“ليلة الوحش” قصة قصيرة للكاتب النيجيري هيلون هابيلا، ترجمة سارة ح. عبد الحليم

Helon Habila 55 kikah magazine
هيلون هابيلا Helon Habila

أذكر المرة الأولى التي رأيتُ فيها جندياً؛ كنت في حوالي السادسة من عمري، أي أن ذلك كان في العام 1973 أو 1974. كانت الحرب الأهلية النيجيرية قد انتهت للتو، وكان الجنود في طريق العودة إلى بيوتهم من جبهة القتال – حدث ذلك في وقت متأخر من المساء، في إحدى ليالي تموز الطويلة والحارّة تلك، حيث وقفنا جنباً إلى جنب على طرف الشارع على طول مرور موكب الشاحنات الطويل حاملاً الجنود في الجزء الخلفي المكشوف، عابراً وسط المدينة. كان موكباً طويلاً، فقد تم إرسال كتيبة عسكرية بأكملها إلى غومبي، بلدتنا الصغيرة والناعسة والتي لا يوجد فيها سوى شارع كبير واحد يشقّ وسطها. كان هناك المئات منا نصطف في الشارع ونلوح بحماسة للشاحنات التي كانت تتدحرج في الظلام مثل دودة ضخمة: أطفال المدارس كانوا يصرخون، في حين تعالى صياح الشابات ملوِّحات بأوشحتهن إلى الجنود الشباب المندفعين الذين بادلوهن التلويح، ورفعوا أسلحتهم عالياً في الهواء. في اليوم التالي تواجد الجنود في كل مكان من حولنا: في الشوارع والمحلات وفي المنازل، يصافحون الأيادي، ويكوِّنون الصداقات. بعضهم باع تذكارات الحرب إلى أهل البلدة: رصاصات، عملة بيافريةّ1، وأطعمة معلَّبة منتهية الصلاحية. وغشت هذه الصفقات حكايات بطولية يصعب تصديقها، وهي حكايات سرعان ما أصبحت تخصنا نحن بقدر ما تخص الجنود؛ فبحلول نهاية الأسبوع كان باستطاعتنا تحديد أي جندي قتل عدداً من الناس في معركة ما. فجأة، أصبح لدينا أبطال حرب بين ظهرانينا. ولعل هذا هو السبب، ربما، الذي دفع دانييل، أعز أصدقائي، إلى أن يقول لي بعد يومين “إن الجنود موجودون هنا لكي يقتلوا همادو دانجَر”. سألته معترضاً “كيف لك أن تعرف هذا؟ لا يمكنهم أن يرسلوا كتيبة بأكملها إلى غومبي فقط ليقتلوا رجلاً واحداً، مهما كان خطراً”. كان دانييل يحب اختلاق القصص لكي يضفي على نفسه أهمية؛ فأصر بالقول، “صدق أو لا تصدّق، إنه لصحيح”. كان همّادو دانجَر أخطر رجل في غومبي وفي القرى المحيطة بها. وقد يكون أخطر رجل على قيد الحياة. كان قاطع طريق، ثمرة سنوات الحرب التي سادت فيها الفوضى وانعدام القانون. لا أستطيع أن أتذكر المرة الأولى التي سمعتُ فيها اسمه. يبدو كما لو أنه لطالما كان على ألسنة أهالينا، البعبع الذي ضَمِن انصياعنا للأوامر كلما أصبحنا حرونين. كان أسطورة، مخلوقاً خرافياً بدأ يكتسب صدقية مع مرور الأيام. فجأة بدأت كلمات أمي، التي رددتها عندما لم تردني أن أبقى في الخارج لوقت متأخر، تكتسب أهمية جديدة. “همّادو دانجَر يُحب أن يقطع آذان الأطفال ويجبرهم على أكلها”. كنا نحن الأطفال نكرر رواية هذه القصص