“جزيرة الحرية” قصة قصيرة للكاتب العراقي سليم مطر

سليم مطر  لوحة
سليم مطر

 الحرية هي الثقة، بذاتك وبالناس..

لم يخطر ببالي، عندما لبَّيْت دعوة “هارولد” أن أعيش هذه التجربة الفريدة. إنه صديقي منذ أعوام الجامعة قبل أن يهجر بلاده سويسرا مع زوجته “تانانيا” التي أخذته إلى موطنها الأصلي، وهي جزيرة نائية، اعذروني عن ذكر اسمها وموقعها، لأنني أعطيت عهدًا بذلك. لكنها تستحق أن أسميها (جزيرة الفضيلة)، كما سترون.
خلال عشرين عاماً كنت أنا و”هارولد” نلتقي مرة أو مرتين كل عام أثناء زياراته إلى أهله في سويسرا. كان يدهشني بدوام البهجة والصحة البادية عليه. نفس السعادة الغامرة تبدو في صور زوجته وأبنائه الثلاثة. كلما سألته عن السر، يضحك ويقول: إنه مناخ الجزيرة المعتدل. لكني كنت أشك بأن ثمة سببًا آخر لا يود صديقي البوح به. ربما وفرة المال مثلا. عند سؤالي عن حياته في الجزيرة وطبيعة الناس هناك، ظلت أجوبته سريعة ومبهمة، وسرعان ما يتجاوز الموضوع بضحكاته المعتادة.
في الفترة التي سبقت موعد سفري حاولت العثور في المكتبات والإنترنت عن أية معلومة حول هذه الجزيرة، فلم أجد غير نتف محدودة ورسمية عن تاريخها ومساحتها وسكانها. فليس هنالك أية تفاصيل عن مجتمعها الحالي واقتصادها وأحزابها وأحداثها، وغيرها من المعلومات التفصيلية والتحليلية.

***

منذ أن حطت طائرتنا في مطار الجزيرة جلب انتباهي مدى التشابه العجيب في الملامح المرسومة على وجوه الحراس والعاملين مع وجوه صديقي وعائلته. لا أدري كيف أصف الأمر. ليست حالة فرح معتادة كما نعرفها على وجوه البشر مهما اختلفت أصولهم وشخصياتهم، بل ثمة هالة وشعاع وطاقة تنبع من الكيان كله. تأتيك ضحكاتهم قبل أن تسمعها أذنك، وتحس بسرورهم قبل أن تنظر إليهم.
تأكد إحساسي عندما وجدت “هاورلد” مع زوجته “تانانيا” وأبنائهم الثلاث، بنتين وولد متقاربين في سن المراهقة، في انتظاري. يا الله، نفس الهالة، وكأنها جزء طبيعي من أبدانهم وأرواحهم. مهما كان وضعك متعبًا أو ضجرًا، سرعان ما تغمرك أنوارهم مثل مياه صافية عذبة تغسلك وترويك.
منزلهم متواضع بحديقة صغيرة تطل مباشرة على البحر، لكنه مريح. أمضينا أمسية لطيفة حول مائدة الطعام. رغم الطيبة التي غمروني بها إلا أني شعرت ببعض الضيق لصوت داخلي يهمس بإخفائهم عني أمرًا ما يخصني. ضحكات أبنائهم لم تخل من بعض السخرية مصحوبة بغمزات وهمسات متبادلة. رغم تنبيهات أمهم وأبيهم باللغة الوطنية. وعند سؤالي “هارولد” عن الأمر، يضحك ويغير الموضوع.
أمضيت ليلة قلقة تخللتها أحلام مزعجة، رأيت فيها نفسي ولدا عاريا والناس يسخرون مني. وفي الصباح تناولت الفطور مع “هارولد” وحده، لأن زوجته ذهبت إلى عملها، وأبناءه في المدرسة. أما هو فقد أخر دوامه من أجلي. قال: إنه سوف يتركني وحدي لأتعرف على الجزيرة، ونصحني بزيارة بعض المعالم المهمة. وحينما سألته عن أي كتاب فيه معلومات مفصلة عن الجزيرة، أجابني بضحكته المعتادة:
ـ أقترح عليك يا صديقي، قبل أن تكتشف التفاصيل الخفية، أن تأخذ فكرة أولية عن الواقع بنفسك.

