“الرجل الذي أصبح عوّامة” قصة للكاتب الياباني ماساتسوغو أونو

Ono Masatsugh kikah magazine
ماساتسوغو أونو Masatsugu Ono

 

ترجمة عن الانكليزية: ريم غنايم

قيلَ لي إنّ جدّي كان عوّامة- أو بالأحرى، أصبحَ عوّامة. أحد تلك الأشياء التي تتمايلُ بخفّة في البحر. تلك المعالم في البحر الرحيب دائم التقلب، علاماتٌ تتبع- عبر امتداد المياه التي من دونها، تبدو باختلافاتٍ طفيفة، نفس المياه في جميع أنحاء العالم- خطوطًا غير مرئية، وهمية (إذا رأيت عوامتين، يمكنك أن تتخيل خطًا يصل بينهما) تساعدك على قياس المسافة التي تفصل بين نقطة وأخرى، حيث يشير وجودها إلى أنّ يدًا بشريّة كانت حاضرةً، متيحةً الوهم بأننا وإن لم يكن بوسعنا أن نسكن البحر كما نسكن الأرض، إلا أننا أسياده. من هذا النوع من العوامات كان قد أصبح جدي. سمعتُ الحكاية من جدتي.

عِشنا دائمًا هنا، على هذا المدخل الصغير. عبر نافذتنا، يمكنك أن ترى الخليج، قطعةً من البحر تحدّها حلقةٌ من التلال تجثم بائسةً مثل قطّ مريض، تلتوي وتتعرج إلى حدّ يمكنها أن تكونَ أنواعًا من العفن الغرويّ. لأجيالٍ، عاش أفراد عائلتي حياتهم على هذه البقعة، على هذا النُهير المدخل الضئيل المنغرز في الخليج الأخضر الصغير الغائم. هي رقعة أرض ضيقة تمامًا، محصورة بين تعرجات الشواطئ والتلال، وطوال اليوم تبقى رائحة المدّ والجزر، التي تختلط في مكان ما هناك، ورائحة السمك المتعفن معلقة في الهواء. ثمة بالكاد أيّ أرضٍ صالحة للزراعة، والتربة في البقع القليلة التي يمكن زراعتها فقيرة جدًا بحيث لا ينمو فيها سوى البطاطا الحلوة، وحتى في تلك الحالة لا تتوقع محصولا وفيرا. لذلك، لا يملك الناس الذين يعيشون حول المدخل خيارًا سوى العمل إما في البحر أو على التلال. ولا أحد يثرى من القيام بأعمال ليس بوسعه أن يختار عدم القيام بها. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الناس يعيشون في فقر مدقع، أنهم يكافحون من أجل كفاف يومهم. لا يمكننا تحمل الإنفاق على الكماليات، ولكن عندما تكون منغسما في تدبر حياتك، لا تعود الكماليات شيئا ضروريا حقًا. وفي ظني أنّ حقيقة كون الجميع متساوين في الفقر تجعلنا بمنأى من مشاعر الغيرة والحسد تجاه جيراننا. قد لا نكون راضين تمامًا عن حياتنا، ولكننا لسنا مستاءين. نحن بخير. وهذا ما قد يفسر سبب عدم رؤيتنا أيّ فردٍ يغادر المدخل قط. أبدا. هذه ليست مبالغة. لقد ولدنا هنا، ونعمل هنا، ونموت هنا، كما لو أننا منجذبون إلى هذا المكان (أو مربوطون به) بقوة مغناطيسية مذهلة. كان جدي كذلك أيضا.

عندما أقول إنه أصبح عوامة، قد تعتقدون أن هذه هي مجرد طريقة أخرى للقول إنه عمل في البحر- أي أنّه كان صيادًا. هذا الافتراض معقول تماما. في الواقع أنا شخصيًا فكرت ولفترة طويلة أن هذا هو الحال. وكنت مخطئاً. قالت جدتي إنه على الرغم من كونه كان حطّابًا، يبدو أنّ الرّجل لم يدنُ من البحر كثيرًا، ربما لأن والده توفي في البحر أثناء عاصفة، أو لأن أحد أصدقائه جرفته موجة كبيرة أمام عينيه، أو لأنه هو نفسه كاد يغرق في إحدى المرات. على ما يبدو فقد ذهب للعمل في التلال كوسيلة ليتجنب البحر، لينأى بنفسه عنه، ليفر منه. تقول جدتي إنه انتابها هذا الاحساس. كل الذين يعيشون هنا في المدخل شهدوا مثل هذا النوع من المتاعب التي، بدرجة أكثر أو أقل خطورة، ترتبط بالبحر (عنفه العشوائي صارَ أشدّ هولاً لأننا لم نفعل شيئا يستأهل غضبه). أخال أن أولئك الذين يتصالحون مع ذكريات هذا الخوف يصبحون صيّادين، في حين أن أولئك الذين يضمدون جراحهم الروحية بقية حياتهم يصبحون حطابين كوسيلة تجنّب عيونهم البحر. تماما كما فعل جدي.

