“الكلاب” قصة قصيرة للكاتبة اليابانية يوكيكو موتويا

ترجمة عن الانكليزية: محمد حبيب

Yukiko Motoyo kikah magazine
يوكيكو موتويا

عشت ذات مرة مع رهط كبير من الكلاب

الغريب في الأمر هو أنني لا أتذكر سلالتها، لأننا كنا نعيش معا، نمضي كل الوقت معاً. لقد أحببتها كثيراً، وهي بدورها أحبتني. كانت بالعشرات، وكل واحد منها نقي البياض مثل ندف الثلج المتساقطة حديثاً. كنت أمضي أيامي أنعم بالراحة والدفء في كوخ فيه موقد. لم أكن أقابل بشرياً. كانت الكلاب تطلب الخروج إلى الخلاء. والملفت للانتباه أيضاً أنني لم أرها قط تقضي حاجتها. لكنني افترضت، في الوقت نفسه، أنها كانت محتشمة، واتخذت لنفسها منطقة ما كنوعٍ من المراحيض، بعيداً عن الكوخ. لم أكن أحب النوم في الأسرة، وهكذا كنت أنام وقوفا ومسندة ظهري إلى إفريز النافذة. وفي الليل تتجمع حولي الكلاب مثل معطف لا يظهر منه سوى فمي وعيني. كنت أحب ذلك التحديق الوسنان بالموقد، وأنا أنجرف إلى النوم، مع ذلك الإحساس المسكر بأنني مغمورة بكل ذلك الكم من الكلاب.

في تلك الفترة، كان لدي عمل من النوع الذي يمكن انجازه فيما أنا مختبئة هنا في هذا الكوخ. كان عليّ أن أجلس في العلِّية، من الصباح حتى المساء، إلى مقعد وأن أحدق عبر عدسة مكبرة، وأنتزع بملقط دقيق نتف أوراق صغيرة متعددة الألوان، وهذا عمل مُتعِبٌ يخدر الحس لدرجة أن الكثير من الناس لا يستطيعون مجرد تخيل أنفسهم يقومون به. لسنوات عديدة، مع قدوم الشتاء، كنت أحمل من الطعام والماء مؤونة أسابيع، وأعتزل العالم في هذا الكوخ، الذي يملكه أحد معارفي.

الكوخ عبارة عن غرفة معيشة عالية السقف، وغرفة نوم صغيرة، وعلِّية، لكنه كان كافيا بالنسبة لي. وعندما وصلت إلى هذا الكوخ النائي أول مرة، بعد رحلة في السيارة قدتها دون كثير مهارة عبر طرق جبلية ضيقة ومتعرجة، كنت لا أزال وحدي. وأتذكر كيف أنني أوقعت المفاتيح مراراً وجاهدت كي ألتقطها من جديد، فيما أنا أحمل كل أمتعتي، وكان ذلك كله بسبب الوشاح الكبير الذي كان يغطي نصف وجهي، ويمنعني من رؤية يدي. كان الخريف يجر أذياله وراءه. في بداية اقامتي هناك، كنت أذهب للنوم وحيدة، فيما كنت أنظر الى الخارج عبر النافذة ليلة بعد ليلة فينتابني شعور وكأنني في قاع بحر عميق. والغريب في الأمر هو أنني لا أذكر متى بدأت الكلاب تعيش هناك.

لقد أحببت جميع تلك الكلاب وبشكل متساو. . في البدء، حاولت أن أسمي كا واحدة منها، لكن التسميات لم تعمِّر طويلاً، لأنني أصلاً لم أكن أحب اعطتء أسماء للأشياء. كنت أكتفي بالسعادة من النظر إلى عيونها السوداء اللامعة، التي كانت تتوهج وكأنها منابع نار سحرية. وفي النهاية، وعلى كل حال فان تلك الكلاب لم تكن تناديني باسمي. ولن الأمر سبب لي بعض الازعاج، فاستنبطت بعض الأسماء لأجربها عليهم. جعلت الكلاب تقف في رتل أمام الموقد، وطلبت منها أن تنبح عندما يسمع أحدها اسما يعجبه، بعد ذلك رفعت في يديّ الأطواق التي صنعتها لهم بنفسي وفيما أنا أحدق في عيون تلك الكلاب أخذت أتلو الأسماء واحدا بعد واحد.

“الأول هو الصباح الباكر”

هيه هيه هيه هيه.

“يوم وصلت السلع البيضاء” (“السلع البيضاء هو مصطلح يطلق على كل أجهزة المطبخ عامة مثل الثلاجات، الغسالات الكهربائية والمبردات والتي عادة ما تنتج في أغلفة معدنية بيضاء).

هيه هيه هيه هيه.

“بصطرما”.

هيه هيه هيه … عو!

دلّى الكلب لسانه خارجاً باحترام. فوضعت حول رقبته الطوق الذي يحمل اسم بصطرما.

” العالم”

هيه هيه هيه هيه

“الأكل الجاهز”

عو! عو!عو!

كانت الكلاب تهتم بأمر طعامها أيضاً. وكنت أسمح لها أن تنسل للصيد في الغابة، ربما لذلك كانت تصيد كمجموعة. وذات مرة بينما كنت أتنزه في الغابة، وجدت رأس طائر تحت شجرة. فتناولته ووضعته في جيب معطفي، وعندما عدت إلى الكوخ، رميته بين الكلاب حيث كانت تستلقي باسترخاء. وصرخت “ بوووو!”. لم تظهر الكلاب أية ردة فعل، لكنني اعتقدت أنها شعرت بالخجل لأنني عرفت أنها كانت تأكل الطيور. فهي لم تسمح لي قط أن أراها وهي تتناول طعامها.

الشيء الوحيد الذي رأيتها تفعله هو شربها لكميات كبيرة من الماء البارد الذي كنت أرفعه من البئر وراء الكراج. كنت أحاول أن أسخنه لها خشية أن تصاب بالبرد، لكنها لم تكن تقترب منه دافئاً. لسبب ما، فضّلت الكلاب الشرب من أطباق السوبر ماركت البلاستيكية الرديئة على أطباق الخزفية، أو الأطباق الخشبية أو الزجاجية، وكان اللعاب يسيل في كل المكان من ألسنة الكلاب المتدلية من أفواهها، لكنني لم أعبأ كثيراً لهذا الأمر؛ فقد اعتدت السير في الكوخ وقد لبست في قدميّ كيسين بلاستيكيين. ولاحظت ان الكلاب في قمة نشاطها بعدما تشرب من مائها البارد كالثلج.