***

هكذا أمضيت الأيام الثلاثة الأولى أتجول وحدي في أنحاء الجزيرة. وجدتها تكثر فيها النباتات والغابات لمناخها المعتدل ووفرة مطرها. مساحتها كافية لسكانها الذين لا يتجاوز عددهم الربع مليون.
كل ساعة تمر كان ذهولي يزداد وأنا أكتشف أمورًا عجيبة لم أعرفها في أي مجتمع آخر. أينما ذهبت كنت أفاجأ بالناس ينظروني ببسمة حنونة، أما المراهقون والأطفال فكثيرا ما ينظروني بضحكة وتغامز بينهم كأنهم يعرفوني.
ثمة تشابه كبير بين الناس، ليس بسبب تقارب الملامح، بل في تلك البهجة والأنوار التي تشع من وجوههم وكيانهم كله. لم أشاهد أبدًا إنسانا كئيبًا أو غاضبًا أو شاحبًا نحيفًا مريضًا أو سمينا متكرشا. خمنت أول الأمر أنهم قد يكونون تحت تأثير المخدرات، لكني لم أشاهد أحدا يدخن أو يحتسي الكحول، فكيف يعقل أن يستهلكوا المخدرات؟!
الأغرب من ذلك انعدام وجود أي شرطي أو عسكري. بل حتى شرطي المرور غائب والشوارع بلا إشارات مرور. مع ذلك لم ألمح أي غضب أو خصام أو سيارة مسرعة ولا ارتباك مرور. بل الأعجب من ذلك أن المخازن والمكاتب تظل أبوابها مفتوحة ليل نهار دون أية حراسة أو أجهزة رقابة. ليس هنالك مظاهر حزبية ودينية واضحة الحضور. المعابد شبه فارغة ويؤمها الناس للراحة والدردشة. ليس هنالك مراقص وحانات ليل، فأنت تشاهد الناس يرقصون ويغنون في الحدائق والشواطئ والمقاهي والبيوت، دون مكبرات صوت مرعبة ولا مظاهر مغالاة وخلاعة مصطنعة.
لم أشاهد أي تليفون، لا نقال ولا ثابت، حتى إنهم يجهلون الرسائل والإيميلات. وعندما أسالهم كيف يتواصلون فيما بينهم، كانوا كالعادة يضحكون، وهم يرددون جوابهم المعتاد: اصبر سوف تعرف الحقيقة..
لاحظت الناس عندما يشاهدون الأفلام الأجنبية في التلفزيون والسينما، يبدون استغرابهم بصورة مبالغة إزاء المشاهد السلبية من فقر وجشع وحزن وعنف، وغيرها. كما لو أنهم يصدمون بسلوكيات مجتمعات غريبة تعيش في كوكب آخر غير كوكبهم.
أكثر الأمور التي أثارت عجبي واعتبرتها خارقة للمنطق والتفسير العقلاني، عندما كنت أشتري حاجة من المخازن والمقاهي والمطاعم، كنت أفاجأ بالبائع والنادل يقدم لي طلبي قبل أن يسألني. وأمام استغرابي كانوا كالعادة يطلقون ضحكتهم الحنونة. حتى سائق التاكسي، دون أن أخبره بوجهتي كان يعرف عنواني ومقصدي!
أما صديقي وزوجته، فكلما أبديت لهما دهشتي، ضحكا وقالا:
ـ اصبر.. ستعرف قريبًا كل شيء..
أصبحت مشتتًا بين مشاعر راحة وحذر. تكاثرت أحلامي المزعجة التي ظلت تتمحور حول شعوري بالقلق والخجل من أني كنت عاريا مكشوفا للآخرين، وهم يسخرون مني. بل كنت أحيانا أشاهد نفسي كما لو أني من زجاج شفاف يشاهد الناس من خلاله كل تفاصيلي الداخلية.