في الحقيقة أنا لا أعرف لماذا أصبح جدي عوامة. ذات يوم كان في الشرفة يصلح سلّةً كانَ يحملها على ظهره عند صعوده إلى التلال، عندما حضر المختار وقال له، على نحو غير متوقع، أنه تقرر أنه سيكون العوامة المقبلة. “أفهم”، غمغم جدي، دون ومضة مفاجأة أو غضب أو حزن في عينيه، ثم، ببساطة ذهب إلى العمل كعادته، دون أن يضيف كلمة. هذا ما قيل لي. ومن الواضح أن ردّ فعل جدتي كان مشابهاً: “آه حسنا، يبدو انه حان دور الأب”، فكرَت، هذا كل شيء. بلا انفعالٍ عاطفيّ يعتمل في صدرها.

من كان الشخص (أو من كانوا الأشخاص) الذين اختاروا جدي ليصبح عوامة، ولأي سبب اختاروه، وما هي سلطتهم؟ وكيف قَبل جدي وجدتي ببساطة بهذا المطلب (أو الأمر) من دون سؤال؟ سألت جدتي عن هذا. ومع أنني لا أعتقد أنها كانت تقصد ذلك، هدأ جوابها شكوكي من ناحية وغطى على الموضوع من ناحية أخرى. ربّما لأنّه كان يمتلكُ شعرًا أكثر من أيّ شخصٍ آخر، وأكثر سوادًا من الفحم، وفوق ذلك امتلك رأسا ضخما فوق كتفيه. قالت جدتي.

فبحسب قولها، لم يكن الرجل الذي كان عوّامة قبل جدّي يحمل رأسًا كبيرًا، لكنّه كان كبيرًا في السنّ، وكان شعره أبيض للغاية، صافيًا للغاية، لدرجة أنّه كان مثل ضوء القمر. قبل ذلك كان صيادًا من النوع الذي تصادفه أحيانا حول المدخل، رجلا مفتول العضل ذا جلد برونزي وشعر حال إلى أسود ضارب الى الحمرة، لأنه باعتقادي كان يعمل في الماء تحت الشمس الساطعة متدافعا مع الأمواج من حوله. قبل ذلك، كان على ما يبدو كاهنًا عانى جلده من خثرة دم مرضية ملونة داكنة، ربما لأنه في كل مرة كان يذهب لأداء خدمة تأبين في منزل شخص ما، كان يسكر من المشروب الذي يقدّمونه له، وكان هذا كل ما فعله. وقبل ذلك، كان الشخص صاحب بشرة صافية، وقبل ذلك كان الشخص أحمر الشعر. رأس أحمر، صغير مثل حبة الخشخاش، يظهر ويختفي بين الأمواج على بحر مايو المتلاطم. رأس أسود بالكاد تستطيع تمييزه في بحر الشتاء المظلم البارد. رأس أبيض نادرا ما استطعت تحديده وسط رشقات الضوء الباهر التي تلامس سطح البحر المتموّج  في الصّيف، لكنه كان يقفز أمام العين  في الشتاء. وأيا كان الموسم، كان يمكن أن يكون نقطة صغيرة من أحد هذه الألوان الثلاثة في عرض البحر. كان لون العوامة يتغير من الأحمر إلى الأبيض، ومن الأبيض إلى الأسود، بهذا التعاقب. ولذلك كان من المتوقع، بعد أن أنهى الرجل العجوز ذو الشعر الأبيض دورته، أن يصبح شخصٌ ما ذو سمة جسديّة مطلوبة – السّواد- العوامة القادمة، وبما أنّ جدي كان معروفًا بكونه الأكثر دكنةً من أيّ شخصٍ آخر يعيش على المدخل في ذلك الوقت، فقد كان من الواضح له ولجدّتي حتمية اختياره. ولكن لماذا لم يرفض؟ جدتي تقول لي إن ابنته (أي والدتي) كان عمرها خمس سنوات وكانت تكبر بسرعة  جنونية، وشقيقها كان لا يزال رضيعًا. إذا وافق جدي أن يكون عوامة، لن يكون بإمكانه مواصلة العمل حطابا. ففي نهاية المطاف، أن تكون عوامة ليس أمرا يمكنك أن تفعله في وقت فراغك، إنها مهمة متطلبة للغاية. لن يكون مستحيلاً على أسرة مكونة من أربعة تغطية نفقاتها اذا توقف جدي عن العمل، لكنّ الحياة ستكون صعبة للغاية، حتى لو خرجت جدّتي بنفسها للقيام ببعض الأعمال، تساعد الحطابين الآخرين، وتمد يدًا للصيادين. إذًا، لماذا وافق جدي على الطلب، ولماذا قبلت جدتي بقراره دون همسة اعتراض؟

