قصائد للشاعرة الايطالية زِينغونيا زينغوني ترجمة خالد الريسوني

Zingonia Zingone 5
زِينغونيا زينغوني Zingonia Zingone

نداء الوردة

II

الأميرُ يُحِبُّ الوردةَ ويعرفُ شذاها.
يعبر بدقة محيطها المتعرج.
يلاعب التويجات، ويشق الجبل،
يعض على الثمرة تينة المرجان القرمزية.
يغمر وجهه في الأمواج، يغرق
جسده في الجسد، يا لشيطان!
مع إلحاح حاجة متسول.
والذاكرة أثره الشره.
يجهل الأمير الجوهر،
اللغز. هو مجرد مصاص دماء
مدمن على الحب
لا يستطيع أن يفعل أي شيء آخر.
خلال النهار يُضَيِّعُ تاجَه،
ويعود إلى العزلة،
يداعب الذاكرة.
ويتباهى من بِبَتلات من حنينها.

VII

أشعارُ خليلٍ
تتحدثُ لغةَ الصَّراحَة.
ليس ثمَّة سهمٌ أدقُّ في ضبْط مواعيدِهِ
من كلِمَتِه المُلقاةِ في الصَّمت.
هَبَّةٌ تأتي نقيَّةً
تتحولُ إلى حِبْرٍ وتُطْبَعُ
على البَياض.

عمَّ يبحثُ خليل؟

XVII

سربُ طيورٍ يَرسمُ الطريق.
خَليلٌ يرفَعُ عينيهِ. والغيومُ تنادي على المَطَر.
ينتصرُ الاخضرارُ الاستوائيُّ، خصبُ
الأرضِ المُبتلة.
يتنفَّسُ خليلٌ متحرِّراً من الظلال
ومثلَ زهراتُ عُبَّادِ الشَّمس من يديه تولدُ
أشعارٌ مِنَ الضوء.
برقٌ يَنثرُ السَّاعاتِ
صَواعِقَ لامتناهية من كوكب الزهرة.
ينتظرُ خليلٌ متحرِّراً من الظلال.
تُوَحِّدُ الصَّواعقُ غناءهُ،
وتصْهرُ ضَوْءَهُ في نارٍ واحدةٍ.
يستَمرُّ خليلٌ في مَوْضِع زهرة اللوتس.
تُزهِرُ في حقولهِ امرأةٌ.
هيَ المرأةُ التي تحملُ في أحشائها بذرةَ الحُب.

 

أ

 

 

جراس الذاكرة

I

في زاوية من الليل
تحتضن طفلةٌ ساقيها،
تترنَّحُ في نشوةٍ وتبكي.
تنحدرُ الدُّموعُ
على أطرافِ الجسد،
وتقع على الشَّارع المُغبرّ
لفصْلِ شتاءٍ بلا مطر.
تلوحُ وحوشٌ
بِوُجوهٍ بشريَّةٍ،
تسرقُ صرخةَ رُعْبٍ،
تكمِّمُ فمَها الصَّغيرَ
فمَ قرنفلٍ مشتعلٍ وتستمْتِعُ
باللذةِ اللعينة ذاتها
التي تُضِيءُ وجهَ الشيطان.
تُغمِضُ عينيها، وتحتمي
في عتمة الألم،
تخدشُ فخذيه مثل قطٍّ مخدوعٍ،
وتُغْرقُ وجْهها في الهاوية.

III

تضَعُ الذَّاكرَةُ الزَّمنَ في قفَصٍ.

V

ثُرَيَّا تبيعُ جسدها، وتشتري
الفرحَ. تبيعُ الفرحَ، تشتري
النِّسيانَ. تطردُ الأرواحَ الشرِّيرَةَ عنِ الحَاضِرَ
وهيَ تُسَمَّرُ على صَليب الشَّهْوةِ،
شهيدةَ اللذَّة والإغماءِ.
شبقٌ شبحيٌّ يَسكُنُها
ويُفزعُها، بذرَةُ مقذوفةٌ بمَنْجنيقٍ
تلك التي جَلبتْها إلى هذا العالم.

XII

هيَ تتعقبُ الخفقان المُنَوِّمَ
لجفنَيْها ومثل تعويذة
تكررُ على طَرفي شفتيها
أشعاراً لا تعرفُها:
“كلُّ ما يُقامُ به تحت الشمس
يمتلكُ وقته.
ثمة وقت للولادة ووقت للموت […]
وقتٌ للقتل ووقتٌ للشفاء […]
وقتٌ للبكاءِ ووقت للضحك […]
الوقت للبحث ووقت للخسران […]
وقت للتمزيق ووقت للخياطة.
الوقت للصمت والوقت للكلام.
وثمة وقتٌ للحبِّ ووقت للكراهية.
وقتٌ للحربِ ووقتٌ للسَّلامِ”
هيَ تتعقبُ الخفقان المُنَوِّمَ
لجفنيها. عند انزلاقها
عبر حافة الجسر، تستمعُ
إلى خفقانٍ في صدرها
في غيرِ أوانِهِ،
الخفقانُ المُتنافرُ لِلحياة.

 

نهرٌ خفيٌّ

IV

تتعثَّرُ الصَّحراءُ بِالطَّريقِ
والشَّفافيةِ.