***

في أمسية اليوم الرابع، ومع ذهاب الأبناء إلى النوم، بقيت أنا وصديقي وزوجته نتبادل الأحاديث والذكريات. وإذا بـ”هارولد” فجأة يتخذ هيئة جادة ويتبادل النظرات مع زوجته ثم يخفض بصره ويتنحنح علامة أنه ينوي فتح موضوع خطير. قال:
ـ اسمع يا صديقي، بما أنك قد أخذت فكرة عامة عن حياتنا في بلادنا، فإنك أصبحت الآن مؤهلا لحمل السر. اعلم يا صديقي أننا ما دعوناك لزيارتنا إلا بعد أن اقتنعنا بأنك أهل للثقة. لقد تداولنا الأمر كثيرًا أنا “وتانانيا” وأخذنا موافقة الجهات المسؤولة. أرجو أن تعرف أن “الهيئة الوطنية لحفظ سر الجزيرة” قد راقبتك جيدًا خلال هذه الأيام، وكان موقفها إيجابيًّا منك ومنحتنا حق مكاشفتك، لتكون ضمن النخبة المحدودة من الأجانب في العالم ممن يشاركونا حقيقتنا. تفضلي يا عزيزتي وحدثيه، فأنت أعرف مني بالتفاصيل.
بدأت “تانانيا” تكلمني بصوتها الخجول الرقيق وبلكنة فرنسية طريفة، وهي تنظر لزوجها كأنها تستمد منه الجرأة:
جميع الذين يزورون جزيرتنا للمرة الأولى يندهشون من حالة السلام والسعادة السائدة بيننا. لكن دهشتهم تخف عندما يتعرفون على السبب الذي جعلنا بهذه الحالة:
ـ قدرتنا على سماع أفكار بعضنا البعض كما تسمع الأصوات!
يقينا أنك ستضحك وتتساءل عن علاقة هذه المقدرة مع حالة السلام والسعادة التي نعيشها. دعني أسرد لك بعض التفاصيل.
إن تاريخ جزيرتنا قبل تحولنا العجيب منذ أكثر من خمسين عامًا، لم يكن مختلفا عن تاريخ باقي المجتمعات في العالم، سلبا وإيجابا. جزيرتنا صغيرة كما تعرف ونحن أقل من ربع مليون، ودولتنا كانت تشبه غالبية الدول، عانت من الاستعمار، ثم بعد الاستقلال تعاقبت عليها حكومات وأحزاب من خلال الوسائل المعروفة، من مؤامرات وانقلابات وانتخابات مزيفة، كلها مدعومة سرًّا من قبل القوى الخارجية.
التغيير العظيم حصل عقب طوفان خطير واجتياح أمواج المحيط لجزيرتنا واختفائها تماما تحت الماء. بقينا لأكثر من أسبوع نعيش في القوارب حتى خف غضب الطبيعة وزال الطوفان.
في بادئ الأمر ظن الناس أنهم أصبحوا عرضة لهلوسات وخيالات جنونية بتأثير صدمة الكارثة، إذ بدأت تبرز بيننا بعض السلوكيات والمواقف الغريبة.
يلتفت زوج نحو زوجته ويصرخ بها مستغربا:
ـ لماذا تشتميني يا ملعونة؟
فتجيبه محتجة:
ـ لكني لم أتكلم يا زوجي العزيز.. انظر أنا صامتة..
ـ يا للوقاحة.. تعالوا يا ناس وانظروا إلى هذه المجنونة. واسمعوا شتائمها الوقحة…
وفعلا يشهد الآخرون أنهم يسمعون شتائمها ضد زوجها رغم انطباق فمها. وفي نفس الوقت يصرخ أحدهم بالزوج:
ـ لكنك يا زنديق، ها أنت أيضا تشتمنا وتجدف بالإله..
فيذهل الزوج، لأنه كان فعلا في باطنه يشتم ويجدف بسبب غضبه، لكنه لم ينطق بذلك علنا.
هكذا انتشرت المشاحنات بين الناس لأنهم بدأوا يسمعون أفكار بعضهم البعض. راحت الأسرار الصغيرة والكبيرة، تظهر علانية وتتكشف أشبه بالأفاعي التي تخرج من جحورها. جميع الأسرار المخبوءة في بواطنهم تطوف أمامهم علانية لأنها صارت مسموعة، حالات العشق السرية والشهوات والمشاعر المكبوتة والنمائم والخيانات والسرقات وجميع الجرائم المخبوءة، حتى القديم المنسي منها، كلها فجأة أصبحت مسموعة ومكشوفة بدرجة أصابت الجميع بالرعب والجنون.
دامت الأزمة والاضطرابات أكثر من عشرة أعوام. كثرت الشجارات والجرائم وحالات الطلاق والانتحارات. ومع مرور الوقت تكشف لجميع الأفراد والعوائل والجماعات المهنية والدينية والحزبية وغيرها، مهما كانوا مقربين ومتحالفين مع بعضهم، فإن لكل منهم ما يخبئه من عتب وغضب وبعض التشهير بالآخر. وبالتالي فإن الجميع يشتركون بالذمائم والخطايا مع اختلاف حجمها. فمن لم يرتكب خطيئة يخبئها فإنه على الأقل يخبئ في داخله خطايا آخرين، عاشها أو سمع بها، ويعتقد أو يشك بدور فلان بها.
كما يقول المثل “إذا عمّت هانت”، وهذا بالضبط ما حصل في جزيرتنا، فخلال سنوات بدأنا نتعب ونتعود، ليس فقط من سماع أسرار وفضائح الآخرين، بل كذلك من سماع الآخرين بفضائحنا وترديدهم التهم المنسوبة إلينا. ومع كثرة الفضائح الصغيرة والكبيرة تعبنا وتعودنا ولم نعد نأبه بها. وساد بيننا مثل أشبه بالشعار الشعبي والوطني: كلنا بالهوى سوا..