تخميني هو أن جدي لم يرغب في تدمير عُرف صمد لأجيال بسبب مشاغله الأنانية. بلا شك لو أجريت مسحا لتاريخ العوامات الطويل بأكمله، لن تجدَ شخصًا واجه من الظروف الخطرة أكثر من جدي. ولكنّ جدي وجدتي لم يسمعا أبدا أي شخص يذكر ظروفًا لا يمكن تجنبها كسبب لرفضه أن يكون عوامة. يقينًا أن بعض الأشخاص تحملوا الآلام والتوترات الفظيعة التي تفوق أيّ تصوّر، مع ذلك كلّ من وقع اختياره ليكون العوامة قبل بالمسؤولية دون اعتراض، على الرغم من القلق والألم واليأس الذي تدافع كالأمواج في قلوبهم. لو كان جدي قد رفض أن يكون عوامة، أن يؤدي عمله كعوامة، لكان تسبّب بصدمة للنظام كله في المدخل، على أعمق مستوى، ولكان انهار كل شيء. أنا متأكد من أن جدي وجدّتي نظرا إلى المسألة بهذه الطريقة.

لا أظنني أبالغ هنا. كنت سأقول إن هذا، على وجه التحديد، هو ما جعلهما لا يعترضان. في نفس الوقت، أشك إن يكون قد خطر لهما أن يتساءلا يوما لماذا وقع الاختيار على جدي، أو ما معنى أو مبرر الاستمرار بهذه المهمة. لأن ذلك ما كان سيؤثر في تلك الوضعية على الاطلاق. أو ربما كان سيؤثر، من يدري. وفي كلتا الحالتين، أشك في أنهما فكرا مرة أن يطالبا بتفسيرٍ لذلك. نحن لا نعيش حياتنا بالطريقة التي يكتب بها الأكاديميون أبحاثهم. أعتقد أني على قدر كافٍ من الوعي بأهمية تبنّي موقف نقدي تجاه مسائل في هذا العالم نعتبر وجودها أمرًا بديهيًا، ولا نشعر أمامها بحاجة لأن نتوقف، ومن دون نظرة شك في عيوننا- المهمات التي يُطلب منا القيام بها لأنها ضرورية، بمعنى، لأنه من الواجب علينا أن نقوم بها- لكنها مع ذلك عرضة للصدفة، لدرجة معينة من الاعتباطية. في نهاية الأمر، أحيانا قد يؤدي التعامل مع الواقع بهذه الطريقة الاستباقية إلى تغيير في وجهة نظرنا، بعبارة أخرى، في طريقة تفكيرنا، وطريقة عيشنا. أفترض أن جدّي وجدّتي كان عليهما أن يتحمّلا عناء القيام بذلك. ولكن هل كان بوسعهما ذلك؟ من السهل علي أن أتحدث لأنني هنا الآن، ولكن جدي كان هناك. في المدخل أيام جدي وجدتي، أو بالأحرى في العالم الذي عاشا فيه، كانوا يفعلون ببساطة ما كان متوقعا منهم، دون شعور الضحية بالظلم أو السخط، دون عزيمة الأبطال الصارمة. في عالمهم، إذا وقع الإختيار عليك فإنك ببساطة تسلّم نفسك دون شكوى- لست مخيرا. لذلك وافق جدي، لم يكن يملك خيارا سوى الموافقة، تماما مثل الرجل الذي سبقه.

أتذكّر ذلك اليوم، كاد يفقدُ عقله. هكذا وصفت جدّتي جدي عشية بدئه عمله كعوامة. دعني أقول لك إنّه عمل صعب، يا له من عمل جهنّمي، أي نعم! من الواضح أنه كان بالإمكان سماع القرود وهي ، تتشاجر، تهز الأغصان فوق التلال خلف المدخل- التلال التي ترقد متناثرة، ينهكها الحر الذي كان لشدته كأنه يلطم خدودك، ويطحن عظامك، وكأنها أدركت شعور جدي، شعرت بالضغط الرصاصي في صدره.

