“لاعب النرد الخفي” نص للكاتب العراقي محسن حنيص

?????????????
محسن حنيص

في المنفى وصلتني رسالة من الأهل تبلغني بآخر نكبتين حلت بهم : الاولى تخص شقيقي عمران وزوجته رقية، والثانية تخص عمتي (بشيرة) التي كانت امي في السنوات العشر الاولى من حياتي.

ورغم وجود خمسة آلاف كيلومتر تفصلني عن الاهل ( المسافة بين هولندا والعراق )، الا ان ذلك لايمنع من وصول النكبات في وقتها. والحق يقال انني لم اكن استجيب الى كل تلك الدعوات المبطنة بالحضور الا في الحدود القصوى. ولكن الرسالة تشير بقوة الى وصول عائلة (عمران) المؤلفة من ثمانية افراد الى حافة الأنهيار. و نقل عمتي الى مستشفى المجانين ( الشماعية ).

كان لابد ان احزم حقائبي واترك كل شيء ورائي . كنت القن عددا من الهولنديين دروسا في الرياضيات. وكان لابد ان اوضح لهم قبل ان اودعهم في ايامهم الحرجة ان لي في العراق اناس يعيشون وضعا اكثر حرجا ويتطلب حضوري.

في المنفى حصلت لي تبدلات جمة. تغيرت مهنتي ومزاجي. تركت عملي كمهندس. ورحت استثمر الجزء الرياضي من دراستي الاكاديمية في تقديم دروس خصوصية للطلبة الذين ينظرون الى الرياضيات كأزمة وعقبة في طريقهم.

لاشك انني اصبحت اقل حدة. واصبح للمصائب وقعا ورد فعل آخر. وعمل انغماسي في نظرية الاحتمال ( Probability Theory ). الى تشكيل عقلي بطريقة تجعلني انظر الى الحوادث من زاوية احتمالية بحتة.

رحت اقلب الحادثتين : مجيء البنت السادسة لأخي وزوجته ، والنكبة الخامسة لعمتي. فوجدت ارتباطا وثيقا بنظرية الاحتمال. هذا البحر الرياضي العميق، الذي جرفتني امواجه فغرقت فيه. وسحبت طلبتي ليغرقوا معي.

 

بنات رقية

 

بدأت مأساة رقية وشقيقي عمران بعد زواجهما وتورطهما في صراع طويل مع نظرية الاحتمال. فقبل ان تضع مولودها الاول كانت رقية تعيش هاجسا ينمو في احشائها اسرع من الجنين نفسه. الهاجس يتعلق بجنس المولود. كانت امها المرحومة ( فخرية) قد انجبت ست بنات.

كل ما كانت تخافه رقية منذ اللحظة الاولى للزواج بدأت تراه بعينها. وجدت نفسها تسير على نفس درب امها عندما انجبت هي الاخرى ستة مواليد كلهم أناث. هذا التتابع في مجئ البنات وضع العائلة على سكة خطرة جدا. فمع كل بنت كانا يفقدان قدرا من مزاجهما المرح والتلقائي ويترسب بدله ركام اسود. و بعد مجيء البنت السادسة دخلا في باب التساؤلات الأكثر مرارة. مثل : لماذا؟ وماهي الحكمة ؟ ومن المسؤول عن هذا الظلم؟.

كان علي ان اتدخل كل مرة للحد من توسع هذه التساؤلات. فقد وصل الأمر الى ان اصبحت الحياة اشبه بالجحيم. وكانت رقية تتصل بي تلفونيا لتبلغني عن اشياء مفزعة مثل توقفات في التنفس اثناء النوم، وآلام جسدية غير مفهومة. ولم يبق على الخراب سوى دخول الضرة الى بيتها.

صارت رقية تعيش يوميا شريط امها، والرعب من المصير الذي وصلت اليه. لقد عاشت امها سنوات طويلة وهي تنتظر مجيء الولد، مضافا اليه مرارة صعود الآمال وهبوطها. والتي انتهت الى شعور عارم بالقهر اثر استبدالها ب ( بهيمة )، هكذا تسمي ( فهيمة ) ضرتها، التي انجبت ستة اولاد فصارت تسير على الارض باطراف اصابعها. لم تتقبل ام قدرية هذا الظلم ، لا من زوجها فقد كان اشبه بالعقاب على فعل ليس بيدها ، ولا من السماء فقد كانت اكثر ظلما من زوجها . العذاب الذي كابدته لايعرف قدره سوى البنت الكبرى (رقية ) التي شهدت جميع فصوله الست بعينيها.

