رندا جرار: صبية عربية صغيرة في الرابعة عشرة ترحل إلى تكساس

Randa Jarrar  2006 kikah mag
رندا جرار Randa Jarrar

في خريف إحدى السنوات، غادرتٍ وأسرتك إلى أمريكا، قيل لك أنك مصابة بالسل. أشار الطبيب الأبيض العجوز إلى ذلك المستطيل الأحمر وقد غطى خمس بوصات من ذراعك قائلاً “كان على هذا المستطيل ألا يزيد عن بوصتين،” وصف لك مجموعة أدوية أفلحت في إثارة حب الشباب في وجهك، زاد وزنك ثلاثين رطلاً، وانتابك شعور بموت آت لامفر منه.
وكالعادة، شعرت أمك بالغيرة منك وتمنت أن تموت هي بدلاً عنك. كانت تلك المرة الأولى التي وجدتْ فيها نفسها من غير بيانو والمرة الأولى التي وجدت فيها نفسك من غير أصدقاء يروحون عنك. كانت البرامج التلفزيونية مليئة بالدعايات وكانت عائلتك تتناول وجبات في مطاعم ماكدونالد أكثر من اللازم. المرة الأولى التي تناولت فيها شطائر الهامبرغر أشعرتك بالبهجة ولكنك سرعان ما اكتشفت بعد بضعة شهور أن المكان ليس سوى مطعم رديء لوجبات سريعة رديئة. وعندما كنتم تذهبون إلى السينما كان عليك أن تشرحي النكات لوالديك وتفسري لهم لمَ هي مضحكة. ترقبين أحداث الفيلم وهي تجري، يجلس ثلاثتكم في العتمة، وتبدئين بترجمة قصة الجريمة الغامضة إلى العربية. ليس هناك أتعس من فتاة في الرابعة عشرة تشرح فيلماً لوالدين في منتصف العمر. في أميركا ألا تفهم فيلماً يعني أنك أمي. قد ينكسر قلبك وخاطرك إن فكرت بالأمر، لذا فالأفضل لك ألا تفكري به، فقط اذهبي إلى المدرسة، تناولي غذاءك على الأرض أمام المكتبة، بعدها ادخلي المكتبة وأمضي بقية الوقت في مطالعة القاموس.
في يوم من الأيام ترغب جينيفر ألفاريس في تناول الغذاء معك. وسرعان ما ترغب في ذلك جيسيكا وعائشة. عائشة سوداء ومسلمة وتتمنى أن ترافقك في شهر رمضان كي تشجع واحدتكم الأخرى. وعندما تتصل الفتيات بالإذاعة لإرسال الرسائل التي يسمونها “شاوت آوت” أي “المناداة”، لا تعرفين ما هو المقصود من الكلمة ولكنك تبتهجين لسماع اسمك على الراديو حتى ولو أخطأوا في لفظه. هم في السادسة عشرة ويقودون سيارات من آخر صرعة وطراز ويريدونك أن تمضي بعض الوقت معهم للتسكع في الحديقة عندما يحل الظلام. تقولين لهم أن “باباك” لايسمح بذلك. يترجمون قولك فيما بينهم: “باباها لايسمح لها بلعب كهذا”.
ولكن كان هناك ما يعوضك عن كل ذلك: الدراجة الهوائية التي اشتراها لك والداك بينما كنت تنشغلين بالنظر إلى مكان آخر، دراجة بذراعين تلمعان وتبرقان لا كتلك المهترئة الصدئة التي كنت تستأجرينها من ملك الحشيش في سوق المعمورة؛ بسكويت أوريوس؛ قناة م تي في، والأهم من هذا وذاك رسائل فخر الدين صديقك الأعز الذي مازال في الاسكندرية يستأجر الدراجات الهوائية من ملك الحشيش في سوق المعمورة، رسائل طالما بدأت بعبارات “أشتاق إلى وجهك أشتاق لعينيك ولابتسامتك. كيف هي أميركا؟ هل هي باردة ؟ وهل أعجبك الشبان الشقر أكثر مني ومن أنفي الكبير؟”
تردين عليه بأن الوضع مخيب تماماً فليس هناك شبان شقر ظراف، وأنه هو الأفضل على الإطلاق. تكذبين، فهناك توأم شقراوان كأنهما قفزا للتو من فيلم هوليوودي، وهما رائعان بكل معنى الكلمة، بل تعمدت في يوم من الأيام أن تفلتي من يديك علبة الشكولاتة التي أحضرتها لمشروع خيري أملاً في أن يلتقطها أحدهما. يقول أحدهما “آه، قرأت عنك في الصحيفة….” تتضرج وجنتاك، يضيف قائلاً: “هل كنتم تسكنون الخيام أو شيئاً من هذا القبيل قبل مجيئك إلى هنا؟” تلتقطين أنفاسك رادة عليه: “لآ، الحقيقة أننا كنا نسكن في هرم زجاجي.” ” أنت تمزحين، أليس كذلك؟” يقول هذا ويمضي بعيداً. تلعنين في نفسك وتندمين على ما أهدرته دون طائل، اللعنة ثم اللعنة.