أثناء عودتنا إلى البيت من المدرسة عصراً، أو من ملعب كرة القدم مساءً، فنضيفُ تفاصيل في كل رواية، ونتنافس مع بعضنا البعض لنروي النسخة الأكثر إخافة. “لديه قدرات سحرية تستطيع أن تجعله يختفي إذا أراد ذلك، ولهذا لا يُقبض عليه أبداً بعد أن يسرق ضحاياه”، قال دانييل. “الجمعة الماضية رأى امرأة مسنّة في الغابة، لوحدها. لم تكن تعرف من هو. حاول أن يسرقها، لكنها لم تكن تملك شيئاً، لم يكن لديها مال، أو أي شيء. فسألها مستاءً إلى أين كانت تمضي. “لزيارة ابنتي في القرية المجاورة، فقد أنجبَت للتو.” فسألها بغضب، “وأنت ذاهبة بلا شيء، لا مال، ولا طعام، ولا حتى رغيف من الخبز لتأخذيه إلى ابنتك؟”. جثت المرأة المسنّة على ركبتيها أمامه، نائحة، تتوسل إليه ألا يقتلها، لأنه كان في حينه قد أخرج سكينه الطويلة وكان يلوح بها أمام وجهها مهدداً. “كلا”، قال بابتسامة شريرة، “لن أقتلك. بدلاً من ذلك، سأعطيك شيئاً لتأخذيه إلى ابنتكِ. لا يليق بكِ أن تقطعي كل هذه المسافة خالية الوفاض. ماذا سيظنُّ الجيران؟” فبكت المرأة المسنّة قائلة “شكراً، شكراً لك، فليباركك الله، أيها الشاب.” “وهل تعلمون ما الذي فعله همّادو دانجَر بعد ذلك؟” كنا جميعنا نعرف ما الذي فعله لاحقاً، فقد سمعنا هذه القصة مرات عديدة في السابق، لكننا التزمنا الصمت، وتركنا الراوي يحظى بمجده. أخفض دانييل صوته، واتخذت عينيه مظهر فتحتين شريرتين بينما كان يتنفس، “قطع أذنيها ولفهما، وهما تنزفان بقطعة قماش وأعطاهما لها”. “أعطي هذه لابنتك. قولي لها إنها مِن همّادو دانجَر.” كنا نروي القصص بالتناوب، بحيث أنه ما إن نصل إلى المنزل، حتى يكون الخوف قد شلّنا إلى درجة أننا لا نمتلك الشجاعة لكي نخرج ونلعب في الليل. لكن، بالطبع، لم يكن أياً منا قد رآه أبداً؛ فكل ما كنا نعرفه هو أشخاص كانوا قد رأوا أشخاصاً كانوا قد رأوه. قال البعض إنه طويل، وقال آخرون إنه قصير لكنه ذو بأس شديد، كما كان قوي البنية. في أحد الأيام، سنحت لي الفرصة كي أتحدث إلى جندي. في وقت متأخر من المساء كان دانييل قد سارع إلى غرفتي بشكل مفاجئ، بالكاد يلتقط أنفاسه، وقال لاهثاً “تعال، تعالَ لترى! هناك جندي يقيم في منزلنا”. كان منزل دانييل يبعد مسافة بنايتين عن منزلنا. وكان أفضل منزل في الحي؛ كان والده قد انتهى من بنائه للتو. كان البيت له مرآبان في المدخل الأمامي من أجل سيارتيهم، كما كان هناك متجر للأدوية في الأمام يعمل فيه والده؛ وكان هذا المتجر هو المكان الذي يبتاع منه سكان الحي بأكمله أدويتهم. دخلنا المنزل بسرعة البرق، وسرعان ما كنا نقف أمام أبولو، الجندي، لاهثين. لم يكن مثيراً للإعجاب كما كنتُ أتوقع. كان يجلس أمام المخزن الذي تم إخلاؤه لكي يأويه. كان على الجنود أن يجدوا أماكن يقيمون فيها حيثما