ذات يوم، قدت سيارتي نازلة الجبل من أجل تجديد مؤونة الطعام التي بدأت تنفد. وفي الطريق مررت بمجموعة من أهل البلدة، كلهم يلبسون قبعات صوفية، ومعاطف محشوة بالريش سميكة ودافئة، وقد تجمهروا على جانب الطريق.

أبطأت قليلاً لأعرف ما الأمر. وعبر زجاج نافذة السيارة المفتوح سمعتهم يقولون شيئاً ما عن كلب. بدأ قلبي يضرب بقوة. وبدأ الكلب المتكور على المقعد بجانبي يرفع رأسه وكأنه شعر بشيء ما، فقلت له “ هس”، وأمسكت رأسه الصغير في يدي وأنزلته إلى الأسفل. فعندما كان قد رآني أهم بركوب السيارة ركض نحوي وبدأ يشمشم قدمي، فجلبته معي.

كانت رؤوس الكلاب صغيرةً لدرجة أن راحة يدي كانت تحيط بالرأس كله. وكنت دوماً أتأثر بالملمس الناعم للفرو المحيط بجماجمها جماجمها الصغيرة. وأفادني هذا الأمر في المحافظة على هدوئي، فرفعت زجاج نافذة السيارة وقدت متجاوزةً أهل البلدة. ربما تسبب أحد الكلاب بمشكلة ما. في السوبر ماركت، لففت وشاحي حول وجهي على طاقين، كما أفعل عادة، مخفية نصف وجهي تقريباً، من أجل إخافة الموظفين من الاقتراب مني. عندما نظر البائع في قسم الفواكه والخضروات إلى سلتي وعلق قائلاً، ” أتكدسين النخالة من جديد”؟ استجمعت شجاعتي وسألته، “ هل حدث أمر ما في البلدة؟ “

بدا وكأن الرجل قد تفاجأ بسؤالي، ربما لأنها المرة الأولى التي أكلم فيها أحداً هنا. فهمس وهو يتلفت حوله:” لقد فُقِدَ طفلٌ في الخامسة من العمر”.

” طفل؟ هل هي عملية خطف؟”

“خطف؟ كلا، لا تحدث هنا أشياء من هذا القبيل”.

“ماذا إذن؟”

“ربما وقع في الوادي، عندما غفلت عنه أمه”. فجأة، أصبح جو الألفة المَرِحِ الذي نشأ بيني وبين البائع لا يحتمل، فدفعت عربة التسوق أمامي وغادرت بسرعة. الكلب الذي كان من الواضح أنه نائمٌ على أرضية السيارة أمام المقعد المجاور لمقعد السائق، رفع رأسه ونظر إليَ من خلال عينيه العمشاوين، فربّتّ على رأسه. مررت بمحطة التزوّد بالوقود. كان فيها موظف متقدم في العمر يحاول دوماً أن يبدأ معي محادثة كنت أجدها نوعاً من البلوى التي لا مفر منها، لأن تلك كانت محطة الوقود الوحيدة في المنطقة.

كنت حريصة على عدم الاحتكاك مع أي مخلوق؛ فقد كنت دوما اعتبر ان إحدى نقاط القوة لديّ هي انني كنت في غاية الرضا إن ل أحدث أحدا طوال النهار وانه كان لديّ قدرة فائقة على احتمال الرتابة. كان الاستثناء الوحيد هو تلك المكالمة التليفونية مع شخص محدد يهاتفني مرة واحدة أسبوعياً. من المحتمل أن تكون تلك المكالمة هي طريقتي لأن أشعر بنفسي بانني قد فرّغت كل مخزون واجباتي الاجتماعية. كان من القلة القليلة الذين تعرفت عليهم عبر السنين وكان هو الشخص الوحيد الذي استطاع كسب ثقتي بجدارة. لم تكن تربطنا علاقة عاطفية أو ما شابه، بل مجرد علاقة بسيطة تسمح لكلينا أن نقول صراحةً ما نفكر فيه. عندما كنت أسمع صوته فيخف التوتر في كتفاي مثلما تنحل عقدة محكمة الربط في منديلٍ حريري، في أعماق غابة لا أُنسَ فيها. كانت طريقة كلامه مميزة، وكانت الكلمات تنزلق من فمه كأنها بيض مغمس بالزيت.

لا شك في أنه كان، مثلي، مبغضاً للبشرية. لكنه، بخلافي أيضاً، كان يمتلك من الكياسة والتهذيب ما يكفي كي لا يسمح لهذه الطبيعة أن تتمظهر في سلوكه. كان ذلك هو الشخص الذي سمح لي باستخدام كوخه هذا، وكان يمازحني باستمرار قائلاً إنه فعل ذلك لأنه أرادني أن أحيا نوعية الحياة التي عجز هو عنها. وغالباً ما تضاربت آراءنا في تضادٍّ مباشر حول ما إذا كان من الأفضل أن ننأى بأنفسنا عن الحضارة أو أن ننغمس فيها، وعندما نتعب من النقاش نغلق الهاتف دونما أدنى إحساس بالحرج. هو متزوج ولديه عائلة. لكنني بعد كل مكالمة بيننا كنت أشعر بالارتياح، لأنني نجحت في تحقيق الحد الأدنى من التواصل الإنساني، كما كنت أشعر بالغبطة لفكرة أنه يحقق تقدماً مضطرداً في أن يحيا حياة من النمط الذي كان “الدرب الذي لم أخترها”.