أصبح لديك أخيراً خزانة خاصة بك في المدرسة، خزانة طالما حلمت بها منذ أن شاهدت دعاية “سبعة عشر وما فوق” وأنت في التاسعة. غير أن خزانات المدرسة لايمكن أن تجعلك سعيدة إلى الأبد. عندما دخل والدك إلى غرفتك بعد ظهر ذلك اليوم وفي يده رسالة من فخر الدين كان عليك أن تدافعي عن نفسك. فهنا يقول لك بأنه لايمكن للفتيات أن يخاطبن هكذا. يقول هذا الصبي أنه اشتاق لقبلاتك. هل قبلته فعلاً؟ تجيبين بالنفي وتخطر الذكرى في ذهنك وكأنها شريط سينمائي أنت بطلته تتدحرجين وفخر الدين عاريي الصدر في إحدى الكبائن المهجورة على الشاطئ. تجيبينه صارخة :”قطعاً لا.” تُمزّقُ الرسالةُ وتُرمى وتُنعتين أنت رسمياً بالخارجة عن الدين الحنيف.
“لم نأت إلى هنا للتعرف على الأصدقاء، جئنا لندرس ونكتسب أفضل ما يمكن أن تقدمه لنا أميركا”. كانت هذه كلمات باباك الرشيدة التي تترد في أسماعك طالما كنت تقطنين تحت سقف بيته. هذا ما أتى هو لأميركا من أجله، ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة لك. أنت أردت “الحياة”، بمفهوم جديد عرفت عنه مؤخراً.
تذهبون جميعاً إلى ماكدونالد وتتجهون إلى مدخل خدمة السيارات، وعند استلام الشطائر يتفحصها والدك ليجد أنها مليئة بالمخلل. يرجع والدك بسيارته إلى الوراء ليصرخ في جهاز الانتركوم: لقد طلبتُ ألا تضعوا أي مهلل يا كهبة”.
في صباح يوم من الأيام، وبعد استماعك لنيرفانا مرة تلو المرة تحزمين حقيبة، تطبعين قبلة على جبين أخيك وتنسلين من البيت وقد علقت حقيبتك على ذراعي دراجتك. تلبسين قبعتك، التي اشتريتها ووالدتك من بائع متجول قرب حرم مدرستك عندما انتقلت إلى هنا أول مرة. تندفع دراجتك مسرعة فوق المنحدر، في جيب جينزك الخلفي تندس بطاقة والدك الائتمانية التي سرقتها وتلتف حول رقبتك كل ما اقتنيته في حياتك من قلادات ذهبية لتتدلى من سلسلة ذهبيية متينة.
سأعمل كبائعة لفافات التاكو، تقولين لنفسك بينما يأخذ النهار بالانصرام وييدأ رجال الأعمال بالتدفق نحو الشارع الرئيسي مرتدين بزاتهم الرسمية. تذهبين إلى مكان قرب الكونغريس لتقدمي طلباً يخولك الحصول على عربة خاصة بك. يسألك الموظف عن عمرك فتجيبين: “سبع عشرة” تكذبين، ويسألك إن كان لديك دليل على ذلك. تجيبين بالنفي مما ينهي النقاش.
تقولين: “إنني بائعة تاكو، أحتاج لبيع التاكو فهذا جزء من مشروع أكبر سيوحد بين البشر وخاصة بين الفلسطينيين والاسرائيليين”. “حقاً؟” يتساءل الموظف ويريد أن يعرف المزيد ويبتسم. يكاد يكون في عمر والدك، ومع ذلك يسألك إن كنت ترغبين في الذهاب معه إلى بيته لأنه يستطيع أن يعتني بك جيداً ولن يتوجب عليك أن تشغلي بالك بأدنى شيء. تعودين أدراجك وتسرعين باتجاه بائع البيتزا، تتأرجح حقيبة سفرك الصغيرة ضاربة اسفلت الطريق وقد اهترأت عجلاتها.
