فصل من الرواية الجديدة للكاتبة السورية لينا هويان الحسن “الذئاب لا تنسى”

لينا هويان الحسن 9
لينا هويان الحسن وروايتها الجديدة الصادرة عن دار الاداب

كانت وَنْسَة، واحدة من الراهبات الثلاث بعمائمهنّ وأغطية رؤوسهنّ، والمرتديّات ثيابًا طاهرة من الرأس إلى القدمين، يكمِّلن الصورة. يتحرَّكن كالأشباح التي لا أجسام لها، يزرن المزارات أو يجلسن يفتلن بمغازلهنَّ، ويجدلن صوف خروف أبيض، يصنعن خيوطًا لعباءاتهنّ، أو قطنًا أبيض لفتائل المصابيح.
كلّ صباح ينطلقن في رتل أحاديٍّ، مع رئيسة الدير، في رحلة حجٍّ حول الكثير من المزارات، يقبِّلن الحجارة بورع، بينما يجتزنها حافيات.
ذات مرّة، كانت وَنْسَة تمشي وراء سيِّدة الدير، فأغرتها أزهار شقائق النعمان، انحنت بعجل واقتطفت بضع زهرات، وشكَّلتها بعمامتها. عندما انتبهت رئيسة الدير لما فعلته وَنْسَة، خمَّنت أنَّ الفتاة صاحبة العينين الواسعتين والأهداب المثنيَّة للأعلى تتذكَّر أفراح الأعراس والدبكات التي هجرتها إلى الأبد.
كانت رئيسة الراهبات لا تثق مطلقًا بنساء تتثنَّى أهدابهن للأعلى، وكذلك حاجبا وَنْسَة يشبهان هلالين مقلوبين، وهذا ينبِّئ عن امرأة عاطفيَّة وكذلك بشفتيها الممتلئتين، وأنفها المكوَّر كأنف طفل، وأصابع يديها الممتلئة.. كلّها صفات تدلّ على امرأة حسيّة.
كانت الشمس تتحكَّم في برنامجها اليوميّ، دون أن يخبرها أحد قطّ أنَّ الرجل المدفون في المعبد «عُدَيْ بن مسافر»، الذي تخدمه، وُلِدَ حوالى القرن الحادي عشر في بعلبك، المدينة التي كانت تحتضن معبدًا عظيمًا للشمس.
تمرّ وَنْسَة بورع كبير أمام ذلك النقش النافر للحيَّة السوداء، في ذلك الوادي الذي يُسمع فيه خرير كثير من الجداول.
كانت تخرج من تلك الغرفة المخصَّصة لحفظ الخبز المقدَّس، والتي يحميها نحت بارز لأُسودٍ يقابل واحدها الآخر بفكَّين مفتوحين، لم تكن تعرف أنَّه في ذلك اليوم الذي اختارتها راهبة الدير لمرافقة سيِّدة أجنبيَّة، تزور المعبد وترسم نقوشه برفقة رجل بدويٍّ مسلَّح يحرسها بحذر، أنَّه سيتغيَّر مصيرها.
لم يُحرِّك ذلك البدويُّ الأسمر ساكنًا، بينما الراهبة المبتدئة تمرّ قرب الشابِّ البدويِّ، ظنَّت أنَّه سيفسح لها مكانًا لتمرّ، لكنَّه ظلّ في مكانه. وجدت نفسها تقريبًا بين ذراعيه. لذعتها حرارة جسده. هل تعمَّد ذلك؟
كانت ترافق السيِّدة الإنكليزيَّة الشاحبة، وهي ترسم الواجهة الغربيَّة من المعبد في الفتحة فوق الباب، هناك صورة لقرص الشمس الملتهب، وهذا القرص يحتوي في داخله هلالًا ونجمة خماسيَّة، وعلى كلا الجانبين نقوش باللُّغة العربيَّة، تسجِّل أسماء المانحين الذين رمَّموا أو أعادوا بناء المكان.
كان يراقبها من بُعد، وهي تأخذ السيِّدة الفضوليَّة في أنحاء المزار. ابتسم لها وهي تثبِّت عقربة كبيرة برزت لهم على نحو مفاجئ بين عصاتين، وبعناية كبيرة ثبَّتت العقربة ونقلتها خارج أرض المزار. وهي تشرح لهم أنَّه لا يجوز أن يُقتل أيُّ مخلوق في ذلك المكان المقدَّس. وفي الخارج، حيث بقعة أقلّ قداسة، أطلقت سراح العقربة مبرِّرة ذلك بقولها: لم تؤذ أيًّا منّا، فلِمَ نقتلها؟!