لا، لا، لكن على الأرجح لا تقيمُ هذه القرود وزنًا لمشاعرنا نحن النّاس، تابعت جدّتي، مقللة من شأن الانطباع الذي أحست به في ذلك الوقت. يبدو أن القرود كانت تشارك دائما في مزاحها الوحشي، في السابق والآن. وهي فعلا كابوس. “بالتأكيد،” لا بد أن هذا ما تفكر فيه القرود، “هذه النساء اللاتي يعشن على المدخل قد يكنّ جريئات وقويات مثل أي رجل، والأطفال أكثر مكرًا حتى منا نحن القرود- وأكثر رجولة مما تتصورون نسبة لسنّهم، بينما يسرقون الفاكهة (المندرين والبشملة وما شابهها) أو يجففون الحبار على الشاطئ-ولكن مع ذلك، النساء هن النساء والأطفال هم الأطفال”. لذا تأتي القرود، وتدسّ أيديها في سراويل الأطفال الصغيرة فيما يقف المساكين هناك، ربما بلا حراك، مستسلمين للوهج الذي تسلطه القرود عليهم، من خلال تلك العيون شبه المنتشية، ثم تمرر القرود أيديها ملاطفةً الأعضاء التناسلية غير الناضجة للأطفال. تروح أصابع القرود اللحمية الوردية الطويلة هنا وهناك، ببطء، في كل اتجاه محتمل، مثل يرقانات متخمة فوجئت بأن وجدت نفسها ساقطة إلى الأسفل في بقعة جرداء تماما. أنا نفسي خضعت لهذه المعمودية من مزاح القرود. ولكن هذا هو المدخل، هو بيت الصيادين والحطابين. هم لا يشعرون بالقلق من شذوذ بسيط. في الواقع، يستمتع الناس- وهذا ينطبق على الرجال والنساء على حد سواء- بعض الشيء بأفعال القرود، والتي تساعدهم على إضرام نيران شهواتهم.

كان الشيء الذي تسبب بحقّ في عبوس أهل المدخل، هو شيء آخر فعلته القرود بشكل منتظم. يوما بعد يوم، لم تكل من النزول من التلال والعبث في المقبرة. أمرٌ بديهيّ أنّها التهمت العطايا القليلة التي تركها الناس على شواهد القبور، مخلفة فتوتا متناثرة في كل مكان، ولكنها أيضا كسرت أقداحا صغيرة من الماء أو الكحول (في الحالة الأخيرة، شربوا المشروب أولا). مزقت الزهور التي تركتها الناس ونثرت البتلات فوق الأضرحة، كأنها اعتبرت ذلك ابداعا فنيا.

كان على النساء العجائز أن يتسللن لتنظيف القبور وتقديم صلواتهن: لم يهم إن كان هذا المكان معدًا للحداد على الانسان الميت، كنّ أكثر خوفا من تلك القرود الساهرة. كانت هذه مشكلة حقيقية.  لكن، رغم كل شيء، تبنّت جدتي بالضبط الموقف المعاكس تجاه القرود، قدمت لها الثناء بدلا من الرفض. تلك القرود ذهبت وخرّبت الأضرحة وكل شيء، صحيح بما فيه الكفاية، لذا فنحن ببساطة نفكر في الأضرحة طيلة الوقت، أكثر وأكثر، لذا فإننا نظهر هناك أكثر من أي وقت مضى لنبقيها نظيفة، لنرى السابقين أكثر من أي وقت مضى، هذا هو. دعني أقول لك إن هذا يجعلني أظنّ بأن هذه الحيوانات لعلّها تفهم مشاعر الناس في النهاية.

قيل لي إن جدي في تلك الليلة جلس يحدق في البحر، كان سطحه الأسود كما لو خضّبه أحدهم بالحبر. في النهاية، لن يكون بمقدوره من الآن فصاعدا الاكتفاء فقط بالنظر إليه، بل سيقضي نحو نصف نهار كل يوم فيه. انه حقًا مدخل صغير- صغير جدًا حتى ليبدو كأنه يتشبث على نحو غير مستقر بالشاطئ المنحني على نحوٍ معقد، وكأنه سيسقط في كل لحظة. بوسعك أن ترى الخليج من ساحة أي بيت. لا يمكنك ألاّ تراه. لعل جدي لم يسبق له أن وضع نفسه في هذا الموقع، وجها لوجه مع البحر- ليس فقط لأنه لم يحبّه، ولكن أيضا لأنه كان جزءا رتيبا تماماً من المنظر. من المؤكد أنه مكث هناك في الفناء يحدق في البحر حتى بعد أن خلدت جدتي للنوم. كانت القرود تُحدث جلبة في تلك الليلة بحيث كان الخلود للنوم أمرًا مستحيلا. أتساءل، فيم كان يفكر جدي أثناء صياح القرود – انفجارات مفاجئة شقت طريقها عبر الليل، كما لو أن شخصا يمزق ورقة سوداء، مزقة مزقة، هاجم أذنيه؟