استطاعوا لأن ثكناتهم كانت لا تزال قيد الإنشاء، لكن معظم العائلات رحبت باستضافتهم. كان أبولو قد انتقل إلى المنزل في الليلة السابقة، وعبر الباب المفتوح خلفه، كنا نستطيع أن نرى شمعة تحترق على الطاولة، مضيئة الغرفة بشكل باهت، لترينا بذلك حقيبة يد بالية، لا تزال غير موضبة، ملقاة على السرير الضيق ذي الزنبركات الستة. كان يلمّع جزمته، التي ظل يرفعها ويحدق فيها، وبدا أنه غير راضٍ عن مجهوده، مع أن الجزمة كانت تلمع. «عليه أن يرى انعكاسه في طرف الحذاء قبل أن ينتهي”، همس لي دانييل. لم يبدُ على أبولو مظهر البطولة، كان يرتدي قميصاً تحتانياً أخضر وبنطلوناً قصيراً – كانت ساقاه وذراعاه هزيلة، وكان حنكه الأيسر معوج؛ وعرفنا لاحقاً أن رصاصةً سحجته. “لو أن الرصاصة دخلت بوصة زيادة إلى اليمين، لكانت قتلته”، قال دانييل. مددت يدي نحوه بينما قدّمني دانييل بفخر قائلاً، “هذا صديقي هيلون”. تحدث أبولو متثاقلاً، “ كيف حالك يا صديقي؟” لم تتحرك سوى زاوية واحدة من وجهه عندما تحدث، وأثار فيّ هذا الأمر، بالإضافة إلى إنجليزيته المبسَّطة، التي كنت أسمعها للمرة الأولى، الرغبة بالضحك، لكن شيئاً ما في عينيه الخاملتين والباهتتين، أخافني. فهربتُ.

أضحى أبولو صديقنا، حتى بعدما انتقل من منزل دانييل إلى غرفة في الماخور على الجانب الآخر من الشارع، فإننا واصلنا الذهاب إليه، والقيام بالمهمات من أجله. كان ملاذه المفضل عبارة عن عريشة مفتوحة من الزنك عبر الشارع غير المعبد الذي يمر أمام الماخور، والذي كانت تبيع فيه زوجة جندي آخر مشروب “أوغوغورو”، وهو مشروب روحي قوي بات مرتبطاً على وجه التحديد بالجنود. كان الجنود يتجمعون هناك في المساء، بعضهم في زيه العسكري لم يزل، يتجرعون المشروب، ويلعبون الضامة بالقرب من ضوء المصباح. كانت الشجارات تنشب هناك أحياناً، كما كانت تتردد أغنيات حرب صاخبة، ولغة فجة، على شاكلة “ابن الحرام الشرموط” و«سأقتلك”، التي شقت طريقها بالتدريج إلى مفرداتنا. لم يكن أبولو أبداً طرفاً في الشجارات. كان دوماً يجلس إلى جانب واحد، بنظرة يغشاها الضجر في عينيه. ولسبب ما، لم يشركه الجنود الآخرون في نقاشاتهم أبداً. كانت هناك شتى القصص المختلفة عنه والتي غالباً ما تقاطرت إلينا من خلال دانييل، الذي كان دفاعياً بشأن أبولو. كان دانييل يخبرنا بنبرة سلطوية، “جُرح في شجار بالأيدي مع أوجوكوو، قائد الثوار البيافري”، وفي اليوم التالي تظهر رواية جديدة، “سقط من طائرة، في باراشوت”. “با-را-شوت”، كنا نردد، مدورين المقاطع اللفظية الغريبة على ألسنتنا. في هذه الأثناء، كان همّادو دانجَر في بلدة مجاورة، مثيراً الذعر، لكنّ رياح القدر كانت تسيره بالتدريج نحو بلدتنا، ونحو لقاءٍ مهلك مع أبولو. بعد أيام، أو أسابيع، أو أشهر من مجيء الجنود، وفي