“القنّاص” قصة قصيرة للكاتب الايرلندي ليام أوفلاهيرتي ترجمة عماد خشان

22506_OFlaherty-Liam
ليام أوفلاهيرتي Liam O’Flaherty (28 August 1896 – 7 September 1984)

تلاشى الشفق الحزيراني الطويل في عتمة الليل. رقدت دبلن يلفها الظلام الدامس لولا نور القمر الباهت الذي أشع من بين غيوم صوفية. ضوء القمر الشاحب انعكس على الشوارع وفوق مياه نهر ليفي الداكنة وكأنه نور الفجر المقترب. وفي منطقة “فور كورتس” المحاصرة يمكن سماع دوي الاسلحة الثقيلة. هنا وهناك في نواح مختلفة من المدينة حطم صوت رصاص البنادق والرشاشات المتقطع سكون الليل. كان كأنه صوت عواء كلاب يأتي من مزارع نائية. انها الحرب الأهلية بين الجمهوريين ومقاتلي الدولة الحرة.
على سطح أحد المباني قرب جسر أوكونيل، كان أحد قناصي الجيش الجمهوري يستلقي مراقبا. الى جانبه كانت بندقيته وتدلى بين كتفيه منظار حربي. وجهه كان وجه طالب، نحيل وعليه مسحة زهد. إلا ان عينيه أشعتا ببريق بارد يدل على تعصبه. عيناه تدلان على كثير من العمق والتفكر. عينا رجل اعتاد التحديق في وجه الموت.
كان يأكل سندويشا بشراهة. فهو لم يأكل شيئا منذ الصباح. كان في غاية اللهفة لأن يأكل. انهى السندويشة وسحب قنينة الويسكي من جيبه وأخذ جرعة صغيرة ثم أعاد القنينة الى جيبه. تردد للحظة وهو يفكر فيما اذا كان بوسعه المجازفة باشعال سيجارة. في الامر خطر. وميض عود الثقاب ممكن ان يرى في العتمة وحوله الاعداء يراقبون المنطقة. إلا انه قرر المغامرة واشعال سيجارة.
وضع السيجارة بين شفتيه وأشعل عود الثقاب ثم أشعل سيجارته مستنشقا دخانها بسرعة ومطفئا قشة الكبريت في غاية السرعة. فورا تقريبا استقرت رصاصة في سور السطح. أخذ القناص نفسا آخر واطفأ سيجارته وشتم بصوت خفيض زاحفا نحو اليسار. رفع القناص نفسه بحذر ونظر من فوق السور. لمع بريق وأزت رصاصة فوق رأسه. فارتمى فورا. الا انه رأى مصدر البريق الذي أتى من الطرف المقابل للشارع.
تدحرج على السطح نحو مدخنة في مؤخرة السطح ورفع نفسه عن الارض ببطء ليجلس خلف المدخنة بحيث كانت عيناه على موازاة سور السطح. لم ير شيئا ما عدا الظلال المعتمة لسطح المبنى المقابل تحت سماء زرقاء. هناك اختبأ عدوه.
وفجأة ظهرت عربة مصفحة على الجسر واخذت بالاقتراب من الشارع ببطء. توقفت المصفحة عند الطرف المقابل من الشارع على مسافة خمسين مترا أمامه. كان بوسع القناص ان يسمع لهاث محرك المصفحة الرتيب. ازدادت نبضات قلبه. تلك مصفحة عدوة. أراد ان يطلق النار عليها إلا انه أدرك أن لا جدوى من ذلك. فلن تستطيع رصاصاته اختراق الفولاذ الذي كسى ذلك الوحش الرمادي.
ومن زاوية شارع فرعي ظهرت امرأة عجوز. كان رأسها مغطى بشال ممزق. شرعت تلك العجوز بالكلام مع الرجل الجالس داخل برج المصفحة. كانت تشير بيدها الى سطح المبنى حيث اختبأ القناص. انها مخبرة.