في صبيحة اليوم التالي، ذهب وتحدث إلى جدتي. هذا ما قاله: في الليلة السابقة، كان جدي، الذي لم يتمكّن من النوم، يقف هناك يحدق في البحر عندما نظر نظرة عابرة إلى الوراء باتجاه الفناء، رأى قردا. بدا الأمر كما لو أن القرد وقف هناك طوال الوقت، يراقبه. جدي كان يعرف أن القرود لا  تلاحقُ الرجال أو تكشف أسنانها لهم، لذلك لم تكن هناك حاجة لطرد الحيوان. لم يول الأمرَ أي اهتمام. أعاد بصره إلى الماء. ولكن بعد ذلك سمع صوتًا ينادي: أنت هناك، أيها الصديق. عندما استدار، لم يكن هناك من أحد سوى القرد. كاد لا يصدق الأمر، ولكن بدا أن القرد يتحدث إليه.

حسنًا، فكّر جدي، أظن أن القرود تتحدث أيضا في بعض الأحيان.

سمعت قصة مشابهة من امرأة عجوز تعيش في مكان قريب. عادت في إحدى الليالي لتجد شخصًا ما في الغرفة حيث احتفظت بالمذبح. كان شخصًا قصير القامة، يجثم أمام المذبح، لعله كان يتهيأ لإشعال عود بخور. لا شك أنها امرأة عجوز أخرى من المدخل، ولكن من تكون؟ عندما أشعلت المرأة العجوز الضوء لترى، اكتشفت قردًا يحاول بلوغ حبة خوخ تركتها على المذبح قربانًا. ابتسم القرد سريعا ابتسامة ازدراء، مظهرا أنيابه، وفجأة بدأ يتحدث بصوت زوج المرأة العجوز المتوفى. ها أنت، أخيرًا وصلت ها؟ أنا جائع، أريد شيئا آكله.  ثبّت القرد عينيه في السيدة العجوز التي وقفت هناك لا تقوى على الحركة من الذهول، وخرج من الغرفة، يمضغ حبة الخوخ. آه، ثمة أمور غريبة تحدث في بعض الأحيان قالت العجوز. أعتقد أن شيئا كهذا يحدث أحيانا.

القرد يتكلّم. إذًن ستصبح عوامة؟ هذا صحيح، ردّ جدي. القرد: نحن نراقب هذا المدخل من التلال منذ أجيال. وأنت سوف تراقبه من البحر. لا أعتقد أنك سوف تعود إلى التلال. رأينا كيف رميت نفسك على عملك، من الأعلى إلى قمم الأشجار. أنت تحرّك جسدك، وتنهك نفسك. أن تكون عوامة فهذا أمر مختلف. كل ما عليك القيام به هو أن تطفو. ومع ذلك، فهذا عمل. لذا اذهب الى هناك واعمل.

وفقا للقصة التي حكاها جدي لجدتي، قال القرد: العمل عمل، إذن، اخرج واعمل. ثم اختفى بين التلال. من كان يتوقع أن من يطلب منه أن يعمل قرد من تلك القرود المتسكعة في المدخل طيلة اليوم، تلعب وتلهو بالمزاح وتبحث عن طعام تسرقه؟ وجد جدي وجدتي ذلك أمرا مرحا حيث ضحكا حتى البكاء.

في الصباح الباكر، قبل أن تشرق الشمس، ركب جدي أحد قوارب الصيادين وخرج إلى البحر. أنزله القارب عند الفم الضيق الذي أدى إلى الخليج، تمامًا على الحدود، بين جُرفين امتدا من الشاطئ مثل ذراعي نجمة البحر. خلع جدي كل ملابسه ودخل الماء، ثم طفا. لم يهمّ كيف طفا، بالطبع، طالما كان رأسه مرئيا على سطح المياه. كان العائق الوحيد أنّه بحكم كونه عوامة، لم يكن بوسعه أن يذهب حيث شاء. قناديل البحر يمكنها أن تنجرف حوله وهي تلهو بين الأمواج، ولكن ليس العوامات. كان عليه أن يحرص على البقاء قدر الإمكان في نفس المكان. لكن الشاطئ كان بعيدا تماما، وقوارب الصيد تغير مواقعها باستمرار كلما حملها المد إلى هذا الاتجاه أو ذاك، لذا لم يكن يملك شيئا يستخدمه كعلامة. كان يشكّل هو علامة لأشخاص آخرين، لكنه نفسه لم يملك علامة.

