“إعلانٌ عن جثةٍ مفقودة” قصة قصيرة للكاتب العراقي ماجد الحيدر

ماجد الحيدر  كيكا
د. ماجد الحيدر

أضعتُ جثتي يا أصدقاء. هذا بالطبع ليس بالأمر الغريب أو الخارق للمألوف. أعرف أنه حدث لآلاف (أو ربما ملايين) مثلي، لكنني –وهذا أكبر عيوبي- فضولي ولحوح ولجوج وكثير السؤال ولن يهدأ لي بال قبل العثور عليها.
كان يمكن أن أتناسى الأمر برمته وأعيش موتاً عاديا دون عبء الاحتفاظ بجثتي والعناية بها.
كان يمكن أن أفعل كما فعل فرانكشتاين النابولي-الجنيفي أو شبيهه الشسمه البغدادي وألملم أجزاء الجثث المتناثرة في الانفجارات لأصنع منها جسداً مرقعاً.
لكن الهاجس اللعين ظل يلازمني: أريد أن أعرف شكلي بعد الحادث. أريد أن أراني ميتاً !
بحثت في الطبابات العدلية والمشرحات والمزابل وخلف السدة وفي سواقي البساتين وفي قاع النهر. تفحصتُ الآلاف من الجثث المتفحمة والمتفسخة والمبتورة الرأس لكن أيا منها لم يطابق ما أعرفه عن جسدي، والأهم من ذلك أنني لم أشعر بالانجذاب اليها. أنتم تعلمون: ذلك الحنين الغامض الذي يخبر المرأة أن هذا الواقف أمامها هو ابنها الذي فارقته ولم تره منذ أن كان في المهد صبياً.
دفعت رشا لرجال شرطة ومضمدين وكتبة ومختارين وعاملات تنظيف، لكن دون جدوى.
نصحني أحدهم بأن أنشر إعلانا مع صورة لكنني خفت أن يهتدي لي بعضهم ويصفون حساباتٍ ما معي.
وأخيراً عملت بنصائح زملائي المجرّبين الذين دلوني على رجل فاضل (حاج في العقد السادس بلحية جميلة بيضاء) نفحتهُ المبلغ المطلوب وقلت له بأدب جم:
-انظر في وجهي جيدا يا مولاي. اذا عثرت على جثتي اتصل بي رجاء وسأمنحك مكافأة أخرى.
قال:
-ذاكرتي ضعيفة والجثث كثيرة، سبحان الله، كثيرة جدا (وباعد بين كفيه ليؤكد كلامه) الافضل ان تجلب لي صورة شخصية لك وتكتب خلفها اسمك وهاتفك ومن الله التوفيق.
لم أكن مستعداً لمثل هذا الطلب لكن يدي امتدت بشكل آلي الى جيوب معطفي فإذا بي أعثر، سبحان الله، على صورة بحجم بوست كارت بالأسود والأبيض كنت قد التقطتها في حديقة الأمة في أحد الأعياد السعيدة قبل أربعين عاماً وقدمتها له بعد أن كتبت على ظهرها: الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان.
-تفيد؟ (قلت له)
-تفيد إن شاء الله. (أجابني)
في المرة الثانية قال لي:
-أنت تريد وأنا أريد وإرادة الخالق فوق كل شيء. لكنني -يشهد الله- أحببتك مثل ابني، ولهذا سأساعدك.
قادني الى موظف أخطر مرتبة وأكثر خبرة وأعلى أجرا بالطبع. كان بالحق يستحقها (أعني الأوراق الخضر الخمس التي دسها في درج مكتبه دون أن يعدها) فقد سألني بمهنية عالية تطمئنُّ اليها النفس عن بعض التفاصيل التي قال إنها ستفيدنا في البحث، ثم ختم استجوابه بأن أخرج من الدرج نفسه حفنة من الاستمارات طلب مني أن أملأها.
-على كيفك. (قال لي) يمكنك إن أحببت أن تأخذها الى البيت وتملأها على مهلك.
صدمتي بهذه الاستمارات فاقت صدمتي بفقدان جثتي؛ فقد اكتشفت أنني نسيت الجزء الأكبر من التفاصيل المطلوبة لملئها: لم أتذكر مثلا حالتي الزوجية والعقلية ومحل ولادتي وموتي وديانتي وطائفتي ولون بشرتي وأسماء أقربائي المعدومين أو الفارين من البلاد حتى الدرجة الرابعة، لكنني استطعت أن أتذكر بسهولة جميع علاماتي الجسدية الفارقة، ولي منها الكثير؛ فقد كنت جنديا شجاعا أبليت بلاء حسنا في الحرب الأخيرة (وربما في الحربين الأخيرتين-تبا للنسيان!)
الاستمارات التي أكملتها الى النصف بعد جهد جهيد راقدة من أشهر في الملف الأزرق عند الموظف الخطير دون أن أتلقى منه رداً (هاتفه مغلق ويقال أنه سافر الى ماليزيا في دورة تدريبية لا تُعرَف مدتها). لقد بدأ الشك يراودني وأخذ اليأس يدب الى قلبي والكسل الى أوصالي.
كمحاولة نهائية قررت أن أجرب حظي للمرة الأخيرة متجاهلا كل المخاطر. قلت لنفسي:
-وماذا إذا اهتدى اليك جند الخليفة أو أنصار السيّد أو حتى السي آي أي؟ أنت جثة على كل حال!
وهكذا يا أعزائي، هكذا يا أصدقائي في الفيسبوك: أنشر على حضراتكم أحدث صورة لجثتي طالبا منكم (فضلا وليس أمرا) مشاركتها على أوسع نطاق مع رجاء الاتصال بي (على رقم الهاتف المكتوب تحتها) في حالة العثور عليها أو معرفة أية تفاصيل عنها ولكم الأجر والثواب.

ماجد الحيدر: شاعر وقاص ومترجم من كردستان العراق. ولد ببغداد عام 1960. يكتب ويترجم بالعربية والكردية والانكليزية. أصدر العديد من المجموعات الشعرية والقصصية والترجمات.
majidalhydar@yahoo.com