لم يكن لمكالماتنا موعد محدد، لكن في ذلك اليوم، كما في الأيام الأخرى، حدسي جعلني أرفع رأسي عن عدستي المكبرة. لا بد أنني كنت مستغرقة في العمل حتى كأنني شعرت بانني ما كنت قد رشفت رشفة واحدة من كأس الحليب الدافئ، حتى كانت قد مضت خمس ساعات على صعودي إلى العليّة. وضعت ملاقطي في أماكنها على حاملها الخاص، ونهضت عن الكرسي، وتأكدت من عدم التصاق أيٍّ من قطع الأوراق الملونة الصغيرة بيدي، أو على ملابسي. في الجدار المجاور للمقعد هناك نافذة، بطبقتين من الزجاج، رأيت عبرهما بضعة كلاب تتراكض هناك فوق الثلج في الخارج.

نزلت الدرج حاملة بنفس اليد الكوب والترمس الفارغ. كنت أسخن مزبدا من الحليب عندما رن جرس التليفون. ببطءٍ تناولت سماعة التليفون بيد، فيما كنت باليد الأخرى أحرّك الحليب بملعقة في غلاية الألومينيوم.

قال: “آمل أنك لا تعانين من إرهاق العزلة؟” فقلت: ” كلا”، ثم سألته إن كان هو يعاني من تعب العلاقات الاجتماعية، فكان جوابه بالتأكيد.

“هل استقريت في جحرك؟ هل تواجهين أية متاعب؟” فقلت له: “الكثير من المتاعب. لكنها تبقى أفضل من الراحة”، ثم حدثته عن حسنات الحياة في الجبال-وعن مجفف الشعر الذي يطلق هواءً ساخناً مذهل البرودة، وعن الدروب التي طمرها الثلج على الرغم من تنظيفها المستمر، وعن الباب الرئيسي الذي اضطررت إلى دفعه بكل جسدي حتى ينفتح بعد انسداده، وعن كتل الثلج الكبيرة التي سقطت من مدخنة الموقد، ليتطاير معها الرماد في كل أرجاء المكان.

قال: ” لهذا السبب، أنا لا أذهب إلى هناك في الشتاء. حتى أنني لا أفهم كيف تحتملين الوضع. لكن وبعد صمودك هذا هل فعلا سترغبين في مغادرة ذلك المكان عندما يأتي الربيع؟”

أخبرته أنني نزلت إلى البلدة ذلك اليوم، ثم طلبت منه ألا يحدثني عن الربيع ثانية، لأنني لا أريد أن أفكر فيه. وهذا ما أوقظ أحداث بعد الظهر في ذاكرتي، فأخبرته عن حشد أهل البلدة الذين رأيتهم على الطريق. “ ربما وقع حدث ما في البلدة هناك”.

“حادث؟ أتساءل أي حادث يمكن أن يقع في تلك البلدة المنسية”؟

ترددت في إخباره المزيد عن الحدث. فلم أكن أرغب أن يستحوذ عليه الخبر وأن يبدأ بتقصيه في الصحف أو على شبكة الإنترنيت. توقفت عن تحريك الحليب في الغلاية، ونظرت إلى الكلاب المتمددة فوق أرضية غرفة المعيشة مستلقية على السجادة مثل قطع السجق الأبيض. تظاهرت الكلاب باللامبالاة إلا انني كنت استشعر تململها من مكالمتي الهاتفية وكأنها عاشق غيور.

اعتقد ان سلوكي قد تغيّر قليلا خلال هذه المكالمة الهاتفية. في تلك اللحظة خطر لي انه بوسعي أن أسأله عنها. لماذا لم أفكر في الأمر من قبل؟ ربما كانت هذه الكلاب له هو.

قلت:”هيه، بالمناسبة، تلك المخلوقات الصغيرة البيضاء”،

“تلك المخلوقات؟”

“نعم. إنها ممتازة”.

صمت قصير. ثم قال: “أوه، هنا هي ليست بحالة جيدة جدا، لكنني رأيت بعضاً من تلك المخلوقات البيضاء الصغيرة على جانب الطريق اليوم. على الرغم من أنها ربما لم تكن بيضاء جدا، فقد اسوَدَّ معظمها ، الآن، بسبب كل تلك الحصى والقذارة“

“هكذا هو الأمر إذن” تساءلت فيما إذا كانت الكلاب السوداء أكثر انتشاراً في المدن

“علاوة على ذلك، تلك الكلاب السوداء منها ليست بحالة جيدة. هي ذاوية ومشوهة وقد أضحت في الرمق الأخير”.

قطعت ضحكته، قائلة “ هل فعلاً، لا تعرف؟”

“أعرف ماذا؟”

لم يكن يتغابى. لكن لسبب ما الآن، لم أستغرب أبداً أنه لم يكن يعرف بأمر الكلاب. لقد جاء أحدها الآن وبدأ يفرك فراءه الناعم على قصبة ساقي. نزلت على ركبتي وداعبت جنبه وكأنني أغسله، ثم قلت في سماعة الهاتف: “سأخبرك في المرة المقبلة”.

“بالتأكيد”، قال وكأنه يقول لي إنه معتاد على طريقة تفكيري الغريبة.

بعد ذلك ثرثرنا في أمور شتى، لا شيء خاص فيها. وشربت خلالها فنجانين من الحليب الساخن. وعندما كنا على وشك إنهاء المكالمة، سألني إذا ما كنت قد سمعت نشرة الأخبار الجوية. فذكّرته أن لا وجود هنا لأيٍّ من مظاهر الحضارة، فأخبرني، ضاحكاً، أنه في عطلة نهاية الأسبوع ستجتاح المنطقة موجة صقيع حادة.

ذات يوم قررت أن أفاجئ الكلاب في الغابة، وتبعتها سراً عندما ذهبت لتلعب. فعندما كانت تشاهدني أحمل الترمس إلى غرفة عملي، كانت تدرك أنني لن أغادرها قبل بضع ساعات، عندئذ تبدأ هي بمغادرة البيت. ولكل منها بقعته المفضلة. بعضها يحب أن يبقى أمام باب غرفة عملي، وبعضها الآخر يستلقي على الثياب المبعثرة في غرفة النوم وغرفة المعيشة، لكن معظمها بدت أكثر سعادة عندما تخرج من المنزل.