في اللحظة التي ينزل فيها الصياد جدّي، يغادر المكان، منتقلا إلى عمله في الخليج. يطفو جدي هناك وحده، بعيدا عن الشاطئ، في طرف الخليج، لا أحد يتحدث إليه، يتأرجح فوق الأمواج، إلى الليل حين يأتي أحد الصيادين ليلتقطه .. بعد ذلك، وفيما تغرب الشمس، يركبان قاربهما عائدين الى البيت.

في البداية وجد الذهاب امرًا صعبًا. بما أنه كان ناقعا بالمياه المالحة طوال اليوم، تشبع جلده بالرطوبة وانتفخ بشكل مؤلم. رغم ذلك فإن أجسادنا قابلة للتكيف على نحو مذهل، وقد اعتاد على الأمر في وقت قصير بما يكفي. ببساطة ذهب إلى البحر، تمايل هناك فوق الأمواج، ثم عاد. على ما يبدو في الأيام الأولى كان يتحدث بلا انقطاع مع جدتي وأطفالهما عندما كان يعود من البحر، من المؤكّد كان يعود إلى حقيقة أنه لم يكن هناك من أحد يحادثه طوال اليوم، ولكن بعد ذلك أدرك انه ليس لديه ما يقوله. كل ما كان يفعله أنه يطفو في بحر ساكن، محدّقًا في نفس المنظر الثابت، لا يلتقي بأحد، ولا يتحدث إلى أحد. هكذا بدأ جدي يكرس نفسه بشكل خاص إلى الاستماع، ويومئ برأسه ليظهر انه يستمع ولكنه تحول تدريجيا إلى شخصٍ سكوت. كلما طال عمله، كلما مال اكثر الى الصمت، وغرق مثل الرصاص في أفكاره.

الحُكم بالنظر إلى المكان الذي طُلب من جدي أن يطفو فيه- ومن حقيقة أنه كان عوامة، يمكن للمرء أن يفترض أن دوره كان بالضرورة تعليم الحدود بين الخليج والبحر المفتوح. في الواقع، كان هناك، أشخاص قالوا الشيء نفسه- إن هذا كان واجب الرجال الذين أصبحوا عوامات. لأنك ما إن تخرج إلى البحر المفتوح، لا يمكنك أن تعود أبدا. ادعى البعض أن هذا سببه سرعة التيار الخيالية هناك؛ بأنك لو حدث وعبرت عن طريق الخطأ خارج الخليج، ستُجرَف إلى مكان بعيد. قال آخرون إن هناك سفن أشباح اختطفت الناس. على أية حال، كلما كان الخليج عميقًا كانت الموجات لطيفة، وطالما بقيت فيه كنت آمنا. ومع ذلك كان هناك دائما أشخاص متهورون أرادوا التحرر من العادات والمعرفة المنبثقة عن التجربة السابقة. لم يعد أي منهم إلى المدخل. أو ربما اختاروا ألا يعودوا أبدا، لا أدري. لعلهم جُرفوا إلى شاطئ بعيد، وبدأوا حياة جديدة هناك. لا أدري ما إذا كان هذا أمرًا جيدًا أم سيئًا. لم يبحروا  بحثًا عن عالم جديد، في النهاية، ولم يلاحَقوا من قبل أهل المدخل. هل يعقل أن يترك شخص وراءه المكان الذي عاشت فيه عائلته الحبيبة وجميع أصدقائه، لمجرد أنه شعر بوخز الفضول؟

الأمر يتكرر: لا نهاية لهؤلاء الناس المتهورين الجهلة الذين لا يميزون بين التهور والمغامرة. لهذا السبب بالضبط نحتاج إلى عوامات قادرة على الكلام. كان هدفهم، في الأصل، التمايل عند مخرج الخليج وإرسال تحذيرات لأي شخص أراد الخروج – وفق ما يقال. يوجد في هذا التفسير شيء من المنطق، هذا صحيح، ولكن لا يكاد يوجد شخصٌ يصدق ذلك. العوامات تعمل فقط خلال ساعات النهار، في النهاية، وطبعا كلما اهتاج البحر بقوا هم في المنزل. يمكنك الخروج من الخليج كما تريد طالما انتظرتَ غروب الشمس، أو اخترتَ يوما يكون فيه الطقس سيئًا. الى جانب ذلك، لا توجد في الحقيقة أية وسيلة لرجل عار يطفو في المياه يمنع بها قاربًا من الابحار في البحر المفتوح. لا يهم ما إذا كان العوامة هناك أم لا، بكلمات أخرى، كل ما يمكن القيام به هو إرسال تحذيرات بلا طائل، سيتم تجاهلها. يبدو، بعبارة أخرى، أن فكرة العوامة المحذرة لا تستند إلى تفسير مقنع.