مساء دافئ، توقف منادي البلدة أمام منزلنا وطرق على حديدته وصاح بصوته العالي: “اسمعوا يا أهالي هذه البلدة إلى كلام الملك. قال الملك إن همّادو دانجَر شوهد متجهاً إلى هذه البلدة. لا يجب على أية امرأة أو طفل البقاء خارجاً لوقت متأخر”. تملكتنا، دانيل وأنا، الحماسة؛ فهذه كانت فرصتنا أخيراً لكي نرى الوحش بشحمه ودمه. بين البالغين في مجمّعنا كان التوتر عالياً جداً، حاولوا أن يخفوه عنا، لكن كان باستطاعتي أن أراه في جبهة أمي التي علتها التجاعيد بينما كانت تتأمل في الطريق كأنها تتوقع أن ترى شيئاً ينبثق في البعد؛ كما في الحوارات الهامسة التي كانت تتوقف دوماً عند ظهور طفل. اقتصر خروجي من المنزل على الذهاب إلى المدرسة فقط – لم تعد هناك كرة قدم في العصاري، ولا التسكع مع دانييل وأولاد الحارة الآخرين بعد العشاء أمام منزل دانييل. أصبحتُ أقضي معظم وقتي في متجر والدتي – كانت خياطة لديها متجر بين صف طويل من المتاجر أمام منزلنا، وكانت جميع المتاجر تقع في مواجهة الشارع الضيق غير المُعبّد الذي كان يمر عبر مركز المدينة، والذي تفرعت منه طرق قذرة أصغر تقود إلى غرف الحانات والمواخير وقاعات السينما الرابضة على أطراف البلدة، وكان أهالينا يسمون ذلك الجزء من البلدة “حيّ الشيطان”. كنت يومياً أراقب الرجال يعودون من عملهم، متسخين وجائعين، ليخرجوا بعد ذلك ببرهة من منازلهم بقمصان وبنطلونات نظيفة، منطلقين إلى الأزقة والشوارع الفرعية، ثم ليعودوا لاحقاً في الليل، يترنحون، ينشدون الأغاني أو يشتمون، أو أحياناً يكونون ملطخين بالدماء من شجارات الحانات. في بعض الأحيان، كانت المومسات من الماخور الذي كان أبولو يقيم فيه يأتين إلى والدتي لكي تُفصّل لهن الفساتين. قالت والدتي إنهن كن يدفعن جيداً. كنت أراقبهن بفضول من مكان جلوسي على مقعد خشبي في الزاوية. كان الهواء مُشبعاً بعطرهن الغني؛ وكن دوماً يضحكن، ويتحدثن عن عشاقهن، والأفلام الهندية التي شاهدنها مؤخراً. بعد مغادرتهن، كنتُ أمرر يدي على الأقمشة التي تركنها وراءهن، متمتعاً بنعومتها، ومتخيلاً إياها على بشرتهن. كان في مثل هذا اليوم أن ظهر همّادو دانجَر في شارعنا. سمعنا صرخات تندلع من أول متجر في الصف، في البدء اعتقدنا أنه حريق: كان الصوت حاداً وغير متماسك، تشوبه إثارة. “اهدأوا، واسمعوا!” صاحت والدتي في كل من جماي ولادي، متدربتيها الثرثارتين. “همّادو دانجَر! أقفلوا محلاتكم!” كانت الكلمات واضحة الآن. همّادو دانجَر! كانت والدتي مثل دجاجة يهدد صيصانها صقر يحوم فوقها. زعقت فينا قائلة “خذوا أي شيء تستطيعون حمله وادخلوا المحل حالاً!”