دهنت وجهي بالزيت الواقي من حروق الشمس ليحيميني من حروق الثلج، ولبست نظارة شمسية عاكسة ومعطفاً واق ذي قبعة وخرجت من المنزل. اقتفيت آثار أقدام الكلاب بين الأشجار العارية، واستمتعت بمشوار بعد الظهر هذا. اخترت غصن شجر أعجبني شكله، ورحت أرسم به خطاً متعرجاً في الثلج الأبيض، وكنت كلما رأيت غصناً أفضل استبدلته بالقديم.

كانت آثار أقدام الكلاب جماعية خلال معظم الطريق. من الواضح أنها اختارت الطريق الأسهل للسير عليه. ومن حين لآخر كنت أرى أن بعض آثار الأقدام قد انحرفت عن البقية قليلاً ثم عادت وانضمت إلى المجموعة. فكرت: لا بد أنها كانت تصطاد كفريق واحد، مثل الذئاب.

قبل أن أنتبه إلى الأمر، كنت أسير في طريق لم أسلكها من قبل أبداً. نظرت إلى مجموعة أشجار، ورأيت أحد الكلاب وراء كومة ثلج، ينظر من بين تلك الأشجار. كانت عيناه وسيعتان، ولم أر منه سوى عينيه وخطمه. لوحت له بغصن كان هو الخامس من الأغصان التي التقطتها ثم استبدلتها بآخر. كان غصنا ملتفا كانه راصور. ثم نزعت نظارتي وقلت: “ لقد لحقت بكم. هل الجميع معك هناك؟ هل يمكن أن أنضم إليكم؟ “

نهض الكلب بخفة على قوائمه، ثم نبح. بعدئذٍ استدار على أعقابه وانطلق راكضاً. تقدمت نحو مجموعة الأشجار وساقاي تغوصان في الثلج حتى الركبتين، وأنا أصيح في إثره: “هل كان ينبغي أن لا ألحق بكم؟” وشعرت مثل والدٍ جاء يتأكد سراً إن كان أولاده يقومون بوظائفهم على أكمل وجه. وكبحت ابتسامة كادت أن تطفو على وجهي. نظرت من وراء شجرة كبيرة.

اندهشت من رؤيتها في ذلك المكان: فوق بحيرة كبيرة متجمدة. لم أكن أعرف بوجودها، أصلاً. لكن الكلاب كانت هناك وتسير بخبرة واضحة فوق هذه البحيرة الكبيرة بما يكفي لاستضافة عدد من مباريات لعبة البايسبول في آن واحد. بدت البحيرة وكأنها ساحة منتزه جاهز للكلاب نحتته الطبيعة، وقد ظهر للتو أمام ناظري.

يبدو أن الكلاب التي كانت موزعة في كل الاتجاهات، لم تلاحظ أنني كنت أقف وراء الشجرة. حاولت الاقتراب أكثر لأرى ما الذي كانت تفعله، لكن الجليد على حافة البحيرة كان رقيقاً، وخطيراً. بقيت مكاني، وبعينين مزورتين راقبت الكلاب وهي تقفز عالياً ثم تهوي على الجليد. في البداية كانت تقفز في الهواء بمستوى ارتفاع أجسادها. ثم، تدريجياً بدأ زمن بقاؤها في الهواء يزداد، حتى بدأت فجأة تقفز عالياً بمستوى أعلى من طول شخص واقفٍ. بدا لي أن كل واحد منها كان يحاول أن يصنع حفرة في الجليد. كانت تحرك مخالبها الأمامية بحركة تدل على انها تحفر، محاولة فتح فجوة في الجليد. بعد قليل نجح كل كلب منها في صنع فجوة خاصة به، ثم قفزوا بسرعة في الماء. عندما غاص آخر كلب منها، اختفت، وبدت وكأنها ذابت في الماء.

رفع أحدها رأسه خارج الفجوة الجليدية ثم أطلق صرخة حادة صغيرة. ظننت مرعوبة أنه يغرق ويطلق صرخة استغاثة، لكن في اللحظة التالية، ومن فجوة أخرى، أخرج كلب آخر رأسه من الماء الجليدي، ثم أطلق نفس صرخة الكلب الأول والتي تشبه صرخة طائر. بعدئذ تتالت الرؤوس في الظهور من بين الجليد، مكررة الصرخة ذاتها. عندئذٍ فقط فهمت ما كان يجري. كانت تسبح كرهطٍ واحد، كانت تشكل دائرة كبيرة تحت الجليد. وتستخدم الصراخ، لإغلاق الدائرة ببطء حول مركزها. لم أستطع أن أرفع عينيّ عنها، وأنا أسير حول البحيرة، حتى وجدت منطقةً بدا فيها الجليد سميكاً كفاية ليحمل وزني، فقفزت إليها. ثم استخدمت القفازين السميكين في يدي مثل مساحة زجاج السيارة لإزالة الصقيع المتراكم على الجليد، ثم نظرت عبر الجليد الصافي.

لم أستطع أن أرى شيئاً سوى الطين الرمادي في قاع البحيرة.

عدت إلى الكوخ لوحدي، وأنا أتخيل الكلاب وهي تصطاد برشاقة السمك في الماء الصافي تحت الجليد.

في عطلة نهاية ذلك الأسبوع، استيقظت على صباحٍ طالما تمنيته، إذ رأيت عبر النافذة كل شيء في العالم الخارجي مكسواً بطبقة من الجليد. ووجدت النخالة التي أحفظها في الخزانة وقد تحولت إلى كتل قاسية، وكان أكلها أشبه بقضم حبات البَرَدِ، فيما جعلتني النوازل الجليدية المتدلية من السقف جعلتني أتخيل نفسي وقد انتقلت بين عشية وضحاها إلى مغارة مليئة بالنوازل الكلسية المتدلية.

بعد أن لبست العديد من الأغطية، وأنا أرتجف طوال الوقت، حملت دلواً فارغاً ورفشا واتجهت إلى الكراج. تراكضت الكلاب حولي، وهي تتمسّح بقدمي وكأنها تستعجلني. عندما وصلت إلى الكراج، الأمر الذي استغرقني ثلاثة أو أربعة أضعاف الوقت الذي أحتاجه عادة للوصول إليه. وكان جسدي كله ينضح حرارة، وكان العرق يتصبب مني وكأنني في حمام ساونا.