ربما في النهاية هذه الممارسة بجعل الناس يصبحون عوامات لا اساس لها. بالتأكيد، يمكنك الاتيان بسبب معقول. ولكن مع ذلك مهما يبدو مقنعا، لا أحد يعرف الحقيقة، وتوفر التفسير لا يغير من الواقع شيئا.

كلما ضاقت حريتك، اتسع خيالك. إذا عملت كعوامة، كشخص لا يفعل شيئا سوى أن يطفو، عندها لا شيء يمكنك فعله سوى أن تطفو، لذا بشكل ما، يشبه ذلك أن تكون محتجزا في مكان ما. عيناك وأذناك هما فقط الشّيء الحرّ. البحر الأخضر، والتلال التي تجثم مثل البهائم، صوت نسائم البحر تهسهس عبر الخليج، صرخات الطائرات الورقية تحلق في السماء، وارتطام الأمواج الذي يصفع أذنيك. كل هذه المناظر والأصوات المألوفة لا بد أنها حرّكت خيالات هؤلاء الرجال ثم حولتهم إلى شيء آخر. لأنه لم يكن ثمة شيء آخر يفعلونه سوى أن يهيموا في الخيال. فائض الخيال يودي بسهولة إلى الوهم، بالطبع. لعل جدي عرف هذا، ولهذا انجذب نحو الصمت- نعم، أعتقد أنه خاف من أن تسقط  الكلمات الوهمية من شفتيه. كان خائفا أنه بمجرد أن يبدأ الحديث عن نفسه، لن يكون قادرًا على وقف تدفق اللغة الجامح. لذا لم يكن من شيء يقوله، لا شيء أمكنه أن يقوله.

في إحدى الليالي، وبعد أن خلد الأطفال للنوم، ذهب جدي وجدتي معا إلى الفناء ووقفا يحدقان في البحر. منذ أن بدأ يعمل كعوامة، سئم جدي من البحر إلى درجة أنه لم يرغب في النظر اليه، وعندما كان في البيت حاول أكثر من ذي قبل أن يقصيه عن عينيه. أصبح حاد الطبع، أكثر ميلا إلى الانسحاب إلى الصمت. وكان مستنفدا تماما. طلبت جدتي منه أن يخرج معها، معتقدة أن النسمة الباردة في الفناء على جلده،  قد تبعث فيه المرح. مظلمٌ جدا في الخارج، لن ترى أي بحرٍ، قالت. وكان ذلك صحيحًا، كان البحر، وهو يغفو أمامهم، أسود وكأنه مضمّخ بالحبر. نسمة باردة صفعت خدودهم بلطف حتى أنك بالكاد تصدق أن حرارة النهار الطاحنة للعظام كانت حقيقية. أنا فقط أفكّر، أكثر وأكثر، بحقّ. ليس عملاً جيّدا، تنهد جدي. كما قال هذا القرد، العمل صعب، صعبٌ بجدّ، لا وقت لديّ لأكبر في السنّ.

لم ترد جدتي. فقط وضعت يده في يدها وحدقا في البحر- البحر اللامرئي.. “كانيييراو” في مكان ما كان أحد الغزلان يطلق صوتا عذبا. نداؤه الحزين رسم خطا أبيض رفيعا عبر سطح الظلام المحتشد من حولهما.

عندما خفضا بصرهما نحو الأرض التي أمامهما، رأيا النجوم تلمع في كل مكان. امتدت نقاط لا تحصى من الضوء في مجموعة، سيل، وكأن درب التبانة قد سقط على الأرض. ما عدا أن كل النجوم كانت لها حمرة غريبة. كانا مندهشين من المنظر. مدا جسديهما لكي يتمكنا من الرؤية في الظلام. كانت هناك الضفادع. أي عدد من الضفادع تتقافز عبر الطريق المحفورة، يحدها العشب من جانبيها، من هنا إلى هناك أو من هناك إلى هنا، باحثة، ربما، عن رفيق. اكتست الطريق الضيقة بالضفادع، تتمعّج، وتدفع بعضها البعض، متسلقة فوق بعضها البعض، وكانت الأضواء عيونها. الطاقات الفاحشة من لحمها التهبت في حدقات عيونها، لمعت مثل النجوم. وليمة من لحم. كانت تلك: الحياة بشحمها ولحمها. دهش جدي وجدتي بالاحساس بمعنى أن تكون على قيد الحياة. لهثا، حتى أنه انتابتهما قشعريرة. ظلا يحدقان إلى الأبد في تلك الضفادع.