ذات اليوم، مساءً، تسلَّلت باتّجاه مزار ينتصب على سفح تلَّة مطلَّة على مزار الشيخ عُدَيْ، حيث تتناثر عدّة مزارات أُخرى مبنية بالحجارة دون أبواب، لكنَّ ثمّة مزارًا بعينه اسمه مزار العقرب، مزارًا مزيَّنًا بصورة للشمس، يحوي قرصها الداخلي ثلاثة عشر شعاعًا، وبجانب الجدار الشماليِّ للمزار تنمو شجرة بطم قديمة يُقال إنَّ لأوراقها خاصيَّة شفاء عجيبة من أمراض العيون؛ ومقابل تلك الشجرة هنالك الجدار الذي حُشيت فراغاتُه بحجارة وحصيّات صغيرة، يضعها الزائرون وهم يتمنُّون أُمنية.
بدقّة، ثبَّتت وَنْسَة حجرًا صغيرًا في إحدى الفجوات، وتمنَّت أُمنيتها.
ولضمان تحقيق أُمنيتها، كان عليها أن تقطع ممرًا شبه تحت أرضيّ لتصل مكانًا آخر، يُقال إنَّه أيضًا يحقِّق الأمنيّات.
شجرة توت ضخمة يندفع من تحتها شلّال ماء هادر، وقبالتها غرفة كبيرة مقنطرة في جدارها الشرقيِّ حفرة، يُعتقد أنَّه إذا وقف شخص على بعد حوالى خمسة عشر خطوةٍ، ومدّ ذراعيه ويديه أمامه وأغلق عينيه، وخطا إلى الأمام على نحو أعمى، ونجح ثلاث مرّات في إدخال رؤوس أصابعه في الفجوة، دون لمس الجدار نفسه، فإنَّه سينال أُمنيَّته. فعلت وَنْسَة كلَّ ذلك لتضمن تحقيق أُمنيتها المحرَّمة.
في تلك الليلة، وخلف كومة كبيرة من خشب السنديان مكدَّسة ومحفوظة بعناية في مكان جافٍّ من أجل شيِّ لحم العجل الضحيَّة في موسم عيد الخريف الكبير، خلف تلك الكومة، رماها الشاب البدويُّ، وأضطجع فوقها. كادت تذوب تحت حرارة جسده. رمى بكامل ثقله عليها. في تلك اللّحظة، احتارت أيَّ مزارٍ لبَّى أمنيتها بتلك العجلة! هل كان مزار العقرب؟ أم تلك الفجوات بين الجدار المقابل لشجرة البطم؟ أم شجرتا التوت؟! لم تفكِّر كثيرًا بحقيقة من كان وراء تلك اللّيلة، خلف خشب السنديان. عندما نهضت، علمت أنَّها تحوَّلت إلى امرأة، وأنَّه لا مكان لها بين الراهبات.
فجرًا، كانت قد هربت مع ذلك الشابّ الذي لم يضيِّع وقتًا وجلبها لمنزل عمِّي، ليبدأ مفاوضات مع أهلها ويفلح بالارتباط بها شرعًا. لكنَّه لم يتلق جوابًا أبدًا. فقط الرصاصة التي أطلقها ابن عمّ وَنْسَة الذي حُرم منها لتكون راهبة الدير. كانت خائنة في نظر الجميع، وتستحقّ الموت. لم يُغفر لها قطّ، بعد أن يئس حبيبها البدويُّ من الانتظار، تزوَّجها شرعًا. كانت تسقي شجيرات رمّان قرب منزلها المبنيَّ حديثًا من الطوب، تحمل طفلًا في أحشائها، عندما تلقت رصاصة النهاية.
لم تكن وَنْسَة تأكل البامياء واللّوبياء والخسّ والفول، والسمك أيضًا حرام، إذ لا يمكن ذبحه. ظلَّت تتقيَّد بكلّ تعاليم دينها حتى آخر لحظة في حياتها.
في بيت عمِّي، كانت مهمّة وَنْسَة تحميص القهوة وطحنها وتحضيرها. لم أر يومًا أبرع من وَنْسَة بتحميص القهوة!
لقهوتي الآن رائحة غير رائحة قهوة وَنْسَة، أو قهوة جدَّتي. القهوة أُنثى تحمل رائحة من تعاشر، تصنِّف الروائح، تبعثر رائحة الفرح وتتلقّى رائحة الحزن المختلف، وتنثره كعطر كأنَّه يحضننا، ليحصي النهايات ويعيد بدايات كلِّ شيء، بطريقة مغايرة.

