ثلاث قصائد للشاعرة البريطانية سارا هاو ترجمة ماجد الحيدر

 

الشاعرة البريطانية سارا هاو  مجلة كيكا

هائجة

 

قد يكون الامتناع

مجرد ضرب آخر

 من الاحتياج.

أنا ثمرة خوخ زرقاء

في ضياء الغسق.

وأنت نمر

يأكل براثنه.

يوم تزوجنا

ارتجفت الأشجار كلها

كأنها جُنَّت،

وقلت لي:

كوني بي شفيقة.

 

 

مدجّنة

 

(تربية الإوز أكثر ربحاً من تربية البنات)

مثل صيني

 

هذي حكايةُ عن ابنةِ حطّاب

ولدَتْ وجوار السرير-تحسًّبا-

صندوقٌ من رماد.

قبل صرختها الأول

أمسكها-مرّغَ وجهها في مُطفأ الجمر.

الأم الحديثة، الواهنةً من عنفوان النزيف،

حاولت إيقاف يده

فأخرجها سحلاً للفناء

جلدها بالغصن المعتاد.

هل كان ثمة سحر

في تلكم الخشبة؟ ما خبَّرنا أحد.

لكنها شرعت بالتحول:

ظهرها الذي غضنته الندوب

من تحت السياط تصلَّب،

صار قشرةً؛ تشطَّر، أضحى لحاءً.

ركبتاها المنكبتان حفرتا في الأرض الرملية

مدتا الجذور، تبحثان عن الماء.

أصابعها المعروقة من الكدح استطالت

صارت غصونا.

وحين استحالت لشجرة

لشجرة لايتشي(1)

ما انفك عن شتمها، كأنها امرأته:

يا عديمةَ نفعٍ، يا هزيلة ثمار!

لكن الفتاة نجت.

 

مكسوّة بالرماد الأشيب،

وجهها أفطس: كإوزةٌ صغيرة.

سماها مي مينغ (لا اسم)، إذ لم تعرف الكلام.

حياتها أعطبها حزن أبيها

فالأسى جبارٌ عتيد- حتى لما ليسَ يدرَك.

كان عليه رميها في البئر.

فربما استطاع النسيان.

أحياناً حين يتهيأ للعمل

رافعا فأسه ليفحص نظافة شفرتها

كان تنطح مرفقه برأسها الحرون

مرةً بعد أخرى

حتى يغضب وينفضها عنه.

كلاهما ليس يدري

إن كان ثمة معنى

لهذي الالتماسات الصامتات.

 

سلواها الوحيدة كانت

أن تأوي الى شجرة اللايتشي.

أغصانها المتأرجحات تصفِّر لها

بتهويدات صامتات: ثمار اللايتشي بعيونها اليقظات

وطيور إوز حرّة تجتاز من فوقها السماء.

الثمار والإوز. علّما فصولَها.

لم تَتُق للحاقِ بالطيور،

ففي التوق إرادة تتجاوز الغريزة العمياء.

ثم، وفي منتصف خريفٍ ما،

مدّت عنقها بعيداً لتتبيّن الإوز الطائر

في حلقات فوق التلال الغائمة

وظلت تمدها وتمد

حتى استدقت مثل منقار.

وتبرعمت من أصابع قدميها الورديات

مخالبُ وطيّات

واستقوى ذراعاها الضعيفان بجناحين.

وحلّقت.. حلقت البنتُ الإوزةُ

لتلحق بالسرب المنظوم كالسهم.

يجمعها بهم نسبٌ من غاية واحدة وميل،

أدركت مقصدهم وما ينشدون.

وانفقوا عامهم أو ما يزيد في التحليق،

 لكن أين، في أية سهوب، جرداء متلألئات؟

ما سمعتهم يخبّرون.

بعضهم ينهي الحكاية هنا،

لكن من يعرفون عادات الإوز

يعرفون التزامهم الرجوع لموطنهم الأول.

حسبكم إذن هذا: في آخر الربيع

أوقع حطابٌ في شراكه

إوزةً برية دوّمت وحطت،

كما لو تعرف، في حقله تماماً.

أمسك عنقها المفتول، ثبته الى جذعٍ

مقطوع من شجرة لايتشي.

وبضربةٍ واحدة.. تبدد الربح!

 

 

لماذا أكرهك الآن

 

سأجلجلُ بقبضةٍ من عظام الفودو (1)

في الوجه المسيحي المتعصب لشاي الصباح لأمك المداهِنة.

سأفصل أباك الذي طال عذابه عن عبوديته

للطموحات الطغيانية الخرقاء لزوجته المحمرّة الوجه.

سأزوِّجُ أخاك بالمطلقة الحمقاء التي من أجلها

جعّد قلبَ بائعِ السياراتِ المستعملةِ الصغيرَ الذي يحمله.

 

ولكن ماذا سأفعل بك؟

 

يمكنني أن أنكتَ بإصبعي إرادتك الضئيلة عديمة القيمة

المرتعشة ثلاثاً حول الطاولة.

 

أستطيع أن أدوس بقدمي

على اللباس التنكري المسمى بالفطنة والظرف

وأسحقه في المسرحية المتكلفة

المسماة بالقذارة.

 

يمكنني أن أنتزع حشوةَ كلِّ تملقك المتشامخ المبتذل

وأقول لك وأعيد: قد أضجرتني أيها المطنِب.

 

أستطيع امتلاكك.

أستطيع امتلاكك كل حين.

أستطيع امتلاكك كل حينٍ إن أردتُ.

 

لكنني أكثرُ شهامة من ذاك.

وبدلاً من هذا، يا صديقي القديم،

سأكتفي بهجوِكَ وأنا

أتقلب في سلوى عقلي الملتوي الصغير.

 

 

(1) لايتشي: هي شجرة استوائية موطنها الأصلي جنوب الصين تنتج فاكهة صغيرة الحجم ذات قشرة صلبة ولب أبيض يشبه لب العنب في الطعم والملمس.

(2) الفودو: ديانة تنتشر في منطقة الكاريبي وجنوبي أمريكا تعتبر خليطا من الطقوس الكاثوليكية والطقوس الأفريقية القديمة وتمتاز بالسحر وتقمص الأرواح.

 

سارا هاو: شاعرة، محررة، وباحثة أكاديمية، ولدت في هونك كونك عام 1983 لأب إنكليزي وأم صينية المولد. انتقلت مع أسرتها في سن السابعة الى انكلترا حيث نالت شهادتها الجامعية الأولى من كامبردج ثم نالت الدكتوراه في الأدب الإنكليزي من الجامعة نفسها. حصلت عام 2015 على جائزة تي أس إليوت الشعرية المرموقة عن مجموعتها الشعرية “طوق اليَشَم” وهي أول مرة تمنح فيها هذه الجائزة لمجموعة أولى لشاعر.

ماجد الحيدر: شاعر وقاص ومترجم من كردستان العراق. ولد ببغداد عام 1960. يكتب ويترجم بالعربية والكردية والانكليزية. أصدر العديد من المجموعات الشعرية والقصصية والترجمات.

majidalhydar@yahoo.com