في نهاية المطاف بدأ الظلام ينقشع، وكأنه تلاشى في المياه، واختفت النجوم واحدة تلو الأخرى. أخاديد التلال، مثل حيوانات محدودبة سقط فراؤها، لمعت ببريق أبيض في الجو، وببطء كشف البحر عن نفسه. تفاعل كيميائي ما بين النور وشيء ما في المياه، ربما، تسبب في انبعاث عدد لا يحصى من جزيئات الرائحة في كل الاتجاهات فيما شمس الصباح تدق سطح البحر. سرعان ما حملت نسائم البحر تلكَ الرائحة إلى المدخل وإلى الأرض. عند الفجر، خرج جدي إلى البحر.

في أحد الأيام، عندما ذهب أحد الصيادين ليصطحب جدي، لم يعثر عليه. تيقن الصياد أنه اختفى فعلا، ثم توجه مرة أخرى إلى المدخل. لم يخرج ليبحث عنه. هذا ما آلت إليه الأمور دائما، في نهاية المطاف. والشيء نفسه وقع مرة أخرى، هذا كل ما في الأمر. جاء الصياد لرؤية جدتي قال لها ببساطة لا مثيل لها إن عائلتك الآن بلا رجل بعد اليوم. هل جرف المدّ جدي، أم أنه غرق؟ لا أحد يعلم. إذا كان قد غرق، لما رآه أحد على قيد الحياة مرة أخرى. لذلك كان كل ما أمكن جدتي القيام به هو انتظار جثته حتى يقذف بها إلى الشاطئ. غالبا بعد عاصفة سوف تجد رجلاً عوامة قد تحلل وألقي به إلى الشاطئ. لا نعرف متى أو أين قذف الرجل العوامة من البحر، أو إلى أي شيء كان من المفترض أن يشير. إنّه مجرد عوامة أخرى، ملقى على الرمال. ومع ذلك، فإنه عوامة، لا وهمَ في ذلك. بطبيعة الحال، لم تكن هناك ضمانات أنه سيظهر على هذا النحو، ولكن هذا سبق وأن حدث من قبل: أحيانا كان يُعثر على رجل كان عوامة ملقى على الرمال. لذا كان على جدتي الانتظار. وحتى لو قيض لرجل عوامة أن يُقذف الى الشاطىء، فلن تكون هناك وسيلة تؤكد أنه كان جدي.

أو لعل جدتي لم تكن تنتظر على الإطلاق. لأنه لو لفظ الرجل العوامة إلى الشاطئ بواسطة المد والجزر، فيعني ذلك يعني أن على جدتي أن ترى بنفسها أن جدي قد مات. لا، لا، العوامات تطفو لا تغرق، قالت جدتي. لعلها كانت تظن أن جدي كان لا يزال حيا، يتمايل وسط الأمواج، وأنه سيظل هناك إلى الأبد. ولو فكرت في ذلك، لا يوجد للعوامة جذور تشده إلى الأسفل. صحيح أن ثمة وزنا يتدلى من الأسفل، لكنه ليس مربوطا بقاع البحر- ليس مزروعا في مكان واحد. ربما نخطئ حين نفكر بأنهم يبقون في نفس المكان تماما. يفترض بالعوامة أن يحدد موقعا معينا، بالطبع، ولكن على مستوى أكثر أساسية، المفترض به أن يطفو.

أنظر من نافذة غرفتي، وبوسعي أن أرى عوامات الصيد الملقاة على الخليج.

أجسادهم الرطبة السوداء تلمع تحت شمس الصباح. يكاد يحين وقت الخروج. البحر مستيقظ الآن. أستطيع أن أراه هناك، يتقلب ويتألق كما لو كان ينتظرني.

 

* كانيييراو” :Kaniiirawh هي الجرس اللفظيّ البديل عن سَليل الغزال. وهي من نَحت المؤلّف في النصّ الأصلي.

 

ماساتسوغو أونو، (1970)  أستاذ وباحث جامعي في مادة الادب الفرنكوفوني. درس أونو في جامعة طوكيو وحاز على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة. نالت روايته الاولى “قبر مغطى بالماء” بجائزة اساهي للكتاب الجدد ونالت روايته “مركب في خليج عاصف” جائزة ميشيما يوكيو وفيها يتناول الكريول- تلك اللغات والثقافات التي تولد من اختلاط سكان البلاد الاصليين بثقافة اجنبية. حصل  على جائزة  أكوتاغاوا، التي تعتبر أهم الجوائز الأدبية في اليابان.

هذه القصة نشرت في مجلة كيكا للأدب العالمي، النسخة الورقية، العدد الخامس، شتاء 2014.

المجلة تصدر عن منشورات الجمل