انفتح البرج ومنه ظهر رأس رجل وكتفاه ونظر نحو القناص. رفع القناص بندقيته واطلق النار فتهاوى رأس الرجل بتثاقل على جدار برج المصفحة. اندفعت العجوز نحو الشارع الجانبي الا ان القناص اطلق النار ثانية فاستدارت العجوز وسقطت صارخة في المزراب على طرف الشارع.
وفجأة دوت رصاصة من الطرف المقابل من الشارع فرمي القناص بندقيته أرضا وهو يشتم. ارتطمت بندقيته بأرض السطح محدثة قععقة بحيث تهيأ للقناص ان ذاك الضجيج كان مدويا بما يكفي ليوقظ الموتى. انحنى ليلتقط بندقيته الا انه لم يقو على حملها. كان ساعد يده ميتا. “لقد اصبت” تمتم لنفسه.
استلقى على طوله على السطح وزحف ثانية صوب السور. تحسس بيده اليسرى ساعده الايمن الجريح. كان الدم يأز راشحا من كم معطفه. لم يشعر بألم- مجرد احساس خفيف بذراعه وكأنها قد قطعت.
سحب سكينه من جيبه بسرعة وفتحها مستعينا بطرف السور ومزق كم يده المصابة بالسكين. كان هناك ثقب صغير حيث دخلت الرصاصة ولكن لم يكن هناك ثقب اخر في الطرف المقابل من ساعده. الرصاصة اذاَ استقرت في عظم ساعده ومن المؤكد انها كسرت العظم. لوى ذراعه تحت مكان الاصابة فارتدت ذراعه بسهولة اذ كانت مهشمة. جز القناص على اسنانه لشدة الألم. ثم اخرج صندوق العدة الطبية التي معه ممزقا العلبة بسكينه. كسر عنق زجاجة اليود تاركا السائل اللاذع يقطر في الجرح. سرت في جسده رعشة من الألم الشديد. وضع رزمة القطن فوق الجرح ولفها بالشاش وربط أطرافها مستعينا بأسنانه. ثم استلقى بهدوء مستندا الى سور السطح وأغلق عينيه محاولا بأقصى جهده أن يتغلب على الألم.
كان الشارع في الأسفل هادئا. المصفحة انسحبت بسرعة عبر الجسر فيما كان رأس المدفعي ما زال متدليا بلاد ادنى حياة فيه على برج العربة وجثة المرأة العجوز كانت ملقاة بلا حراك في مزراب الشارع.
استلقى القناص لفترة طويلة بلا حراك ليعتني بذراعه المصابة ويخطط للهرب من ذلك المكان. حري به ان لا يبقى جريحا على هذا السطح عند طلوع النهار. إلا ان عدوه على السطح المقابل سد طريق هروبه. عليه ان يقتل ذلك العدو إلا انه لم يعد قادرا على استخدام بندقيته. عليه ان يقتل خصمه بمسدس. ثم انه سرعان ما اتى بخطة. خلع قبعته ووضعها على فوهة بندقيته. ثم رفع بندقيته ببطء صوب الاعلى فوق سور السطح حتى صارت القبعة بادية للعيان من الطرف المقابل للشارع. فورا دوى صوت بندقية واخترقت رصاصة قلب القبعة. حنى القناص بندقيته نحو الأمام فسقطت عنها القبعة الى الشارع، ثم أمسك القناص بندقيته من وسطها ورمى يده اليسرى فوق السور تاركا اياها ان تتدلى دونما أدنى حراك. وبعد لحظات قليلية ترك القناص البندقية تقع من يده لتسقط في الشارع. ثم انه غاص في أرض السطح ساحبا يده معه.
دبّ القناص بسرعة على قدميه وحدق من زاوية سور السطح. لقد نجحت خطته. فحين رأى القناص الاخر القبعة والبندقية تسقطان اعتقد انه قد قتل عدوه. كان الآن يقف منتصبا أمام صف من أغطية المداخن وينظر عبر الشارع فيما رأسه يظهر بوضوح من الناحية الغربية.