. دفعتْ مقعدها إلى الخلف ونهضت من خلف آلة الخياطة، تحمل معها سلة القماش من طاولة القص. كنا نستطيع الآن أن نسمع المحلات الأخرى وهي تغلق إذ بلغتهم كلمات التحذير. أمسكت أمي ذراعي وسحبتني وراءها، وخلال دقيقة كنا داخل المحل الصغير، والباب موصد خلفنا بإحكام. بالكاد استطعتُ التنفس؛ كنت اختنق ببطء من التوتر في داخلي وضغط أجساد النساء التي كبست عليّ من كل الجهات. كانت والدتي تسترق النظر من ثقب المفتاح. همستُ لها، “هل تستطيعين أن تريه؟”. ’هسسس!‘ هسهست لي النساء. ثم وبأعجوبة وجدتُ عيني اليُمنى تحدق في الشارع – ظهر ثقب مسمار بشكل سحري في الباب على مستوى رؤيتي. ثم رأيته. لم يكن لدي أدنى شك بأنه هو ذاته، مع أنني لم أره في حياتي من قبل قط. كان واقفاً في منتصف الشارع المهجور – كان طويلا ومتألقاً بمعطفٍ كبير يصل إلى الكاحل، وعلى رأسه عمامة بيضاء سميكة. كان يبعدُ عني كثيراً فلم أرَ وجهه بوضوح، لكنّ وقف بخيلاء، ووجهه علته غطرسة. تأمل الشارع الطويل والخالي. عندما تحرك كان ثمة تمايل خفيف في خطواته. كان بلا شك آتياً من حي الشيطان. ثم اختفى. وبعد برهة طويلة بدأت الحياة تدب في الشارع. كان الوحش قد مضى. تلك كانت الليلة التي قابل فيها أبولو في الحانة، الليلة التي مات فيها. خرجت البلدة بأكملها لكي ترى الشجار، ولكي ترى الجثة، التي رقدت في مجرى مائي ليومين بعد ذلك، لكنني لم أرها. طوال اليومين التي استمرت فيهما الإثارة كنتُ ممنوعاً من الخروج من قبل والدي، فكنت مثل كلب ملجوم؛ هائج، وناقم، لكن بلا حيلة. «ليومين ظل ممدداً في المجرى، ذلك التيار الذي يجري قرب الطريق الذي نأخذه إلى المدرسة”، أخبرني دانييل. كان قد رأى الأمر كله. كان التيار يمر على طول حي الشيطان، وهي المنطقة الأكثر صخباً وابتذالاً في البلدة، وعادة ما كنا نرى، في طريقنا إلى المدرسة في الصباحات الباكرة، آثار ما حدث في الليلة السابقة: سكير لا يزال مترنحاً على العتبات أمام إحدى الحانات؛ مومس تطرد زبونا متأخراً، وقد مالت باروكتها وذاب مكياجها على وجهها؛ كما تكون زجاجات البيرة المهشمة متناثرة على الشارع بطوله. حسب قول دانييل، “كان الشجار قد بدأ في إحدى الحانات. فندق مونشاين”. وكان الليل قد حلّ تقريباً عندما دخل همّادو دانجَر مترنحاً إلى الحانة واهنة الإنارة، عيناه القاسيتان كانتا غائمتين، وقد تأبطت ذراعيه فتاتان تقهقهان. هبط سكون على المكان بمجرد أن تعرف إليه الناس، بعضهم تسرب من المخرج الخلفي، تاركين وراءهم مشروباتهم. آخرون، كانوا ثملين لدرجة لم يكونوا ليستطيعوا معها الخروج بسرعة، فانكمشوا في مقاعدهم، مشيحين ببصرهم كلما نظر همّادو دانجَر نحوهم. كان أبولو الوحيد الذي جلس في زاويته، رأسه مدفون في كأسه، غافلاً عما كان يدور حوله. وكان على تلك الجلسة طوال المساء، دون أن يشرب كثيراً، فقط جالساً لوحده بصمت. «بدأ الشجار عندما ذهبت إحدى الفتيات إلى أبولو وطلبت منه ولعة”، قال