***

بنفس الوقت بدأت حالة أخلاقية وسلوكية غير معلنة تنتشر وتفرض نفسها بالتدريج:
رحنا نبذل أقصى الجهود لتجنب الأفكار والمشاعر السلبية ضد الذات وضد الآخرين. بالضبط كما يتعود الإنسان على التحكم بلسانه وتجنب النطق بما يسيء لذاته وللآخرين. لم يعد بالإمكان اقتراف سرقة لأنها ستنكشف ويسمع بها الناس، وهي لم تزل فكرة في رأس الفاعل. هكذا دواليك باقي الخطايا ابتداء من النميمة والغش والخيانة حتى الغدر والقتل. الجميع يسمع بنوايا الآخرين قبل أن يشرعوا بتحقيقها.
مع الأيام والسنين بدأنا نتعود على تجنب الأفكار السيئة والمؤذية وتبني الأفكار الإيجابية والمقبولة التي تكسب الآخرين ولا تمنحهم الحجة للحقد والتشويه. من خلال التعود على خلق حالة انسجام بين الفكر واللسان والسلوك. أي توافق ما تفكر وتشعر به مع ما تعلنه وتمارسه في الواقع وأمام الآخرين. وهذا الانسجام داخل الشخص بين أفكاره ومشاعره وسلوكه، لم يخلق فقط حالة وضوح وتوافق اجتماعي، بل أيضا حالة انسجام وتوازن داخل الإنسان نفسه، لا يمكنك أبدا تخيلها. تستقر فيك مشاعر بأمان وراحة ضمير وسمو الذات، سرعان ما تتحول إلى نوع من ثمالة وانشراح وخدر يسري في كيانك روحا وبدنا ويجعلك تعيش في سعادة الذوبان مع الجماعة.

