حياة الرايس من مذكرات طالبة تونسية في بغداد

حياة الرايس كالتبة من تونس 1
حياة الرايس

“زمن سريالي للحرب والحبّ “
فصل من رواية سيرة ذاتية “عن بغداد”
مذكرات طالبه تونسية ببغداد

كنا مجموعة طالبات تونسيات: منية جلال ومنية الجزيري وسلوى التارزي وأنا وكان لنا صديق طالب تونسي هو احمد السالمي نعزّه كثيرا ونقدره اكبر تقدير. كان أحمد بمثابة الاخ الاكبر لنا يرعانا ويسهر على راحتنا، خدوما جدا، كلما احتجنا شيئا… كان الاسرع في الإتيان به، مما يخجلنا في كثير من الاحيان… وكان احمد يعيش قصة حب منذ سنته الاولى بالجامعه مع سمر الطالبة العراقية… ولكنها قصة مأساوية ذلك ان والدها لم يقبل ابدا فكرة ارتباط ابنته بطالب غريب وحيد في العراق ليس له اهل ولا شغل… وما كان ذلك إلا ليزيدهما اصرارا وتعلقا ببعض. وفي نهاية السنة الجامعية سنة التخرج بدأ الوضع يتازم اكثر: اذ أحسّ كل منهما ان النهاية قرّبت والمصير مازال معلقا بيد الأب الرافض للزواج.. جاءنا احمد وطلب منا ان نذهب الى بيت سمر ونخطبها له من اهلها بصفة رسمية، ما دام اهله ليسوا في بغداد وانه يعتبرنا أخواته واكثر.
كانت الحرب العراقية – الايرانية على أشدّها في شهر يونيو (حزيران) والحرّ على اشدّه والجو غير مناسب ابدا، لكننا لم نكن نستطيع ان نرفض لأحمد طلبا. اذ كنا نعيش معه أزمته وسمر التي احببناها نحن ايضا لسماحتها وطيبتها وحسن معشرها وقد كانت آية في الجمال (رحمها الله): بضّة، بيضاء، بشعر أسود، طويلة، ممتلئة، حنون فيها شيئ من أمومة فائضة وحنو جعلنا نتعاطف معها ونحاول فعل المستحيل لتكون لأحمد ونحن نعرف مدى حبّها له.
في يوم قائض ككل أيام بغداد في مثل هذا الفصل قرر احمد ان نخرج الى بيت سمر الذي يقع في مدينة “سلمان باك” في قضاء المدائن بعدما اجلنا الموعد عدة مرات بسبب القصف ولكن نظرا لحالة احمد المتوترة طاوعناه وخرجنا ثلاثتنا الى هناك: احمد ومنية جلال وأنا.
جاء احمد الى القسم الداخلي ليأخذنا صباح ذلك اليوم فوجدنا في اتم اناقتنا وزينتنا ابتهاجا واحتفاء وتفاؤلا بهذا الحدث رغم كل شئ.. انطلقت سيارة التاكسي البيضاء تشق شوارع بغداد لتصل قضاء “المدائن “عاصمة الساسانيين سابقا التي تقع على بعد 32 كيلومترا جنوب شرق بغداد على نهر دجلة، حيث يوجد “مجمع المدائن السياحي” الذي بني ايام السلم (اواخر السبعينيات) وكم كنا قد استمتعنا به وفي اجنحته وخاصة المسبح الاولمبي ومرحنا به وتراشقنا بمياهه… وكم كنا نزاحم الاطفال في حدائق اللهو الغناء المخصصة لهم… ايام الجُمع وفي العطل وقد كانت أسعاره زهيدة وفي متناولنا كطلبة. كما كانت الكثير من العوائل تأتي إلى هذا المجمع خصوصا أيام العطل الرسمية والدينية، حيث اعتاد البغداديون قضاء اليوم الذي يلي عيدي الفطر والأضحى والذي يسمى بـ”الكسلة” في هذا المكان، والكل يردد الأهزوجة الشعبية ” المايزوره لسلمان عمره خسارة”…. وسلمان هذا هو قبر سلمان الفارسي، صحابي الرسول محمد (ص). كان يقع على ضفاف نهر دجلة الخالد، وسط غابات من أشجار الحمضيات التي تشتهر بها المنطقة وأشجار النخيل، وعلى مسافة لا تبعد عن طاق كسرى أكثر من كيلومتر واحد.