دانييل، “لكن آخرين قالوا إن همّادو دانجَر طلب مشروباً من أبولو وأبولو رفض”. استطعتُ أن أتخيّل الفتاة، نحيلة وضاحكة، ووجهها مقشر من مساحيق التجميل، وعيناها تلمعان من كثرة الشراب، تقطع الغرفة إلى حيث كان أبولو جالساً، وسيجارته مولعة للتو. جلستْ على طاولته للحظة بعد أن حصلت على الولعة؛ ولعلها تركت يدها متلكئة وقتاً أطول على يده بعد أن أعادت علبة الثقاب. أو لعلها، لدى عودتها إلى همّادو دانجَر، قالت، “ذلك الرجل قال إننا نحدث الكثير من الضجة. ربما لا يعرف من تكون”. ولمعت عيناها بترقب خبيث ريثما قام همّادو دانجَر مترنحاً، ووجهه يتلوى غضباً. أسقط الطاولات والكراسي أرضاً في طريقه إلى طاولة أبولو؛ كان مثل موجة مدية، كإعصار يتحرك. لم يرفع أبولو بصره عندما وقف همّادو دانجَر فوقه وخبط رأسه بعنف على الطاولة، جاعلاً كأس البيرة يقع ويتدحرج على الطاولة، ليسكب الشراب في حضن أبولو. “ما الذي تريده؟” سأل أبولو. كانت عينيه غائرتين في وجهه الهزيل؛ وكانت شياطينه الخاصة قد جعلته متوتراً بشدة، معذبة إياه بلا رحمة. “اسمي همّادو دانجَر”، هدر قاطع الطرق كالرعد، إذ أدرك أن هذا الرجل لم يتعرف عليه. “ما الذي تريده؟” كرر أبولو سؤاله ببلادة، وكلماته يحرفها فمه الأعوج. “أريدك أن تخرج من هنا. أريدك أن تعتذر إلى حبيبتي. كلا، أعتقد أنني سأقتلك”، قال همّادو دانجَر، وقد جعلته العمامة البيضاء الكبيرة الملفوفة فوق رأسه يبدو أضخم وأطول. ببطء، وبتعمد، مد يده تحت ثوبه وأخرج سكين جزار عريضة، وبابتسامة، أمسك بها على الطاولة أمام أبولو. “الناس قالوا إنه في تلك اللحظة دبت الحياة فجأة في أبولو”، قال دانييل، “أطلق ضحكة كانت أكثر إخافة حتى من ضحكة قاطع الطريق. امتدت يده وقبضت على يد همّادو دانجّر من عند الرسغ”. شعر همادو دانجَر بقوة القبضة؛ فقد أجبرت أصابعه على أن تفتح، لتسقط السكين من يده. برقت عينا أبولو باضطراب، وفي قاعهما رأى همادو دانجَر جنوناً يهدد بأن يطلق لنفسه العنان. «دعني وشأني”، قال أبولو عبر فمه الأعوج. وقف على مهل وحدق عميقاً في عيني قاطع الطرق، من ثم أطلق يده وترك الحانة. لكن أبولو لم يتجه إلى منزله من هناك، بل ذهب إلى حانة أخرى وطلب بيرة، وأخذها إلى زاوية، تماماً كما كان قد فعل في الحانة السابقة، وقرب وجهه من كأسه. بعد حوالي ساعة، دخل همّادو دانجَر، هذه المرة لم تكن بجانبه سوى فتاة واحدة، تلك النحيلة اللئيمة. كان ثملاً للغاية، وكان يبحث عن أبولو من حانة إلى حانة، مطلقاً الشتائم في الشوارع، طارحاً أرضاً أي شخص وقف في طريقه. وها هو يراه أخيراً، جالساً في الزاوية، منحنياً فوق مشروبه، لا يتحدث إلى أحد. ذهب مباشرة إلى طاولة أبولو… «وكانت تلك اللحظة التي بدأ فيها القتال الحقيقي”، قال دانييل. “كان الأمر