تأكدت من أن مؤشر بطارية المولد كان على الضوء الأخضر ثم تفحصت عدد ليترات البنزين المتبقية في خزان الوقود، بعدئذٍ قررت أن أفتش عن بعض أدوات الثلج. اكتشفت وجود بعض ألواح الشوكولاتة لكنني اكتشفت أنه قد مرت أعوام على تاريخ انتهاء صلاحيتها. أخيراً أخذت بعض البطانيات القديمة المغبرة واتجهت إلى مؤخرة الكراج. هناك نظرت إلى أسفل البئر فلفحت وجهي عصفة هواء جليدي، قارس، مثل يدي طفل لزجتين. لقد شكل البرد القارس طبقة رقيقة من الجليد في البئر.

سألت الكلاب الملتمة ورائي: “ماذا سنفعل الآن؟ لا أستطيع أن أخرج لكم ماء”.

حاول الكلب الذي يلبس الطوق المدموغ بكلمة “بصطرما” أن يتسلق البئر، باستخدام مخالبه. فنهرته، “ابتعد من هنا”، وقررت أن أفعل شيئاً ما، على الأقل، حيال البكرة المتجلدة.

أحضرت إزميلاً ومطرقة من الكراج، وعندما ضربت بكل ما أملك من قوة، مثل حداد، فبدأ الحبل المتجلد يتحرك، أمسكت الحبل بكلتا يدي وهززته بقوة، فتناثرت طبقة الجليد التي كانت تكسوه مفرقعة في الوقت الذي بدأت فيه البكرة تدور بسرعة.

في هذه اللحظة، قفز “بصطرما” على حافة البئر، ولا أعرف كيف استقر في دلو البئر، واختفى نازلاً البئر، وبدا أنه كان مسروراً بنفسه. صرخت: “ بصطرما”، لكن بعد فوات الأوان. كان بصطرما يعوي ويلف حول نفسه خائفاً في أسفل البئر، بعد أن اصطدم بالجليد السميك. مسعورة، رحت أعمل على رفع حبل الدلو وإنزاله محاولة جعله يقفز إلى الدلو ثانية، لكن الكلب المذهول بما جرى له لم يستطع أن يقف على الجليد. “اذهبوا واحصلوا على مساعدة”، صحت بالكلاب المحتشدة حولي. سمعت وقع أقدام عدد من الكلاب تنطلق. انحنيت فوق فتحة البئر ومددت ذراعي إلى الأسفل، وأنا أصرخ “بصطرما! بصطرما”، لكن نباحه كان يدوي عاليا في البئر بطريقة مذهلة، حتى أنني لم أستطع أن أبقى عيني مفتوحتين ثم أغمي عليّ. حين استعدت وعيي بعد وهلة من الزمن، وجدت اني كنت قد سقطت مغشية بجانب حافة البئر. لقد توقف نباح بصطرما، كما اختفى أيضاً صوت خربشة مخالبه على الجليد.

سألت: “ماذا ينبغي أن أفعل إذا سقط كلب في البئر؟ “

خطوط التيار الكهربائي كانت قد سقطت بسبب ثقل الثلوج المتراكم عليها ولم أستطع التواصل معه هاتفيا إلا في وقت متأخر من تلك الليلة.

“حيوان في البئر؟ قال وهو نصف نائم.

“نعم”. كنت ألف جسدي ببطانية قديمة من البطانيات التي وجدتها في الكراج. حاولت أن أشغّل نفسي طوال فترة بعد الظهر، وأنا أقطع الحطب، وأقوم بأشياء أخرى، لكن عندما هبط الليل، شعرت فجأة انني منهكة كليا ووجدت نفسي غير قادرة حتى على الوقوف. وكانت الكلاب برفقتي طوال الوقت، مثل كلاب الحراسة.

“في الواقع، لقد وجدت في البئر، ذات مرة، شيئاً غارقاً يشبه ابن عرس”.

“هل حدث ذلك في الشتاء؟ “

“كلا، في الصيف”.

“إنها حالة مختلفة، إذن”.

“أعتقد أنني استعنت بأحدٍ من البلدة ليخرجه من البئر. يمكن أن أعطيك رقم هاتفه. ما هو هذا الحيوان؟ راكون؟”

قلت له إنني لا استطيع أن أجزم لأن الحيوان في قاع البئر. فنصحني، انه من الأفضل أن أضع غطاء على فوهة البئر وأترك الحيوان حيث هو لانه قد يكون حيوانا خطيرا. وقال لي إن الذئاب تدخل المنطقة أحيانا بحثاً عن الطعام. وقال إنه سيأتي مع عائلته في يوم عطلته القادمة وسيعالج المشكلة. لكن ذهني ظل يستعيد يكرر صورة “بصطرما” وهو يحاول الوثوب إلى دلو البئر، وكنت مستنزفة القوى، لذلك قلت له إنني سأذهب للنوم الآن. لكنه قالي لي إن شعرتِ أنكِ في خطر، ثم بدأ يشرح لي كيف أفتح خزانة موجودة في غرفة النوم كان قد منعني من أن ألمسها،. كانت بندقية الصيد مخبأة هناك من أجل حالات الطوارئ. أخبرته أنني لست بحاجة لأمر كهذا ثم اقفلت الخط. استجمعت قواي وأعددت بعض الطعام، لكنني لم أستطع أن أتناول سوى لقمة واحدة وتركت الباقي.

كنت أتأكد من إغلاق نافذة غرفة المعيشة بإحكام لأنها كانت تسمح بمرور الهواء، عندما خطر لي أنني سمعت نباحاً ضعيفاً. رفعت رأسي. هل كان هذا صوت الريح التي تصفر؟ أخذت مصباحاً خاصاً بهذه الأجواء العاصفة، وشققت طريقي في الثلج باتجاه البئر والكلاب الأخرى تلحقني.

كان الحبل يهتزّ ويرتطم بالبكرة مع هبوب الريح.