أما الآن ففد كسدت الحركة نظرا لظروف الحرب. وكم كنت اتمنى في داخلي لو اننا ذاهبون في زيارة سياحية لنقف على اثار ايوان كسرى انو شروان وقد بدا السائق يحدثنا عن بانوراما القادسية التي تجسد معركة القادسية بالضوء والصوت ذات التقنيات العالية وربطها بالحرب العراقية – الايرانية على مقربة من الايوان بنفس الموقع الذي شهد انتصار المسلمين على الفرس في معركة القادسية، حيث سار الجيش بقيادة سعد بن أبي وقاص نحو المدائن، وبمجرد رؤيتهم لإيوان كسرى تذكروا وعد رسول الله لهم بفتح إيوان كسرى، فحاصر سعد المدينة في ذي الحجة سنة 14 هـ، هرب أصحاب القصر، ودخل سعد وجيشه المدائن والقصر الأبيض. وبالمدائن مرقد الصحابة سلمان الفارسي وعبد الله الأنصاري وحذيفة بن اليمان، وان اقف على اثار الساسانيين.
لكننا الآن، نحن ذاهبون في مهمة “رسميّة”. وقد استوينا جالسين في سيارة التويوتا الفخمة الطويلة بكامل اناقتنا، بما يليق بالتونسيين الخاطبين الراغبين في بنت الحسب والنسب “سمر” العراقية…. تشيعنا زغردة الرصاص من منطقة لتستقبلنا صافرات الانذار في منطقة اخرى. وعجلات السيارة تطوي الطريق الملتهبة فوق الاسفلت، المصهور بحرارة شمس بغداد التي لا تطاق، على ايقاع أغاني الحرب تنبعث من الراديو بصوت صلاح عبد الغفور يهز ارجاء التويوتا زهوا ونخوة… والسائق يردد معه بحماس ملتهب :
“تقدّم واحنا وياك اثنين… جيشين لصدام حسين
تقدّم كل الشعب وياّك وعَلُّي الهيبه لهاي القاع
ورُدّ الدين لراية سعد و….. واولاد القعقاع″
موكب سريالي يسير تحت القذائف مما يشعل الجواكثر فأكثر و”حرارة بغداد لا تطاق بأيام السلم فما بالكم بأيام الحرب؟” يقول احمد. وقد صرنا بعزّ الظهر…. كأنما الهبت شمسها الحارقة الرصاص الملعلع في الجو واوقدت شمسها القاتلة اشتعال الحرائق… اضيف لكلام احمد مخففة وطأة الجو: “قد عرفنا نحن نار الحرّ والحرب ولكن وحده احمد يعرف نار الحبّ “… يضيف أحمد ورفض الحجّي جحيم آخر… والعمُّ صاحب التاكسي يكرّر الشريط ويعيده كلما خلص منسجما تمام الانسجام مع قادسية صدام اوربما هو يحتمي بها من اصوات القذائف وليستطيع ان يتقدم بنا اكثر وصلاح عبد الغفور يعود معه ملعلعا بصوته
“تقدّم واحنا واياك اثنين جيشين لصدام حسين “…
همست لمنية بجانبي : “عبالك رايحين الجبهة مو لخطبه؟” انفرطت منية من الضحك: “صرت تحكي عراقي انت ايضا ؟..
قلت لها :”خوش آني اتدرب على الحجي العراقي على مود يقدر الحجي يفتهم علينا زين.”
ثم وجهت صوتي نحو السائق:” تدري عمّو انو احنا رايحين نخطب في هاليوم المشهود” ؟ التفت إليّ السائق بعدما اخفت صوت المسجل اخيرا… “ع الخير ان شاء الله. الله ويّاكم. مبارك عليكم ” قلت له لكن عنّا مشكله:” البنيّه العراقية اللي رايدينها، ما يقبل ابوها يزوجها لها لشاب التونسي الحليوه اللي جالس يمّك. بشرفك موحرامات….؟ “
التفت العمّو الى أحمد بجانبه وكان احمد وسيما وخجولا… وقال متواطئا :” ايه والله خوش ولد. بشرفي لو عندي بنت جنت انطيت اياها حتى من غير موافقتها ههههه ” وانفرطنا من الضحك….
قلت له :”لا عمّو نحن ما نريد منك شئ. غير تغيّرنا هالشريط وتحطلنا اغنية فرح ” مدّ يده للجهاز وقال تلك الكلمة العراقية التي تقتلني عذوبة :”تدللين عيني.شنو تريدون تسمعون؟ ترى عندي هواية شرائط. قلت من غير ان افكر ” انت عمري لأم كلثوم ” يمكن لان اعمارنا اليوم على كفة عفريت؟..:”
قالت لي منية فيما بعد :”انا نفسي كنت اردد في داخلي : ألسنا مجانين نسير الى حتفنا؟ “
كان العمّ يبحث في صندوق سيّارته، وكنت اسرع منه مددت له شريطا لأم كلثوم احتفظ به مع اشرطة اخرى للسّت دائما بحقيبتي. أيام كنا نسمع الاغاني من الكاسيتات.
وانطلق صوت ام كلثوم : “انت عمري….” وسرح كل واحد منا في تفاصيل عمره… ووحده أحمد كان عمره بين يدي الحجّي اليوم…

