“غربان طوكيو” قصة قصيرة للكاتب المغربي اسماعيل غزالي

اسماعيل غزالي 1
اسماعيل غزالي Ismail Ghazali

طالما حلمتْ بالسّفر إلى اليابان. إلى طوكيو تحديدا. لتكتشفَ أمرا واحدا وتعيشَ حالاته المتعاقبة بهوس ولذّة. قرأتْ خبر مسابقة عالمية في الفوتوغرافيا، سيكون موضوعها هو تصوير غربان طوكيو. فجرّبتْ حظّها بإرسال طلبِ الترشّح لذلك الأمر المريب. ستكون ذريعةً سحريّة لو فازتْ و تمكّنتْ من السّفر حتى تحقّق حلمها الخاص، و هذا ما حصل بالفعل. جاءتها الدّعوة لكي تجتاز امتحان الترشّح للمسابقة و فازت ضمن فريق يضمّ أحد عشر فوتوغرافيّا، ستسهر عليهم مؤسسة فنية، لكي ينجزوا مشروع تصوير غربان طوكيو.
قانون اللعبة يتكون من إحدى عشرة مرحلة، و في كل مرحلة على المشاركين أن يلتقطوا الصورة الماكرة والمدهشة للغراب في العاصمة طوكيو. ثمّة لجنة من المتخصّصين هي ما سينظر في جمالية الصور و تفرز بالتدرّج من سيمرّ إلى المرحلة الموالية، حتى يتبقى في المرحلة الأخيرة، متباريان لا غير، أحدهما من سيتوّج باللقب…
عهْدُها بالتّصوير الفوتوغرافيّ يرجع إلى إحدى عشرة سنة، حين كانتْ تعدّ معْرضا عن الفزّاعات، صوّرتْها في أريافٍ أطلسيّة شتّى، و لم يقدّرْ للمعرض أن يتمّ، فخاصمتْ هوايتها و اشتغلتْ في مهنةٍ أبعد ما يكون عن اهتمامها و موهبتها…
هكذا ستمسكُ الآلة بارتعاشٍ بعد إحدى عشرة سنة من الخصام. لم يكنْ هذا ما يؤرّقها، فمجيئها إلى طوكيو، كان هدفه شيئا آخر… و ليكنْ، التصويرُ عبر تلك المسابقة محْضُ ذريعةٍ لا غير.
زمنُ المسابقة لن يستغرق إلا أحد عشر يوما، لهذا خطّطتْ أن تنجز مشروع حلمها في المدّة المطلوبة.
لكلّ مشارك الحقّ في التقاط إحدى عشرة صورة كل يوم، خلال كل مرحلة، و للّجنة أن تختار صورة من صوره الإحدى عشرة لتكون النموذج الذي سيشفع لنجاحه أو فشله. ليس في كل آلة تصوير إلا إحدى عشرة التقاطة بحسب شريط الفيلم المدسوس فيها إذا.
أوّل شيء سألتْ عنه في اليوم الأوّل هو بيت الكاتب ” ريونوسكيه أكوتاجاوا ” ! استغربوا كيف تختار بيت كاتب بدل أمكنة بعينها تعجّ بالغربان في شوارع و حدائق طوكيو… دلّوها على بيت صاحب (راشومون و قصص أخرى )، و هناك ظلتْ لساعةٍ تجوبُ البيت وتتأمله من مجمل الزوايا، و في لحظة مارقة، استرعى انتباهها غرابٌ زائرٌ فالتقطتْ له صورة ً. صورةٌ واحدة هي ما أسفر عنه نهارها، بعد أن قضتْ ساعة واحدة فقط في بيت ” ريونوسكيه أكوتاجاوا ” و عادتْ أدراجها إلى الفندق الذي ينزل فيه المتنافسون. مساء ذلك اليوم استغربت اللجنة كيف لم تلتقطْ إحدى عشرة صورة حتى تضمن حظّا أوْفر على غرار المشاركين، فصورةٌ واحدة محض مجازفة. أُعجبت اللجنة بالصّورة و رشّحتْها للمرور إلى الطور الثاني.
في اليوم الموالي سألتْ عن بيت الكاتب ” كودا روهان “، و ارتابوا في أمرها، فهي تفاجئهم باختيار أمكنة لم تخطر على بالهم. سيدلّونها على بيت صاحب ” المعبد ذو الخمسة طوابق و قصص أخرى “، وهناك ستستغرق زيارتها لبيته ساعة زمن، و في لحظة مارقة لمحتْ غرابا من نافذة و التقطتْ له صورة. كما أمسها اكتفتْ بصورة واحدة استلطفتها اللجنة و رشّحتها للعبور إلى الطور الثالث…
في اليوم الثالث ستسأل عن بيت الكاتب ” ناتسومي سوسيكي “، و رسمتْ وجوههم الاستغراب ذاته وأكثر، فدلّوها على بيت صاحب رواية ” بوتشان ” ، و ارتادتْ أركانه وأشياءه لساعةِ زمنٍ و في لحظة مارقةٍ التقطتْ صورةً لغرابٍ زائرٍ، صورةٌ واحدة اكتفتْ بها كالعادة.
مساءً ستبهر اللجنة بصورتها اليتيمة و سيرشّحونها للطور الرابع…
هكذا اختارتْ أن تزور في الأيام الموالية منازل كل من الكتاب ” جونشيتشرو تانيزاكي ” و” إيدوجاوا رامبو” و ” يوكو ميتسو ري إيتشي ” و ” أوسامو دازي” و ” كوبو آبي ” و ” يوكيو ميشيما ” و “كنزا بورو أوت ” قضتْ ساعةً واحدة في كلّ منزل و التقطتْ صورةً واحدة لا غير، فأدهشت اللجنة و طفقت تتخطّى المراحل، إلى أن صارتْ في الطور الأحد عشر ، مع متسابق واحد، فكان البيت الأحد عشر الذي اختارت أن تقضي فيه ساعة أخيرة، هو بيت ” ياسوناري كاواباتا ” في طوكيو، و هناك التقطت الصورة العجيبة التي مكّنتها من الظّفر بمسابقة غربان طوكيو.