توقفت على بعد خطوات من البئر ورفعت ضوء المصباح عالياً. “ بصطرما؟” قلت بصوت ضعيف، وكأنني أخاطب نفسي “ بصطرما؟”

اعتقدت أنني سمعت عويل كلب يائس. فقلت ثانية: “ بصطرما، هل أنت حي؟”

هذه المرة استطعت أن أسمع نباح الكلب بوضوح. اندفعت باتجاه البئر، الذي هربت منه عصر اليوم ذاته، وضعت كلتا يدي على حافته، ونظرت إلى الأسفل. وتحت ضوء المصباح استطعت أن أرى بصطرما، كان واقفاً على الجليد! تركت المصباح والكلاب. ذهبت إلى الكراج وأحضرت منشار حديد ثم عدت إلى الكوخ. نشرت السلم الذي يفضي إلى العليّة. لم أعبأ بما كان ينهال عليّ من نشارة الخشب الناتجة عن النشر. وضعت السلم على الزلاجة الحمراء التي كنت أستخدمها لنقل الحطب لاستعماله في الموقد. عندما وصلت البئر، وبمساعدة بعض الكلاب، أنزلت السلم إلى البئر بأقصى حرص ممكن كي لا أكسر طبقة الجليد في الأسفل، وناديت الكلب باسمه. “بصطرما”. أردته أن يتمسك بالسلّم بطريقة ما. لكن بصطرما اكتفى برفع رأسه والتحديق إليَ ولسانه متدلٍ من فمه، دون أن يأتي بأية حركة.

بدا الجليد في قاع البئر سميكاً، ولم يبد أنه قد تكسّر عندما وضعت السلم عليه. استجمعت شجاعتي، وبرويّة تسلقت حافة البئر، وبحذرٍ شديد وضعت قدمي على السلم. ثم ببطءٍ، وحذرٍ، بدأت أهبط. هزّ بصطرما ذيله بضعفٍ بينما كنت أقترب منه. لكن في اللحظة التي وضعت فيها قدمي على الجليد في قاع البئر لأصل إلى بصطرما، سمعت صوت تصدع ضعيف، فجفت الدماء في عروقي. وبقلقٍ كبير، تناولت كتلة الفراء الواقفة كحجر بارد، وضعتها داخل جاكيتي. ثم أمسكت السلم باليد الأخرى لأبدأ بالصعود، توقفت قليلاً، كانت الكلاب الأخرى هناك في الأعلى متحلقة حول حافة البئر دونما حراك، وهي تحدق إلينا في الأسفل.

حرك أحد الكلاب فمه بشكل أخرق في الوقت الذي هبت فيه الريح ثانية. فظننت أني سمعت الكلب يقول “ رائع”. وجدت نفسي على وشك الضحك، وأنا أبتسم ابتسامة بلهاء. “ رائع؟ “قلت “ لماذا؟ “

ما وراء أشكال الكلاب الساكنة بلا حراك وهي تنظر إلينا إلى الأسفل، رأيت الغيوم تندفع أمام الريح في السماء. بصطرما، الذي كان لا يزال داخل جاكيتي، نبح، وكأنه يتذكر أنه كان كلباً.

كان نزول الجبل أمرا مزعجا، إلا انه كان مصرا على ضرورة بقاء بعض الحاجيات متوافرة بشكل دائم في الكوخ. حسمت أمري بالنزول إلى البلدة وللمرة الأولى في ذلك الاسبوع. لا أعرف كيف عرف بالأمر، لكن عندما دخلت الكراج كان بصطرما بانتظاري بالقرب من باب السيارة، ويبدو أنه قد تعافى كلياً، وكان متحمساً للمجيء معي.

فكرت في اصطحابه معي، لكنني عدّلت عن رأيي. فبعد ما حصل مؤخراً، فكرت أنه من الأفضل أن أتركه في البيت، فقلت “كلا، ابقَ في البيت”. قدت السيارة نازلة الطرق الجبلية بحذر، ورأيت زينة عيد الميلاد تملأ البلدة. لابد انه ذلك الوقت من السنة. تفرجت على الزينة، وأنا أشعر بآلام جراح ذكريات الاحتفالات الجماعية القديمة. إلا انني لاحظت أن هناك أمراً غريباً قليلاً.

إنها تعابير الناس، فقد بدوا جميعاً متعبين، بطريقة ما وذلك دون أن نذكر بعض الحركات الغربية كأنهم خائفون من أمر ما، فقد كانوا يلتفتون خلفهم باستمرار. وذلك العجوز الجالس على مقعد ووجهه منتفخ مثل شخص أمضى الليلة كلها وهو يبكي. لم أر سوى بضع سيارات على الطريق، وكانت ستائر نوافذ البيوت كلها مُسْدَلَةً. أكان يتهيأ لي؟ حتى زينة عيد الميلاد الجميلة جداً أوحت لي بانطباع أن البلدة كانت تحاول يائسة أن تشيح بعينيها عن أمر ما يقلقها.

لم يكن البائع في جناح الخضروات والفاكهة موجوداً. عادة كان غيابه يسرني، لكن في هذه المرة أزعجني غيابه، فسألت المرأة التي تضع الأغذية المجمدة على الرفوف ما الذي قد حدث؟ “ نعم، ذلك الشاب، لقد ترك العمل”. “ترك؟ هكذا فجأة؟” تأملتني المرأة مطوّلاً. أعتقد أنني رأيت في عيونها الشك والانزعاج فتركتها ومشيت بسرعة. لسبب ما، كانت أطعمة الكلاب قد نقلت من مكانها المعتاد، رغم أن أطعمة القطط كانت لا تزال مكانها. فكرت في أن اسأل أين وضعوها، لكنني شعرت بعدم الرغبة في الاحتكاك ثانية مع تلك المرأة، فغادرت السوبر ماركت. وفي محطة الوقود، لم أجد أيضاً الرجل العجوز الذي كنت أتبادل معه بعض الكلمات.

“ألا يعمل اليوم؟” سألت البائع الشاب الذي كان يلبس قبعة بابا نويل حين كان يعيد إلي بقية المبلغ من فاتورة الوقود. لقد اعتاد أن يضع لي عبوة ديزل بلاستيكية في صندوق السيارة.

“مممممم “، ثم أومأ برأسه، بطريقة مبهمة. ها قد عدنا ثانية! ففي كل مرة أسأل فيها عن شخص غير موجود في مكانه، أثير في عيون أهل البلدة نظرة الشك والانزعاج.