*******

اليوم المشهود

كانت أم كلثوم تملا السيارة حبا واملا وحياة، وتغطي على صوت صافرات الانذار التي اندلعت من جديد، تجاهلناها في الأول وبقينا نتقدم ربحا للوقت حتى وصلنا قرب “مصنع المفاعل النووي” الذي بطريقنا والذي كان مفخرة العراق حينها. والصفير يزداد انذارا ونحن نريد تجاوز منطقة الخطر باكثر سرعة. كأننا نتسابق معه أو نريد ان نفلت منه بطي الطريق طيّا وهذا ضرب من الجنون طبعا اكثر خطرا من خروجنا اصلا، فجأة اعترض طريقنا امام المجمع النووي بعض الحرس من مجموعة من العسكر التي تحرس المكان. هرعوا نحو سيارة التاكسي يصرخون بنا وهم في أشد حالات الحنق والغضب يصيحون بالسائق :” ده ارجع عيني ارجع ارجع لوراء انت ما تسمع ما تفتهم ما تعرف الاوامر ؟؟ شنو انت ما تسمع صافرات الانذار ما تعرف انو اكو غارة ؟؟؟ وكادوا ان يطخونه لعصيانه الأوامر.
كانوا يتقدمون ويصرخون ويحاصرون التاكسي الذي صار يتراجع الى الوراء امتارا وامتارا… في طريق ذي اتجاه واحد وهم يصيحون به وايديهم تلوح بكل عصبية وحنق علامة الرجوع.
تراجع السائق كثيرا الى الوراء حتى لم نعد نرى الحراس. ثم وقفت التاكسي ونزل العمّو غاضبا حانقا منا ومن نفسه يلعن هذا اليوم المنحوس. وامرنا بالخروج من السيارة والاختباء بخندق على يمين الشارع…
نزل هو وأحمد في الخندق المترب الوسخ وقد احتوى كل انواع النفايات، وأبينا ان ننزل انا ومنية بل احتمينا بجنب السيارة الطويلة وكان العمّو يصرخ بنا ويصرخ وفجأة ضاع صوته امام دويّ انفجار رهيب هزّ المكان هزّا… وشاهدت بأمّ عيني لأول مرّة في حياتي، ويا لهول المشهد. رأيت في السماء سرب طائرات حربية تجتاح المكان. تدنو واطئة اكثر فاكثر.. يصدع ازيزها الاذان ويفقد العقول… ووابل قنابل تنزل منها كالمطر على شكل عناقيد…كما كنت اشاهدها في الافلام تماما.
لحظات واشتعل الجو… كان ذلك حذو المفاعل النووي تماما، في ذات المكان الذي كانت السيارة ستعبره بنا، وحيث صدنا العسكر عن مواصلة الطريق.
لم نصدق اننا نجونا. وأننا كنا هناك قبل قليل…وكان يمكن ان نكون هباء الان… صعدنا ركضا مرتفعا غابيّا فوق الخندق هروبا من رائحة الدخان والحرائق والشمس تصهر رؤوسنا.
مرّ مشوار طويل حتى استرجعنا انفاسنا… وعندما هدأت الاوضاع قليلا بدأ مشهد آخر لم نره من قبل: بدات رؤوس تطل بحذر من مخابئها تسال بعيونها هل مرّ الخطر؟ وكان وجودنا فوق الارض رسالة طمأنه لهم، وبدأوا ينتشرون فوق سطح الارض شيئا فشيئا، اخذت الناس تخرج من تحت الارض ومن كل مكان… راينا قامتي شابين بالزيّ العسكري الكاكي الاخضر المرقط يخرجان محنيين دون ان يلتفتا لأحد من جوف قناة مجاري اسمنتية ضخمة فارغة متروكة في هذه الغابة وركضا نحو الطريق العام امام دهشتنا… “إنها لحظة الموت تساوي بين كل البشر.”
وعلى جانب آخر رأينا امرأة بدينة، تزيح عنها لحافا كبيرا سميكا اخضر بلون الاعشاب تحت شجرة عالية وتخرج من تحته… لم ننتبه له نحن ايضا ظنناه ضمن العشب الاخضر سرنا اليها لنقول لها الحمدلله ع السلامة.