يبدو لك بيع الذهب الشيء المنطقي الوحيد أمامك. تذهبين إلى متجر صغير وتعطين رجلاً كهلاً له شعر خفيف سلسلتك. يزن الرجل السلسلة ويخمن ثمنها بستين دولاراً. ستين دولاراً فقط؟ تصرخين في وجهه. يقول: “أعرف أنه كان يجب أن أعرض ثمناً أقل” العمى، العمى، هذا كل ما أملكه من ذهب، هذا كل ما أملكه في العالم. ستون دولاراً فقط؟ تفكر في والدتها وهي تتبختر بكل ذاك الذهب يتدلى من أذنيها ويحيط بمعصميها، هل تدرك أن كل هذا لاقيمة له هنا في أمريكا؟ تنتزعين السلسلة من يد البائع وتضعينها ثانية حول عنقك. وأنت تغادرين المحل يناديك البائع ليخبرك أنه سيشتري لك ثوباً جديداً وسيوفر لك مأوى بالمجان إن وافقت أن ترافقيه إلى منزله.
سرعان ما تدركين أنك فريسة سهلة فتقررين الذهاب إلى أقرب فندق رخيص الأجر، مكان قميء تنزلين فيه تحت اسم مستعار، مادونا نيرفانا. يظهر الرجل ويعطيك مفتاحاً. في غرفتك تدركين أنك “أكلت” مقلباً ساخناً وتتصلين بوالديك.
يصرخ والدك: “لعنة الله عليك! ظننا أنك خطفت!”.
تقول أمك: “الحمد لله، لقد وجدناها”.
يضيف والدك: “أين أنت الآن؟ سنأتي لنحضرك”.
تجيبين: ” ليس الآن يا…. لاتصدقين أذنيك إذ ناديت أباك ب……
“ايه؟”
“لدي شروطي”
“لا شروط ولا حاجة. أعطنا العنوان فقط وسنأتي لإحضارك يابنت”.
“باي” تقفلين الخط لكنك تعاودين الاتصال بعد خمس دقائق.
“اوكي! اوكي! ما هي شروطك؟”
“تمديد موعد العودة مساء إلى البيت”
“التاسعة! هذا عرضي الأخير!”
“وعودة العلاقة بفخر الدين والاتصال به؟”
“لا! ثم لا ولا.”
تقفلين الخط مرة ثانية. هذه المرة تنتظرين ساعة كاملة، تتمشين خلالها قاصدة دكاناً على وتشترين ببطاقة والدك الائتمانية طوقاً للكلب.
“اوكي!” يصرخ وهو يجيب هاتفك. “الرسائل بينك وبين فخر الدين مسموحة، أما مواعدة الشبان فهذا ممنوع قطعاً وحتماَ.
“ماشي!” تخبريه أنك في فندق على البرودوي. بعد مرور أقل من سنة من هذه الحادثة تشعرين بندم لأنك لم تفاوضي أكثر بشأن مواعدة الشبان.
تقفين منتظرة على ناصية الطريق عندما يصل والداك، ناعسة جائعة. تخرج والدتك من السيارة لتحضنك. تلاحظين أن وجهها قد ابيض بياض جبنة جدتك. ترتمين بين ذراعيها وتعانقينها بقوة وتبكين وتتمنين لو أنك لم تسببي لها كل ذلك الألم. تخبرك أنها ظنت أنها فقدتك، وتؤكدين لها بأنك صلبة قوية. تضحك وتطلب منك أن تصعدي إلى السيارة وتجلس وإياك في المقعد الخلفي.
في تلك الليلة، تمسكين بيدها وأنت تنظرين من النافذة إلى أضواء المدينة وهي تخفت واحدة تلو الأخرى وتدركين لأول مرة أنك كنت أقوى من والدتك. تفلت من شفتيها وهي تقرأ أفكارك: “يخرب بيتك”، ثم تهمس في أذنك قائلة “لقد احتفظت لك بكل الرسائل. أنت لم تسألي عن أي منها” لم يكن لك أن تعرفي أنها كانت متواطئة معك طوال الوقت. كان ذاك ذنبك أنت.
يضع والدك شريطاً لعبد الحليم فتصدح أغنية “سواح”. غير أن ماركي مارك وفنكي بنش يتداخلان في منتصفها فيقول والدك أن الأغنية كانت تذاع على الراديو واضطر إلى تسجيلها هكذا لأنها تشعره بالراحة. ينسدل الليل ورأسك يستند على كتف أمك وتغطين في النوم حالمة بحياة جديدة وزر وجودي تضغطين عليه لإعادة التشغيل والبدء وقطعة بيتزا بشرائح أقل من البيبيروني.

رندا جرار، كاتبة أميركية من أصل عربي.

الدكتورة ليلى المالح، كاتبة واكاديمية سورية تقيم في الكويت