كنت مستغرقة في النظر إلى ملصق اعلاني لحفلة عيد الميلاد يقول: “إنسَ كل همومك”، عندما شعرت بالشاب يحدق إلي، فقلت، وكأنني أحدث نفسي: “قال إنني يمكن أن أطلب منه في حال إن احتجت إلى أية خدمة، وكنت متكلة على ذلك”.

“أخبريني إن كان هناك ما أستطيع فعله لك”، قال الشاب وهو يضرب كرة الصوف المتدلية من قبعة بابا نويل، فوق رأسه.

“هل تعني ما تقول؟ قد أهاتفك في أية لحظة”. أملت ألا تظهر على وجهي لهفتي للعودة إلى الجبل. قال: “ بالتأكيد”، ثم أومأ واستدار ومشى إلى حيث الصندوق وعاد حاملا ورقة لونها وردي باهت. ناولني الورقة قائلاً: “أسعار الخدمات كلها مدوّنة في هذه النشرة الاعلانية بامكانك أن تأخذيها معك”.

شكرته، ورفعت زجاج النافذة، لكن بقي شيء آخر يلح عليّ. فأنزلت الزجاج من جديد وسألته بشيء من عدم الاكتراث: “هل تتعاطى بالكلاب”؟

“الكلاب؟“. صمت قليلاً، ثم أشار إلى أسفل النشرة الإعلانية، “يمكن أن تجدي عن خدمات الكلاب هناك في أسفل قائمة الخدمات”.

قدت سيارتي مسرعة كمن يهرب من محطة الوقود تلك.

أمام مركز الشرطة، توقفت عند الإشارة المرورية الحمراء، وكنت أتأمل يافطة معلقة على لوحة إعلانات مكتوب عليها بالخط العريض: “من أجل مصلحة البلدة، كان لا بد من قتلها” في في تلك اللحظة، زمّر لي سائق الشاحنة التي كانت تقف ورائي.

بعد ذلك، أمضيت معظم ساعات استيقاظي وأنا جالسة وراء مكتبي، لأنه كان عليَّ أن أعمل بجدٍ. فعملي هذا يتطلب الكثير من التركيز. لقد أنجزت، وأطّرت، أعمالاً عديدة، وعلقتها على جدار العلّيّة، لكن حتى عندما أنظر إليها، لا أستطيع أن أفهم أبداً ما الذي يدفع الناس إلى دفع هذه المبالغ الباهظة ثمناً لها. لكن لم يكن من الضروري أن أفهم. ما يهمّني هو أن هذا العمل كان يجنبني الاختلاط مع الناس. غير أنه كلما تقدمت في إنجاز العمل ازداد خوفي من فكرة أنني سأضطر إلى مغادرة هذا المكان.

كنت أستمتع بترف نقع جسدي في مياه البانيو لأول مرة منذ فترة طويلة، ويغمرني شعور بالرضا من كمية العمل الذي أنجزته، عندما خطر لي أنني لم أتلق اتصالاً منذ أيام عديدة. عندما نظرت إلى الروزنامة في المطبخ، اكتشفت أنه قد مضت أربعة أيام. هو يتصل عادة يوم الثلاثاء. نظرت إلى الساعة، إنها الثامنة مساءً، فقررت أن أتصل به. اتصلت مرات عديدة، ورن الهاتف مطولاً لكن لا أحد يجيب أبداً. لم أستطع الحصول على شيء من المجيب الآلي. هل حدث أمرٌ ما؟ لطالما كان دقيقاً، على عكسي أنا. فعندما أصيب بالتهاب الزائدة الدودية، ترك لي رسالة يعلمني فيها أنه سيخضع لجراحة، ولن يستطيع الرد على مكالماتي قبل ثماني ساعات، فقد كان من ذلك النوع الحريص من الأشخاص. ربما رن الهاتف، فعلاً، مرات عديدة، بينما كنت مستغرقة في العمل ولم ألاحظه. تفقدت الروزنامة ثانية، وتفاجأت. اليوم هو الحادي والثلاثين من كانون الأول!

قررت أن أفعل شيئاً للهواء الذي يصفر عبر نافذة غرفة المعيشة، قبل دخول السنة الجديدة، وهكذا جلبت بعض المعجون ووضعته في شق إطار النافذة. عندئذ لاحظت قائمة الخدمات الوردية على الأرض بالقرب من مشجب المعاطف. فجلست على الأريكة مع الكلاب وتصفحت قائمة الخدمات الموجودة، من باب الفضول فحسب. بدا أنهم يقدمون معظم الخدمات التي يحتاج اليها المرء، لكن الأسعار بدت باهظة نوعا ما، لكنني تخيلت نفسي أتصل بهم في حالة طارئة. لا يوجد لديهم بند يتحدث عن إخراج حيوانات سقطت في الآبار، رغم وجود بند عن تنظيف المداخن من العصافير الميتة فيها. وفي أسفل القائمة تم شطب بند “ تنزيه الكلاب”. تذكرت المحادثة مع الشاب في محطة الوقود. فقد كان آخر بند في القائمة أكثر غموضاً.

“إبادة الكلاب”.

ربما قصدوا الكلاب النافقة، فكرت في نفسي وأنا أربت على رؤوس الكلاب البيض. لكن من المؤكد أن هذا الأمر يكون عادة من اختصاص قسم رعاية الصحة العامة. وتذكرت فجأة أدوات الثلج الغريبة، مثل المذراة الشوكية، الشبيهة بشوكة طعام كبيرة جداً، التي شاهدتها هناك بجانب العجلات الشتوية، في محطة التزوّد بالوقود. لأي شيء كانوا يحتاجون استخدامها؟ الكلب الذي كنت أداعب فراءه رفع أذنيه، نبح مهدداً وهجم على النشرة الإعلانية، ومزقها إرباً. فقلت له: “ توقف عن فعل ذلك!” لكن عندئذٍ شمت الكلاب الأخرى رائحة الورق الممزق، فجثمت على الأرض متخذة وضعية الاستعداد للوثوب، وبدأت تزمجر وتعول : عوو،ووو، عوو،وكأنها قد جنت!