بينما كنا كذلك سمعنا اصواتا. رجل وامرأة يخرجان من حفرة واسعة غير عميقة في الارض. المرأة طويلة ممتلئة تلبس فستانا طويلا انيقا اسود كأنها كانت في سهرة وتضع وردة كبيرة حمراء على شعرها. تمسك الة مسجل بيدها ينبعث منها صوت ام كلثوم يصدح عاليا. والرجل يصرخ بها ويهدّدها. يريد ان يكسر المسجل من يدها خوفا ان تعود الغارة. وهي لا تعبا به : “أني أريد اموت وانا ادخن سيجارتي واستمع لام كلثوم ما عليك انت روح بعيد.”
ما ان فهمت الحوار حتى ركضت نحوها ” انت صديقتي الان. لاني مثلك اريد ان اموت وانا استمع لأم كلثوم…. ضحكت اكثر ودعتني الى جانبها وكانت قد استوت بقاعدتها الضخمة العريضة على شبه دكّة حجرية بالمرتفع وهي تدخن بشراهة سيجارة طويلة عرفت انها سيجارة كنت المفضله عندي. ولا ترد على الرجل الذي يصرخ بها ويصيح في شبه خبل وقد كان نحيلا اشعث الشعر جاحظ العينين يصيح بها ان تغلق المسجل وهي لا ترغب. تأخذ نفسا شهيا من سيجارتها وتضحك ويزداد هو جنونا…
توجه لي الرجل بالكلام كأنه يشتكي لي منها قال لي : “ترى هي اللي علّمت علينا وجلبت لنا الغارة بهذه الوردة الحمراء في شعرها والعباس هي التي علّمت علينا ما كو غيرها “…هذه الوردة كانت علامة بينها وبين الطيار الذي رمى القنابل ليقتلني…. انها تريد ان تتخلص مني ” وكان يرغي ويزبد… كان فاقدا لتوازنه ويبعث على الشفقه ورأيت بعينيه احمرارا وشررا….
جذبتني المرأة الى جانبها قالت لي : لا تردي عليه. حرامات هذا تخبل من وقت الحرب زادت شكوكه وصار يتوهم اشياء.
جلسنا كلنا على الدّكة وعلى الارض حول الحفرة. كأننا بعثنا ابناء قبيلة واحده : جماعة ما بعد الغارة. اخرجت المرأة ذات الثوب الاسود والوردة الحمراء علبة السجائر، وقدمت له سيجارة فالتهمها بأصابع مرتعشة ثم جثا على ركبتيه بالأرض بجانبها كحمل وديع… كما وزعت علينا بعض السجائر ايضا
لا اذكر انني دخنت بمثل تلك الشراهة وام كلثوم لا يمكن ان تصدح في مثل هذه اللحظة بغير “انت عمري” وابتديت دي الوقت بس احب عمري.
مكثنا مدة أحسبها عمرا استثنائيا كل يحكي حكايته ما قبل الغارة. ضحكنا كثيرا… تذكرنا الجنديين الذين خرجا من قناة المجاري.
ولكن العم صاحب التاكسي لم يستطع ان يكتم سؤالا بقلبه اكثر قال لنا “لخاطر الله اريد بس اعرف انتو ليش ما كنتوا تقبلون تنزلوا الخندق وقت الغارة ؟ قلنا له “عمّو انت نسيت ان احنا قايلينلك انا رايحين نخطب…..ههههه.
ذهبنا الى بيت سمر واستقبلتنا أمها واختها سعاد المتعاطفة معها وقبل والدها الحاج على مضض بعد محاولات عديدة، زواج ابنته العراقية بأحمد التونسي.
وكان الموت قد خاتلنا جميعا فقد تزوج أحمد وأخذ سمر معه الى تونس. انجبت له بنتا مثل القمر سمياها “تمارا” لكن سمر لم تفرح بابنتها ولم تترب في حضنها بل كفلتها اختها سعاد عندما عاد أحمد بعد حوالي سنة بجثمان زوجته الى العراق وبابنته الرضيعة الى بيت جدها. لأن سمر توفيت بتونس بأزمة قلبية فجاة ومن دون سابق انذار…
كأن ما سرنا اليه زمن الحرب لم تكن نهايته سوى الموت.

كاتبة من تونس
raieshay@gmail.com