“الحياة المزدوجة لنورمان مايلر، مقال آيلين شوالتر

maxresdefaultفي كتابه الضخم عن سيرة حياة نورمان مايلر استعمل جي مايكل لينون ثلاثا وخمسين صورة عالية الجودة لنورمان مايلر، لعائلته وأولاده التسعة ولحاشيته وظِّفت ببراعة لتفصل بين أبواب الكتاب. وهو كتاب يعكس ازدواجية حياة صاحب العنوان. لم يعتمد لينون التسلسل الزمني في تبويب الكتاب؛ طاقة مايلر الاسطورية، هوسه بالشهرة، وإحساسه بقداسة مهمته ككاتب ازدادت عبر حياته دونما أن يتغيّر. ولذا فان الكتاب هو سيرة سيكولوجية، جمالية للكاتب. في الجملة المقتبسة من مايلر والتي يستهل بها الكتاب يعلن مايلر ما يلي: “هناك جانبان لشخصيتي، جانب المراقب هو الأهم”. ولكن هل لشخصية مايلر مجرّد جانبين فقط؟ لقد استحوذ مايلر على عشرات الأدوار والأساطير والشخصيات. وكلما ازداد زخم مسيرته المهنية، اتسعت قائمة تلك الاديوار: صحفي، كاتب مسرحي، كاتب سيناريو، ممثل، مخرج، ناشط سياسي، مرشد، مرشح لرئاسة البلدية، فضلاً عن كونه السكير، المهرج، المصاب بجنون العظمة، زير النساء وكبير القوم. كما انه ودّ أن يكون مصارع ثيرانٍ، ملاكماً، أو رائد فضاء، وعلى الأخص رئيسا للولايات المتحدة. في مقالة له تعود لعام 1968 نشرت في صحيفة “فيليدج فويس” الاسبوعية أقر الكاتب التحقيقي الصحافي جاك نيوفيلد بمكانة مايلر الأيقونية، مسبغا عليه لقب “خليفة ويتمان وجيمس، وروح العصر الأمريكي”. ومهما كان الدور الذي يتقمصه وفي كل جوانب شخصيته، كانت لدى مايلر طموحات عملاقة.

ويلاحظ لينون انه بدوره ككاتب، كان مايلر يسعى الى العمل على “مشاريع ضخمة من شأنها أن تحدث تحوّلا في وعي الناس، أن تغيّر حيواتهم، وأن تعيد تشكيل أنماط السرد الادبي” أراد مايلر لكتبه أن تكون المعادل الأدبي لباليه “طقوس الربيع” لسترافينسكي، أو للوحة غيرنيكا لبيكاسو”، وكمُخرجٍ سينمائي كان يطمح إلى مكانة فيلليني، غودار، أو أنطونيوني. وفي السياسية كما في الثقافة، أراد لنفسه دور البطولة على الصعيدين المحلي والدولي. كان في حاجة ماسة إلى حياة اجتماعية باذخة ومبهرة، فأقام حفلات غطتها الصحافة وصورتها مجلةVanity Fair. كما انه طلّق إحدى زوجاته الست لأنه أحبط من عجزها عن القيام بدور المضيفة اللائقة، وكان لا بد لحياته الجنسية أن تكون ملحمة مليئة بالخيانات والعلاقات المؤقتة التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، فضلا عن علاقات عديدة وطويلة الأمد أقامها خارج نطاق الزواج. لقد كان أسطورة في أعمدة النميمة كما في قوائم الكتب الأكثر مبيعاً؛ لدرجة أنه كان معروفاً حتى لدى أولئك الذين لم يقرؤوا كلمة واحدة مما كتب. مع ذلك، حتى إذا كانت صفة “حياة مزدوجة” تبدو ضيقة جداً لتحتوي شهيته النهمة، فهي من جهة أخرى الشكل الأنسب لوصف سيرته المهنية المتسمة بالشهرة على طريقة الفنانين. إذ لا يستطيع أي إنسان، مهما كان عبقرياً، صاحب طبيعة تنافسية وروح هجومية، مُجِداً، ومتحفزا، أن ينجز كل تلك الأعمال الفذّة لوحده. لذلك احتاج مايلر لأن يوسع حدوده عبر ايجاد “دوبليرات” (بدائل) له وأصدقاء خلص، وعملاء في خدمته وشركاء مضاربين. فبالإضافة إلى وكلائه ومحاميه ذوي النفوذ القوي، نجح مايلر في استقطاب مريدين أصبحوا شركاء في فريق إدارته. بل وانه خلق نوعا من عصبة التآخي مع كتاب آخرين كان منهم جيمس جونز، ويليام ستايرون وجيمس بالدوين، الذين سرعان ما تحوّلوا إلى خصوم أو أعداء، وقد كانت عداوتهم مفيدة تماما كصداقتهم. كان غور فيدال العدو الأكبر، والذي كان له معه شجاراً هزلياً علنياً، وخصوصا في البرنامج التلفزيوني “استعراض ديك كافيت”؛ والذي رمى خلاله غور فيدال، مايلر بشتائم فكاهية ماحة على الهواء مباشرة، بعد ان كان مايلر قد نطحه قبل بداية البرنامج. كان نورمان مايلر يتخيل في أحلامه انه في حلبة الملاكمة مع همنغواي، إلا انه في حياته الحقيقية كان داهية لا يخطئ أنفه المعارك التي يستطيع أن يربحها، ويعرف من من خصومه مصارعا جيدا، لا مصارعا من الممكن له ان يتفوق عليه. في عيد ميلاده التاسع والخمسين سأله أحدهم حين كان في نادي “غراميرسي”، ناديه الرياضي المفضل، كيف يقيم مستواه كملاكم. فأجابه مايلر: “ أنا ملاكم أفضل من أي روائي آخر في سن التاسعة والخمسين”.