هدأتها، نهضت عن الأريكة وفكرت أنني يجب أن أحاول الاتصال به ثانية. لكن لسبب ما، عرفت أنه لن يرد على التليفون، وبدلاً من الاتصال به، اتصلت إلى بيت والديَ، الأمر الذي لم أفعله منذ وقت طويل. لم يرد أحد، رغم أن الوقت هو وقت الاحتفال بليلة رأس السنة الجديدة. ولمزيد من التأكد اتصلت بمركز الشرطة فقط من أجل التأكد من سلامة شبكة الهاتف، لكن لا أحد يرد هناك أيضاً. جربت الاتصال مع الإطفاء، ولا رد أيضا. اتصلت بكل الأرقام التي أعرفها، لكن كل ما سمعته هو رنين الهاتف. مراراً وتكراراَ.

تناولت جاكيتي عن مشجب المعاطف، ثم اتجهت إلى الكراج ومفاتيح السيارة في يدي. لحقت بي الكلاب وحاولت ركوب السيارة. قلت لها إنني ذاهبة في مشوار صغير لأتفقد الأمور في البلدة، لكن كلامي لم يقنعها. تريدون المجيء معي؟ عو عو ! لكنني لا أستطيع اصطحابكم جميعاً! عوعوعو! واستمرت الكلاب في النباح وكأنها كسيرة.

لقد استغرقت ساعة كاملة للوصول إلى أسفل الجبل ترافقني الكلاب البيضاء كلها. عندما وصلت البلدة اكتشفت أنها كانت مهجورة كما توقعت.

كانت زينة عيد الميلاد لا تزال في كل مكان، وهذا يعني أن أهل البلدة ربما هجروها قبل أسبوع. بينما كنت أتجول سمعت نباح الكلاب من داخل البيوت، عندئذ خلعت أبواب البيوت مطلقة سراح الكلاب المحصورة فيها، إلا ان الكلاب البيض لم تبد أية رد فعلا. أما الكلاب التي تحررت من أسرها في البيوت فانها ركضت هاربة بسرعة البرق وكأنها تهرب من الكلاب البيضاء. أمضيت وقتاً طويلاً وأنا أتجول في البلدة، وتأكدت أنه لا وجود لأي شخص فيها. في محطة الوقود، وجدت كلمة بلدتنا مكتوبة على الجدران بطريقة خرقاء بواسطة علبة دهان بخاخ. بلدتنا. جلبت قدر ما استطعت من الطعام والوقود، وعدت إلى الكوخ مع الكلاب، وأنا أتلفت ورائي طوال الطريق.

في اليوم التالي، جلست في العلية مع عدستي المكبرة وملاقطي، وعندما احتجت الى الاستراحة، خرجت للتنزه مع الكلاب فوق المنحدرات الثلجية. لم يكن هناك ما يدل على وجود اي مخلوق في منطقة الكوخ. أمضيت اليوم التالي بالطريقة نفسها، وكذلك اليوم الذي بعده. واستغرقت ساعات طويلة في الفرجة على الكلاب البيض تصطاد وتسبح برشاقة، تحت الجليد. وعندما نفد الطعام، ذهبت إلى البلدة وأحضرت ما أردته من المتاجر المهجورة. بدأت أسودُّ وأذوي ببطء بينما بقيت الكلاب نشيطة ونقية البياض كالثلج.

ذات يوم، بينما كنت أتفرج من نافذة العلية، على الكلاب وهي تلعب على الثلج، أخرجت بندقية الصيد من الخزانة وأطلقت ثلاث طلقات باتجاهها. تيبست الكلاب في أماكنها بطريقة لم أرها في حياتي، نظرت الكلاب صوبي ثم تفرقت في الجبل وكأنها ذابت في وهج الثلج. ذلك اليوم أوحى لي بقدوم الربيع. اتكأت على النافذة وصرخت بأعلى صوتي: “ أنا آسفة! لن أكرر ذلك ثانية! تعالي، عودي الى البيت! “

في تلك الليلة، بينما كان الثلج يهطل بهدوء، نمت واقفة بجوار إفريز النافذة والكلاب، التي عادت، تغطيني. وبينما كنت أستمتع بلذة الإحساس بأنني مغمورة بأجسادها الدافئة، قلت في نفسي، غدا سوف أغادر هذا المكان.

(نشرت القصة في مجلة كيكا للأدب العالمي، النسخة الورقية، فبراير – شباط 2014)

يوكيكو موتويا، (1979) درست المسرح في كلية الفنون المسرحية في طوكيو وهي تكتب المسرحيات والقصص منذ سن التاسعة عشرة. عام 2000 اسست فرقة موتويا يوكيكو المسرحية وهي تكتب وتنتج مسرحيات تلك الفرقة. عام 2002 طلب منها رئيس تحرير مجلة غونزو الادبية المرموقة ان تكتب قصة قصيرة. وكانت النتيجة هي قصة “حتما مع ايريكو” وهي أول اعمالها القصصية التي تنشر. روايتها الاولى “ايها الضعفاء، اظهروا حبكم للحز ٢٠٠٥. عام 2006 وصلت روايتها “الحب كنتيجة ثانوية للحياة” الى القائمة الطويلة لجائزة اكوتاغاوا. عام 2011 نالت روايتها السم الدافئ” جائزة نوما للكتاب الجدد. من اعمالها الروائية “يأس” (2005) و« لدى تلك الفتاة افكارا .طريفة” (2009). ترجمت مسرحيتها بوسع الثأر ان ينتظر” الى اللغة الانكليزية وتم تحويلها الى فيلم في اليابان. تظهر اعمال موتويا قدرتها على سبر أعماق نفسية الفتاة اليابانية المعاصرة

محمد حبيب، مترجم من سوريا. حائز على إجازة في اللغة الانكليزية وآدابها من جامعة تشرين في سوريا عام 1986. عملة مدرسا لمادة اللغة الانكليزية حتى عام 1996. تفرغ للعمل في مجال الترجمة من العام 1996. صدر له 20 كتابا مترجما في مجال الأدب (الرواية، المسرح، القصة القصيرة والنقد) وفي علم النفس والدراسات. يعمل منذ العام 2008 مترجما مع منظمة ريبريف القانونية الخيرية. يقيم حاليا في النرويج.