***

التغير الثوري الذي لم نكن نحلم به، حصل خصوصا في دولتنا والقوى السياسية والمؤثرة. فالجرائم والأسرار لم تلتغ فقط من المجتمع، بل وبخاصة بين الحكام والمالكين ورجال الدين وباقي الجماعات المالكة والمسؤولة. فما عاد من الممكن التحضير الخفي لأية تآمرات أو معارضات سرية، لأن جميع الأخاديع والاتفاقات الخفية تبدو مكشوفة أمام أعين الناس. كذلك ما عاد بإمكان المسؤولين أن يكذبوا ويغشوا ويسرقوا ويغطوا جرائمهم بخطب رنانة واتهامات ضد من يسمونهم بالمخربين. بل صار من المستحيل على الإعلاميين والمثقفين المتواطئين أن يستمروا بنفاقهم وأكاذيبهم التي تخدر الناس وتخدعهم. لأن أول من سيكتشف أخاديعهم أهلهم والمقربون والأصحاب الذين يسمعون أفكارهم المخبوءة.
كل هذا أدى بالتدريج إلى أن تفقد الدولة حاجتها للقوة للسيطرة على الخصوم والمحتجين والمخالفين.
حتى الجهات الأجنبية التي تفكر بالتآمر والخداع وشراء ذمم الآخرين، لأغراض ربحية أو تجسسية أو غيرها، سرعان ما تفتضح بمجرد أن تبدأ بالتفكير بجزيرتنا، لأنك قادر على سماع أفكار أي إنسان بمجرد أن يفكر بك. هكذا فإننا نسمع أفكار كل من يفكر بجزيرتنا مهما كان منفصلا عنا بحدود ومسافات، لأن الأفكار التي تخصنا تصلنا عبر الأثير مثل موجات الراديو والهاتف. الأمر الحاسم أن أية قوى خارجية مهما امتلكت من قدرات سياسية ومالية وثقافية، فإنها ستعاني من استحالة أن تجد بيننا من يقبل بالتعاون معها، لأننا سنكتشفه منذ اللحظة الأولى. كذلك الحال بالنسبة للعملاء الأجانب. ثم إن جميع مشاريع التأثير والتغلغل في بلادنا، كنا نتنصت لها منذ اللحظات الأولى وهي في أذهان قادة الدول والمخابرات والجيوش. تعودنا على إتقان وسائل نفسية ودبلوماسية بابتزاز خصوم بلادنا وبث الفرقة بين مسؤوليهم وكسب بعضهم إلى جانبنا، من خلال استخدامنا أسرارهم التي نعرفها بالتنصت على أفكارهم. أعظم الجيوش وأخطر الأسلحة والقنابل النووية تفقد قيمتها لو سيطرت على أفكار أصحاب القرار. إننا نسمح لأنفسنا بابتزاز خصومنا الخارجيين لحماية بلادنا وتجنب الحروب. هكذا ساد عرف عالمي غير معلن، أن يتركوا جزيرتنا بسلام ويتناسوها. لهذا تجد المصادر عنا نادرة حيث إننا نجحنا أيضا بجعل الباحثين والإعلاميين والمغامرين والسائحين، يتجاهلونا.
وهكذا مع مرور الأيام والسنين ساد بلادنا الأمان الداخلي والخارجي واضمحل بالتدريج دور الجيش والشرطة والرقابة السرية لانتفاء الحاجة للقمع والسيطرة والرقابة الداخلية والخارجية. لكن فقدان الدولة لدورها الدفاعي لم يؤد إلى اضمحلالها، بل بالعكس زاد من سعتها ونفوذها، لأنها أصبحت تلقائيا تمثل جميع تنوعات المجتمع ومصالحهم وحاجتهم للخدمات من خلال الوزارات والمؤسسات الخدمية المختلفة.

