“البحث عن إبن الرب” قصة للكاتب العراقي سليم مطر

سليم مطر 8
سليم مطر Selim Matar

ذات صباح يوم سبت في حي شعبي عند أطراف جنيف، دخل شابان أنيقان إحدى العمارات. كان من الواضح أنهما من هؤلاء الشبان الأمريكان الذين تبعثهم الكنائس الأمريكية للتدرب على التبشير بالمسيحية الأمريكية، أمثال (شهود يهوى) وغيرهم. بعد تردد طرقا باب إحدى الشقق. فتحت الباب امرأة متوسطة العمر تبدو عليها الطيبة والجدية. وبعد تبادل التحية خاطبها أحد الشابين بابتسامة رقيقة وبفرنسية مشوهة بلكنة أمريكية حادة:
– اسمحي لنا أيتها السيدة أن نسألك: هل تعرفين المسيح؟
فأجابت السيدة مستغربة:
– يبدو أنكما أخطأتما العنوان، نحن عائلة (فرانك)..
– عفوا يا سيدتي، لا نقصد عائلتكم، بل نسألك فقط إن كنت تعرفين المسيح؟
– من.. الم- ..م-ي-…أعد من فضلك؟
– المسيح .. عيسى المسيح يا سيدتي!
– هل أنتم متأكدون أنه يسكن هنا؟
– عفوا يا سيدتي، المسيح ابن الرب، ألا تعرفينه؟
– المسيح .. المسيح.. قل لي، كم عمره؟ هل هو صديقكم؟ عفوا أعد اسم أبيه..
– سيدنا المسيح ابن الرب(ديو DIEU).. ألم تسمعي به أبدًا؟
– كيف أسمع به، ماذا يشتغل أبوه هذا.. هل هو صاحب كراج البنزين في منطقتنا؟
ثم أردفت، بسرعة:
– قل لي هل هو أبيض ام اسود؟
– يا للهول يا سيدتي، الرب ألا تعرفين الرب؟! إنه فوق الاجناس..
– لا تغضب يا شاب، كيف لي أن أعرف مثل هؤلاء الناس، هل أنت متأكد أنه يسكن في هذه العمارة؟
– لا يا سيدتي، إن الرب يسكن في الأعالي..
– اسمع، عمارتنا بثلاثة طوابق، ونحن نعيش في الطابق الأخير، إذن يقينا أنت غلطان بالعنوان..
– فتعلثم الشاب واحمر وجهه وهو يحاول أن يسيطر على غضبه، فدفعه صديقه ورائه وهو يصطنع ابتسامه مؤدبة؛ ليخفف من اضطراب الوضع.. لكن السيدة استمرت بأسئلتها المحيرة:
– قل لي رجاء، لم تخبرني ماذا يشتغل والد صديقكم هذا؟
– يا سيدتي الرب لا يشتغل، إنه سيد الكل..
في هذه الأثناء، قاطعهم صوت زوجها من داخل الشقة مستغربًا:

– ماذا يحصل يا مادلين، هل هنالك مشكلة؟
– لا يا ميشيل، هذان الشابان الأمريكيان يبحثان عن صديقهم، اسمه يسوع المسيح، وأبوه يسمى الرب DIEU، وهو بلا جنس وسيد الكل.. هل سمعت به؟
فصرخ الرجل من مكانه:
– أوه يا مادلين، ألم تفهمي، يقينا إنهما يبحثان عن (السيد ديون DION)، وليس (DIEU). نعم هو (سيد الكل) فهو (العمدة LE MAIRE)، يبدو أنهم في أمريكا يلقبون العمدة هكذا. ولا أدري لماذا يعتبرونه بلا جنس؟ فهو أب لثلاثة أبناء من ثلاث زوجات.
حينها شرعت السيدة بكل أدب وهدوء أعصاب تشرح للشابين كيف يصلان إلى مقر العمدة. فقاطعها الشابان وقد احمر وجهيهما تماما وهما يعتذران بتلعثم وحيرة لكي ينصرفا بكل أدب قبل أن يفقدا السيطرة على أعصابهما التي بلغت ذروتها من التوتر. وانصرفا شبه راكضين..
وقبل أن تغلق الباب، قالت مادلين مخاطبة زوجها، وهي تضحك:
– أوه يا ميشيل لقد تخلصت من هذين الأمريكيين المزعجين.. لا تنس يا عزيزي أن موعدك في الكنيسة الساعة العاشرة، وهنالك 3 أطفال عليك أن تعمدهم.. طبعت لك موعظتك، تجدها جنب الصليب.

كاتب عراقي، جنيف
s.matar@bluewin.ch