يعتبر جي. مايكل لينون مؤلف “حياة مزدوجة” واحداً من أهم الأشخاص في حياة مايلر. التقيا عام 1972، وكان لينون، حينها يكتب أطروحته عن مايلر، وهو الآن أستاذ فخري في كلية ويلكس في ولاية بنسلفانيا. وقد أثبت لينون أنه ناقد جاد وغزير الإنتاج. كان في صداقتهما منفعة للطرفين إذ عثر مايلر في لينون على رفيقه الظريف الموثوق بوزويل (مؤلف اسكتلندي، وكاتب سيرة صموئيل جونسون)؛ وعثر لينون بدوره على فرصة الوصول إلى بطله الأدبي هذا. فحرر العديد من الكتب عنه، وأصبح واحداً من عمداء الدراسات حول مايلر.

في عام 1997، اشترى مايلر وزوجته دونا شقة في “بروفينس تاون”، وخلال السنوات الثلاث الأخيرة من حياة مايلر، كان لينون يلقاه بشكل شبه يومي، واحتفظ بسجل ملاحظات واسعة عن محادثاتهما. حتى أن مايكل لينون يظهر أيضا في هذه السيرة الذاتية مستخدماً اسلوب مايلر في الحديث عن نفسه بصيغة الغائب وتحت اسم “ج. مايكل لينون” (صفته الرسمية ككاتب سيرة مايلر) أو تحت اسم “مايك لينون” (صديق مايلر) استثمر لينون في كتابه هذا عقود صداقته الحميمة مع مايلر، ناهيك عن انغماسه في أرشيف مايلر في جامعة تكساس في أوستن (حيث يُعتبر أرشيف مايلر أكبر أرشيف لكاتب في تلك المكتبة) والذي يتضمن مراسلات واسعة – حوالي 45.000 رسالة- ليوثّق لحياة مايلر بأدق تفاصيلها حتى تلك الشخصية والحميمة، بما في ذلك روتين مايلر المتبع في قضاء حاجته في الصباحات المتأخرة، وعدد المحارات (ستة عشر) التي كان يحب أن يأكلها في مطعمه المفضل في بروفينس تاون. لم يكن لينون متملقاً لمايلر إلا انه كان دوما في صفه. على الرغم من وجود الكثير من المعلومات الضارة لمايلر في كتابه واحتوائه لبعض المقالات السلبية عن كتبه (مثل مقالة ميشيكو كاكوتاني في صحيفة “نيويورك تايمز”، والتي تُعتبر مقالاتها عن مايلر هي الأسوأ بشكل متواصل؛ فقد وصفت رواية “حكاية أوزوالد”: “إنه كتاب ممل ومدع، غير مبتكر ويتوهم ان العالم يدور حوله.”)، فان لينون يحترم توكيد مايلر على رفعة مكانته الأدبية، بل أنه كان يرفع من شأن مزاعم مايلر تلك. وهكذا عندما كتب عن حضور مايلر مهرجان البندقية السينمائي في عام 1970 لمشاهدة العرض الأول لفيلمه “مايدستون”، فان لينون شبهه بهنري جيمس عند حضوره العرض الأول لفيلم Guy Domville عموماً، لم يترك لينون تقريبا أي شيءٍ كتبه أو فعله مايلر، مهما مقته الآخرون، إلا وقال فيه رأياً طيباً.

تفسر هذه السيرة تبجحات مايلر باعتبارها رد فعل على انعدام ثقته بنفسه حين كان يافعا. لكني غير مقتنع بهذا التفسير. فمنذ الطفولة، كانت ثقة مايلر في عبقريته مطلقة مع تضخم غير متوزان في نظرته لذاته. صحيح انه ربما كان يخاف أولاد الحي من الايرلنديين الشرسين، ألا انه كان أيضا يجري بشكل تسارع على سكة إنجازاته المهنية، يساعده في ذلك عدد كبير من الأقارب والأصدقاء والمدرسين ومعارفه في عالم النشر. بصفته كـ«أمير بروكلين الشاب” كان محاطا بكثير من أقاربه النساء ممن كن يعبدنه، لا سيما والدته والتي كان اسمها يدل على علاقتها بإبنها بشكل رائع “فان مايلر” Fan Mailer (المعجبة بمايلر). ومع معدل ذكاء بلغ 170 (“الأعلى على الاطلاق في المدرسة الحكومية رقم 161 حيث كان مايلر طالبا”)، استغل مايلر ذكائه وموهبته وطموحه ليحقق النجاح في جامعة هارفرد، حيث وفي سن السابعة عشرة “صاغ رغبته في أن يكون كاتبا كبيرا”. ربما كانت جامعة هارفرد حينئذٍ معادية للسامية ومتعجرفة، لكن يبدو أن مايلر لم يلحظ أيا من ذلك. وقد أدى نشره قصة في مجلة Harvard Advocate النخبوية الى فوز مايلر بمسابقة مجلة Story والى لقاء مع رئيس التحرير التنفيذي لمجلة تايم أثناء حفلة، وهذا بدوره أرسل قصة مايلر إلى محرر في دار نشر “راينهارت”. عن ذلك كتب مايلر إلى والديه: “كل شيء يسير بمنتهى السهولة واليسر.”

 

ترجمة عن الإنكليزية: محمد حبيب

 

 

في الوقت الذي هاجم فيه اليابانيون پيرل هاربر، كانت مسيرة مايلر الأدبية قد تأسست، وكان لديه عقد لنشر رواية يكتبها. كتب لاحقاً، “في الثامن أو التاسع من كانون الأول 1