري النزعة، أسس حركة “ايطاليا الفتاة” وكافح من أجل استقلال بلاده وتوحيدها.

6) Mary Stuart (1542-1587) ملكة اسكتلندا من 1542 الى 1567 وملكة فرنسا (1559-1560). واحدة من أشهر الشخصيات السياسية وأكثرها إثارة وإلهابا لخيال المؤلفين في التاريخ البريطاني. سميت ملكة لاسكتلندا وهي في يومها السادس من العمر. أصبحت ملكة لفرنسا عاما واحداً حين تزوجت الملك فرانسيس الثاني. عادت الى اسكتلندا بعد الوفاة المبكرة للأخير لتواجه بالكثير من المصاعب والدسائس والفضائح ومنها قصتها مع عشيقها الفرنسي “شاستلار” الذي أمرت بإعدامه لاحقا وزواجها الثاني من ابن عمها “دارنلي” الذي تآمر عليها فسبقته وقضت عليه خنقاً

7) يخيل إلي أن هذا الأمر يكاد يكون تقليداً مشتركاً عند أغلب الشعراء الإنكليز: فهم في الأعم الغالب ينجزون أجمل وأعظم أعمالهم في شبيبتهم كما أن الكثير منهم -إذا كتب لهم أن يعيشوا حتى مرحلة الكهولة- ينقلبون على الأفكار المتحررة والراديكالية التي يحملونها في “النصف الأول من حياتهم” ليعودوا الى التقاليد الإنكليزية المحافظة الباردة!

 

ماجد الحيدر: شاعر وقاص ومترجم من كردستان العراق. ولد ببغداد عام 1960. يكتب ويترجم بالعربية والكردية والانكليزية. أصدر العديد من المجموعات الشعرية والقصصية والترجمات.

majidalhydar@yahoo.com