VI

باسمٌ لا يَسألُ
“أين أبي.”
أمُّهُ تَنسُجُ وتحْفظُ القُماشَ
في صُندوقٍ مِن الصَّدَفِ.
وبين الخُيُوط تدفنُ ذِكرى.
يقفزُ الطفلُ إلى الحبل ويعدُّ واحدٌ، اثنان، ثلاثة…
تترنَّحُ نخْلَةٌ في التُّخُومِ،
تَفْصِلُ التندرة عن الرِّياحِ العاتيةِ،
العُيونُ المبللةُ لامرأةٍ
في الانصرامِ المُؤلمِ للسَّاعاتِ.

X

ينأى الطفلُ عن القبيلة.
يمشي عبر الكثبان ويبكي.
يبحث عن عزاء في الصحراء.
عبْرَ المسافةِ تتلفظُ أمٌّ باسْمِهِ.
لكنه يبصقُ الحُبَّ والكراهية، اللامبالاة
عديمة الرحمة التي تخلقها الرغبة.
وعبر المسافة تصرخُ أمٌّ -أيا بَاسِمُ! –
يبتلعُ
العنادُ صدى صوته.
أحشاءٌ خلقَتْ بكائي الضَّئيل،
هي اليومَ
نهرُ الرَّغبة اللامُنْعتِقُ.
ها موجاتُ الفراغ تبتلعُ
آثارَ دموعِهِ.

XIV

في الأندلس يعيش فتىً
اسمُهُ بَاسِم. على وجهه
تلتمعُ ابتسامةُ الزَّمنِ الآتي.
يركعُ أمام مذبح العذراء الحُبلى بلا دنسٍ.
في يده اليمنى، سبْحَة.
وحَبَّة حبَّة يستلُّ خيوطَ
دثارٍ طويلٍ، فيُحرِّرُ
الفراشَة العَالقة في الصَّحراء.

يرقصُ الرَّملُ على إيقاعِ نَفَسٍ

ستارةُ هِمَمٍ تفصِلُ أمّاً
عنْ طِفلها. يلعبُ باسمٌ يلقي بذرةَ
تمرٍ، يقفزُ مِنْ على الأرضِ
على ساقٍ واحدةٍ، ثُمَّ على السَّاقينِ كلتيهما،
متجنبا حوافيَ وارتياباتٍ،
غايتُهُ السَّماءُ.
يسقطُ الطفل وينهضُ. يعودُ إلى الأرض.
يلقي مرة أخرى بذرة تمرٍ
ويحْدسُ أن الحياة تُحْيا بقفزاتٍ،
بهلوانُ الوَهدَاتِ الصَّغِيرُ.
خفقانُ أمٍّ في الصحراء،
أنينٌ مدفونٌ في الرِّمال.
الامتدادُ الحيويُّ لِرَجُلٍ،
الثَّمَرَةُ التي تنمو بالتهامها
والتي تُلْتهَمُ مِراراً وتكراراً.
تتأرجحُ أبعادُ الزَّمنِ
بين النَّجمةِ الأولى للغروبِ
وَطفلٌ يصرخُ: “الحجلة!”

 

 

Zingonia Zingone
زينغونيا زينغوني: (لندن، 1971) شاعرة وكاتبة ومترجمة تجيد الإسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية، نشأت بين كوستاريكا وإيطاليا، وهي تعيش في روما وتكتب باللغة الإسبانية، أصدرت العديد من الدواوين الشعرية: “قناع الهذيان” 2006، “احتضار كوني” 2007، “بهلوان النسيان” 2012، “حوادث غرق في الصحراء” 2013. نشرت بعض أعمالها في العديد من المجلات والأنطولوجيات، وترجمت أجزاء منها إلى لغات عديدة: الإنجليزية والصينية والهندية والكنادية والماليالامية والألبانية، ترجمت إلى الإسبانية: “فزع فينوس” للشاعر الهندي هيمانت ديفات، “الصليبُ طريقٌ” للشاعر الإيطالي دانييلي مينكاريلي…

خالد الريسوني شاعر ومترجم مغربي، ولد في 5 يناير 1965 بالدار البيضاء, حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1983، يشتغل أستاذ اللغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون سنة 1989.وقد التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986.توزع إنتاجه خالد الريسوني بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبية. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية مثل: المحرر،العلم،البيان،القدس العربي،نزوى، نوافد..إلخ. يعد الاشتغال على الترجمة،رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية للشعراء الإسبان، وشعراء أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:ــ
الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000
مختارات من قصائد أنخيل غونثالث/ ترجمة: خالد الريسوني – مزوار الإدريسي، منشورات معهد سرفانتس، طنجة – المعهد الإسباني Severo Ochoa، طنجة، 2001
يومية متواطئة / لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة 2005
لالوتانا الأندلسية،رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو،عن دار ( ليتوغراف ) للنشر بطنجة 2009
وكان آخر ما أنجزه الريسوني العمل الشعري لكلارا خانيس والموسوم بـ “زوايا اختلاف المنظر”، و”خلوات وأروقة وقصائد أخرى” للشاعر المرموق أنطونيو ماشادو

raissounikhalid@hotmail.com