ليستمر ساعات، وقد امتد من حانة إلى حانة، إلى الشوارع وخنادق المياه، وحتى إلى بيوت الناس”. وسرعان ما أصبح أبولو مغطى بالدماء من آثار الطعنات، لكنه لم يستسلم. لم يكن بالإمكان إصابة همّادو دانجَر بسكين ولا حتى بزجاجة. كان لديه دواء يحول المعدن إلى ماء، والزجاج إلى رمل، لدى ملامسته جلده. لكن أبولو لم يرضخ. اقتتلا من بداية المساء وحتى وقت متأخر من الليل الحار والخالي من النجوم؛ تدحرجا في الرمل وإلى المزاريب المفتوحة. وكان الاثنان قد تجردا من كل شيء إلا ملابسهما الداخلية – كان جسد أبولو نحيلا صلباً، كالجلد غير المدبوغ، كالأسلاك، أما همادو دانجر فقد كان سميناً ومعضلاً؛ وحول ذارعيه وخصره تدلت مجموعة تشكيلة من التعاويذ، بعضها كان يشبه جماجم الأطفال. وسرعان ما انتشر الخبر في البلدة؛ أن جندياً مجنوناً كان يقاتل همّادو دانجَر. امتلأ حي الشيطان بأناس يتابعون المقاتليْن، من الحانات إلى الأزقة الضيقة، حيث هتفوا لأبولو، يحثونه كي يواصل، رغم أنه بات جلياً أنه بالكاد كان يستطيع الوقوف على قدميه. لكنه لم يستسلم. ثم فجأة، عندما ضرب همّادو دانجَر أبولو وأسقطه أرضاً وكان يقف فوقه، متأرجحاً من جانب إلى جانب، منشداً المدائح في ذاته، انطلق حجر من الظلام وخبط وجهه. فبرز شق بليغ أسفل عينه اليسرى، لمس وجهه، وتدفق الدم بين أصابعه، فهتف الناس. “اقتلوه”، صاح الحشد. “ارجموه حتى الموت، فتعويذته ليست فعّالة ضد الحجارة”، صرخ الناس. والآن أكمل الحشد من حيث توقف أبولو. تطايرت الحجارة من العتمة، مرتطمة بصوت مكتوم بجسد قاطع الطريق. ولم يلبث أن ترنح، يداه تغطيان وجهه النازف. صرخ الحشد وزأر. «من ثمّ أطلق قاطع الطريق صيحة عالية وانقض على الحشد. فالتف الناس وبدأوا بالفرار، مندفعين من الشوارع الضيقة كالأرانب عندما تترك حفرها، وأينما توقف البلطجي، توقفوا هم أيضاً وألقوا حجارة عليه”، قال دانييل، “لقد كنتُ هناك. كان عليك أن ترى وجهه المضرج بالدماء، والدم يسيل من على يديه الكبيرتين وكتفيه”. “وأين كان أبولو حينها؟” سألته، “كان لا يزال طريحاً، منسياً وسط العراك. وأخيراً، طارد الحشد البلطجي حتى مجرى السيل، ملقين الحجارة عليه إلى أن مات”. منذ ذلك اليوم، أصبح أبولو بمنزلة بطل البلدة. أوقفه الناس في الشارع ليصافحوا يده، واشترى له الناس المشروب في الحانات، ثم ذات يوم، نُقلت كتيبته إلى بلدة أخرى ولم يسمع أحد عنه شيئاً ثانية.

ترجمة عن الانكليزية: سارة ح. عبد الحليم

==== من “بيافرا” وهو إقليم يقع في جنوب شرق نيجيريا، طالب سكانه، وغالبيتهم من عرقية الإيبو، بالانفصال وتمكنوا من تكوين دولتهم المستقلة فيه بين العامين 1967 و1970. وساهم انفصال هذا الإقليم في اندلاع الحرب الأهلية النيجرية التي يشير إليها الكاتب. (المترجمة).