***

المنظار لصيق بيديَّ وعينيَّ. أراقب الطرقات. في النهار، أشرد قليلًا مع الأمداء والسراب. وفي اللّيل، أسمح لنفسي برفع المنظار إلى أعلى، حيث النجوم. عندما يفني البشر هذا الكوكب الجميل، سيدركون أنَّهم هم ومعاركهم واختراعاتهم وسياساتهم، ودولهم وأحزابهم وأديانهم، لم يكونوا إلَّا حدثًا عابرًا في هذا الكون اللّامحدود. لا أحد يريد أن يبصر حقيقة أنَّ الأرض ليست إلَّا أحد الكواكب التابعة لأحد أصغر النجوم. في درب التبانة، نجوم لا يعنيها في شيء أن تجعلنا سعداء أو تعساء. غالبًا، سيكون قد فات الآوان، عندما يفكِّر بنو البشر بصدق وواقعيَّة بشأن مكانتهم الضئيلة في هذا الكون.
آخر خبر سمعته في النشرة الإخباريَّة حول مذَنّب يمرّ قريبًا من الأرض.
كيف لمذَّنَّبٍ أن يمرّ قريبًا من كوكبنا ولا يفنيه؟ كيف يقاوم فكرة أن يكون مذنَّبًا مدمِّرًا ومخرِّبًا، وهو مذنَّب خائبٌ اجتاز الكون سدى.
في اللّيل، سكون كامل، لولا بعض رشقات الرصاص التي تلطِّخ سكون الصحراء، اعتدنا سماعها، ما دام الصوت بعيدًا، فإنَّنا لا نكترث بمعرفة سببها أو مصدرها.
بين وقت وآخر، يعبر السماء نيزك مستعجل، وفي تلك اللّحظة يحقّ لك أن تتمنَّى أمنية، أمنيتي الوحيدة: الأمان. أسأل مرام على عجل عن أُمنيتها، تقول بهدوء المستسلم: «أن يأتي يوم وننسى كلَّ هذا القهر».
لا تسلك النيازك الدروب نفسها، لكنَّها تحترق بالسرعة عينها.
هل حقًّا يخبِّئ هذا الكون الساحر دفتر حسابات كبيرًا؟! أم سلامًا كبيرًا؟
لو نتعلَّم من المذنَّبات كيف تسير وتشقّ مسارها، تحرق كلّ ما في طريقها لتكمِّل خطّ سيرها.. ولو أنَّنا نتعلَّم من النجوم كيف نغادر، كيف ننطفئ بأناقة، كيف تنتهي سيرتنا ونحن في عزّ التوهُّج واللَّمعان، نموت ونفنى بينما يظلّ ضوؤنا في مكاننا، يراه الكون.
يجلب وائل بعض الفطائر المحلَّاة، أرسلتها لنا خالتي، مع الشاي، ثمَّ السجائر. ننفث دخّانها هناك بين تلك الأدغال الغامضة في داخلنا، دغل الصور الأولى في حياتنا، ودغل الأصوات، ودغل الروائح. فجأة، تحضر صور الماضي على عتبة الحاضر كحصان يحمحم، يخرج ياسر من صورته المعلَّقة على الحائط، طفلًا يمدّ لسانه للصورة، مع ابتسامة عريضة. جميعنا لقَّننا أبي الدرس الأوّل: ابتسموا، لم يكن لـ«يَتُكَّ» زرّ الكاميرا قبل أن يرى ابتساماتنا. تعلَّمنا ثمَّ تعوَّدنا أن نبتسم لكلّ الصور المحتملة، حتى لو لم يكن أبي من يقف وراء العدسة، إنَّه تأثير العدسة الأولى التي ننظر إليها، عدسة أبي، التي أبتسم لها.. أبتسم لأعتى الولاءات، الولاء الأول لعدسة أبي، وهو يقول لي: ابتسمي.

linahawyanal@yahoo.com