***

تعود الناس، أغنياء وفقراء، أغبياء وأذكياء، أشرار وأخيار، حاكمون ومحكمون، على تجنب الرذيلة وتبني الفضيلة. لم نعد بحاجة إلى تعلمها من الفلسفات والأديان لأننا نعيشها في كل لحظة من حياتنا وفي كل خلية من كياننا. حتى الأطفال أصبحوا يدركون هذه الحقيقة:
لكي تكون محبوبا بصدق من الآخرين عليك أن تحبهم بصدق. ولكي تحبهم بصدق عليك أن تضمن أنهم أيضا يحبونك بصدق. وهذا يتطلب الثقة المطلقة المتبادلة بينكم. وهذا لن يتم ما دامت الأسرار مخبوءة في كهوف النفوس. إن الشفافية والمكاشفة شعاعات شمس تنير الحقائق وتنقي الضمائر. كلما زادت الأسرار زادت المخاوف والشكوك والضغائن والمؤامرات، وهي أساس الرذيلة. وكلما قلت الأسرار وكثرت الصراحة، زادت مشاعر الثقة والأمان والمحبة، وهي أساس الفضيلة.
العجيب أن سيادة الأمان والمحبة بين الناس لم تلغ الخصومات والمشاكل بينهم فحسب، بل قللت إلى حد كبير المشاكل الصحية والأمراض والحوادث. لأن صفاء النفوس وراحة الضمائر وانتشار السعادة عززت المناعة الطبيعية في الأجسام، ومنحت الأذهان النباهة لتجنب الحوادث والمخاطر.
أما عن سؤالك عن سبب اختيارك لكشف حقيقة جزيرتنا. نطمئنك أن السبب بكل بساطة لأنك صديقنا ولا نود أن نفقدك بسبب اضطرارنا للكذب عليك بمعرفتنا بكل ما تفكر به. وكما لاحظت أن أبناءنا كانوا بالحقيقة يضحكون لأنهم يسمعون كل ما تفكر به. نطمئنك أن كل أفكارك ومشاعرك ظلت إيجابية نحونا ونعرف جيدا مدى حبك لنا.
سألت “هارولد” مستغربا:
ـ لكنك يا صديقي كما أعرف فأنت مثلي، لست من سكان الجزيرة الأصليين. وهذا يعني أنك لا تمتلك القدرة على سماع الأفكار، فكيف يتاح لك أن تشاركهم أمانهم وسعادتهم؟
فضحك وقال:
ـ لا أجيبك، بل أتركك تعيش الجواب بنفسك ابتداء من الآن، بعد أن عرفت الحقيقة.
وفعلا، خلال أيام وأنا أختلط بالناس، بدأت أحس بشبه ثورة نفسية في داخلي. مجرد إدراكي بأن الجميع يعرفون حقيقتي وأنهم يقبلوني كما أنا، جعلني تلقائيا ومن دون جهد أشرع بالانسجام مع مشاعرهم. لا أستطيع أن أصف لكم مدى الذهول الذي راح يجتاحني وأنا أكتشف كيف أني أمضيت حياتي مدججا بأسلحة سرية من حذر وتمنع وترصد، في كل لحظة حتى وأنا وحدي. يا لضخامة الأثقال التي كنت أحملها وجهادي الدائم لحفظ أسراري التافهة والخطيرة، والسيطرة على ذاتي من أجل التوافق مع الآخرين وإعطائهم الصورة الزاهية عني شكلا وداخلا.
وأنا أعيش علانية مشاعري وأفكاري أكتشف أن جميع شعارات الحرية والديمقراطية مهما كانت نواياها صادقة، تظل إلى الأبد عاجزة عن تحقيق واحد بالألف من أهدافها، لأن المانع العظيم والدكتاتور الجبار الذي ظل يقمعني ويعذبني، لا يعيش في خارجي، بل في داخلي.
خلال فترة وجيزة تعلمت أن أكون حقيقيا مع نفسي لمجرد إدراكي أن أسراري صارت مكشوفة للجميع. أترك مشاعري الواثقة الطيبة تقودني، متخليا عن مخططات عقلي وكبريائي الزائف. فضاء هائل ينفتح أمامي لأحلق فيه خارج قواعد الحذر والكتمان. يا ليتكم تتذوقون عظمة الشعور بالحرية يتسرب إلى كياني مثل نهر فوار يشق مجراه في بادية عزلتي.

كاتب عراقي، جنيف، سويسرا
s.matar@bluewin.ch