لم تكن تتوقّع أن تفوز بالمسابقة، فظفرُها الحقيقي كان أن حقّقتْ حلمها بزيارة منازل الكتاب الأحد عشر المفضلين عندها. حلمٌ راودها من كثرة قراءة قصصهم و رواياتهم، و تمنّت أن تعمل معرضا فنيا خاصا لهم و لم يقدر لها ذلك…
أحد خبراء لجنة التحكيم، كان يشتغل سابقا في التحرّي البوليسي، اكتشف أمرا مريبا في تلك الصّور، فراهن أعضاء اللجنة بأن الأحد عشر غرابا في صورِ الفوتوغرافيّة المغربيّة الفائزة بالمسابقة، ما هي إلا محض نسخ لغراب واحد…
كيف ؟ غراب واحد !!!
دافع عن أطروحته، و أثار الدهشة و الحيرة بعد تمحيص الصور و فحصها بدقة، و كان دليله هو علامة في مناقير الأحد عشر غرابا، علامة تتشابه، مما يرجّح أن يكون غرابا واحدا لا غير !
قرّرت الشركة المسؤولة عن مسابقة تصوير غربان طوكيو، أن تمضي بعيدا في الأمر، ووفّرتْ إمكانيات للمحقّق كي يأتي بدليل أوضح يكون قاطعا و دامغا…
لجأ المحقق إلى الفوتوغرافية المغربية التي فاجأتها ملاحظتُه الألمعيّة، و اقترح عليها أن يزورا بيت ” أكوتاجاوا ريونوسكيه “، في تمام الساعة الشبيهة بالزمن الذي التقطت فيه أوّل صورة، و كان الوقت لحظتها يشير إلى الحادية عشرة صباحا. وجدا الغراب المطلوب هناك، فتتبعاه مع أنفار مصورين مشهود لهم بدربة التعقّب و حنكة المطاردة، نفرٌ يحلّق بحوامة ( هليكوبتر ) خفيفة و نفرٌ بالدراجات النارية و نفرٌ بسيارات متخصصة.
تتبعوا الغراب وهو يحلّق حتى بيت ” كودا روهان “، و هناك ظلّ لساعة كاملة، هي نفسها توقيت اللحظة التي التقطت فيها الفوتوغرافية صورةً للغراب بالمنزل المذكور. من بيت ” كودا روهان ” حلّق الغراب إلى بيت ” ناسوكي سوسيكي ” و ظلّ يطير فعلا بالتعاقب من بيت لآخر حتى ختم مداره ببيت ” ياسوناري كاواباتا “.
ثم أقفل راجعا إلى شارع في طوكيو، و عرّش نافذة في عمارة من إحدى عشرة طبقة، حيث يبني عشه في آخر طابق.
صدقتْ أطروحة المحقّق المريب، و شكّل الحدث مفاجأة مبهرة لم تخطر على بال أحد بمن فيهم الفوتوغرافيّة المغربيّة. سأل المحقّق عن هوية السّاكن في الشقة رقم 11 بالطابق الحادي عشر، حيث يتخذ الغراب نافذتها كمسكن أثير ، و اتضح أن من كان يسكن الشقة امرأة توفيتْ من أحد عشر شهرا.
عندما دخلوا شقّتها وجدوها عبارة عن مكتبة، و على الحيطان صور الكتاب الأحد عشر، من ” ريونوسكيه أكوتاجاوا ” حتى ” ياسوناري كاواباتا “. و أما المكتبة، فتقتصر كتبها على نتاج هؤلاء قصصا و روايات !
كانت المرأة إذا قارئة نهمة و معجبة حدّ الهوس بهؤلاء الكتاب الأحد عشر لا غير، و قد واظبتْ على أن تزور بيوتهم كل يوم، إذ تخصّص ساعة لكل بيت، قبل أن تقفل راجعة مساء إلى شقتها. هذا ما يقوله صاحب كشك الدخان و البنّ و الكتب المستعملة في الشارع أسفل العمارة، فوحده من تتجاذب معه أطراف الحديث إذ تجلس عنده أحيانا لتشرب القهوة وتدخّن… هو يزعم بأنها كانت تكتب رواية من وحي هؤلاء الكتاب الذين جعلتهم شخصيّات في عملها، و لا يدري أين وضعت مخطوطتها ! أما قصّة الغراب، فيوضّح بحماسٍ، أنها وجدته ذات فجر مكسور الجناح عند القمامة، فاصطحبتْه إلى شقتها و اعتنتْ به، و حين جُبر كسْر جناحه أطلقتْ سراحه من النافذة فعاد بعد أحد عشر يوما، ليشيّد عشّا على نافذتها وصار يشاركها طعامها… ثمّ أمسى يحلّق خلفها في خروجها أنّى حلّتْ و ارتحلتْ، كأنّما يحميها…
حين ماتتْ، حافظ الغراب على طقوس زياراتها في كل يوم لتلك البيوت الأحد عشر، وواصل ما كانت تفعله عبر إحدى عشرة ساعة تنفقها في كل منزل من منازل الكتاب الموشومين.

• إسماعيل غزالي، قاص وروائي من المغرب
samwel7@yahoo.fr