ابتسم القناص الجمهوري ورفع مسدسه فوق حافة السور. كانت المسافة بحدود خمسين مترا- ولكن الاصابة كانت غير مضمونة في ذلك الضوء الخافت وفيما ذراعه اليمنى تؤلمه كأن بها ألف عفريت. صوب بثبات نحو هدفه إلا ان يده ارتعشت لشدة لهفته. زم القناص شفتيه وأخذ نفسا عميقا عبر منخريه وأطلق النار. دوي الطلقة كاد ان يصيبه بالصمم واهتزت يده من ارتداد المسدس. وحين انقشع دخان المسدس حدق القناص الى الطرف المقابل ثم صرخ بابتهاج. لقد اصيب عدوه وكان يترنح على سور السطح ويتلوى في سكرة الموت. حاول ان يثبت قدميه على ارض السطح إلا انه كان يهوي الى الأمام ببطء وكأنه في حلم. سقطت البندقية من يده وارتطمت بالسور ثم هوت لتصطدم بالعمود الاحمر والازرق الحلزوني على باب محل حلاقة في الأسفل ومنه لتهوي وترتطم بالرصيف.
وسرعان ما تبع تلك البندقية ذلك الرجل في نزعه الأخير الذي انهار وتهاوى نحو الامام ليسقط ويتقلب في الجو مرة تلو مرة ليصطدم بعدها بالأرض محدثا ارتطامه صوتا مكتوما ليستلقي عندها الجسد بلا ادنى حراك.
نظر القناص الى جسد عدوه وهو يهوي ساقطا فاعترته رجفة وماتت شهوة الحرب بداخله وتملكه الندم. تجمد العرق حبيبات على جبينه. أرهقته اصابته وذلك اليوم الطويل الذي قضاه بلا طعام في المراقبة من على سطح ذلك المبنى. أحس بالغثيان من منظر جثة عدوه المهشمة. اصطكت أسنانه، أخذ يبربر ويتمتم في نفسه شاتما الحرب، شاتما نفسه وشاتما الجميع.
نظر الى المسدس القاتل في يده فشتم مجدفا وقذف بذلك المسدس من يده ليقع على أرض السطح بين قدميه. انطلقت رصاصة من المسدس عند اصطدامه بالأرض وأزت قرب رأس القناص. أرعبته الصدمة وردت له مداركه التي أعماها الغضب، هدأت أعصابه وتبددت غمامة الخوف من عقله، فضحك.
أخذ قارورة الويسكي من جيبه وتجرع كل ما فيها. صار متهورا تحت تأثير الكحول. قرر أن يغادر السطح فورا وأن يبحث عن قائد كتيبته ليلتحق به. عم الصمت كل ما حوله. ولم يكن من الخطر التجول في الشوارع. التقط مسدسه ووضعه في جيبه. ثم حبى عبر منور البناية الى المنزل الذي تحتها.
حين وصل القناص الى الزاروب المقابل للشارع تملكه فضول جامح بأن يعرف هوية القناص العدو الذي قتله لتوه. قال لنفسه انه أيا يكن ذلك الشخص فانه كان قناصا ماهرا. تساءل في نفسه ان كان يعرفه من قبل. لعله كان يخدم معه في كتيبته قبل ان ينقسم الجيش. قرر أن يغامر وأن يعبر الشارع ليلقي نظرة على عدوه القتيل. نظر من ناصية الطريق صوب شارع أوكونيل. كان يمكن سماع دوي الاشتباكات العنيفة في الطرف الأعلى من الشارع ولكن في هذا المنطقة كان كل شيء هادئا.
اندفع القناص عابرا الشارع فمزق رشاش الأرض حوله بوابل من الرصاص. لكنه نجى راميا بنفسه الى الأرض بجانب الجثة. توقف الرشاش عن اطلاق النار.
عندها أدار القناص جثة عدوه واذ به يحدق في وجه أخيه.

ترجمة عن الانكليزية: عماد خشان