كانت الام وابنتها يتابعان لحظيا مواليد الضرة. بطنها وهي تنتفخ، تمنيات الوحام الفستقية التي تمليها على الاب، مشيتها في الزقاق وهي تستعرض انتفاخها قبل كل ولادة، وصرخة الولد عند خروجه الى الدنيا مع اسراب من الزغاريد تغطي الحي لايام. يتابعان بألم كفها وهي ترفع كل مرة الولد الرضيع ليعانق الشمس، ثم تطبق انفها على خصيته لتشم رحيقها، قبل ان تناوله الى الاب ليدفن هو الآخر انفه وفمه في تلكما التمرتين (البرحيتين ) المعلقتين بخيوط من ذهب الى ضوء الشمس. لقد استحوذت تلك الخصى بعبيرها وطعمها البرحي على عقل الاب. فكان لايخرج من بيته الا بعد ان يلطعهما. لم تترك له الضرة فسحة للالتفات الى الوراء. فكلما كبرت خصية وتبدل طعمها ولونها اخرجت له من بطنها واحدة جديدة .

وكانت ام قدرية تأمل ان يزول النحس ( تنفك الݘبسة ) ولو مرة واحدة وتتحرر من شعورها العارم بالفشل. لكن القدر ( والذي هو صلب نظرية الاحتمال ) كان لها بالمرصاد اذ تلقت منه ستة ضربات متتالية.

والحق يقال ان والد قدرية انتظر امها اربعة مرات قبل ان يقرر ادخال ضرة الى البيت. وجاء الولد الاول للضرة ليكون بداية الخراب. و عند مجيء الولد الثاني اصيبت ام قدرية بجلطة قلبية فنقلت الى المستشفى. ومع كل ولد جديد كان ضغطها يرتفع وتضطرب دقات القلب فتنقل الى غرفة الانعاش في مدينة الطب بباب المعظم، ليضعوا لها شبكة لتوسيع الشرايين وخفض ضغط الدم. ومع سماعها صرخة الولد السادس لم يعد قلبها يحتمل فسكت الى الأبد.

هذه هي جذور الفابيا التي تعيشها رقية، والتي نقلت اجزاءا كبيرة منها الى أخي عمران وعصفت بمزاجه وشخصيته.

كان اخي عمران واحدا من رواد باص الخشب. وقد قرأ معنا تلك الكتب السميكة العسيرة على الفهم آنذاك مثل (انتي دوهرنغ ). وكان على وشك ان يفهم هيغل لولا دخول رقية في حياته.

بمرور الوقت اصبح تابعا لرقية و يدور في فلكها. وقد استغربت من التبدل الذي طرأ علي سلوكه وطريقته في التفكير. لقد فقد الكثير من استقلاليته و عقلانيته. وجدت شخصا معطلا ينتظر قدوم خصيتين بنفسجيتين كأنهما اكسير الحياة. مستسلما لكم كبير من الخرافات . فبعد ان يأست رقية من مراجعة الاطباء ادخلته معها في دورة على الاضرحة والعتبات والمقامات والخطوات المقدسة. فزارا قم وكربلاء والكاظمية وسامراء ومشهد والسيدة زينب ومقام رقية في سوريا. وعبرا الى افريقيا لزيارة النسخة المصرية للسيدة زينب في القاهرة. و ظهر في مدينة الحلة مقام لواحدة من بنات الحسن تدعى( شريفة ) تخصصت في معالجة الاضطرابات الجنسية والحمل. وكان عليهما كل مرة ان يضغطا على الشبابيك المقدسة باعضائهما التناسلية، وان يبيتا ليال هناك. وان يتجامعا ويحصل القذف الفعلي مرة واحدة على الاقل قرب قبر مقدس.

عندما انتهيا من ائمة الدرجة الاولى هبطا الى الدرجة الثانية : الحمزة الشرجي، الامام عون، وسبع الدجيل. ثم واصلا الهبوط الى أئمة الدرجة الثالثة : سيد مالك في النعمانية، سيد حمدالله في الباب الشرقي، و سيد يوشع في ناحية الفهود في الناصرية.

وهكذا نجحت قدرية تدريجيا في دفع اخي عمران بعيدا عن هيغل حتى اوصلته الى سيد يوشع. وهذا يمنحني الحق بالقول ان التحول العقلي لا يخضع للمنطق بل للملازمة والدق اليومي.

كانت رقية تأتيه كل مرة بآخر ما تسمعه. وكان ينفذ بطواعية. فقد سمعت ان ابو البنات حنون. يطيل من فترة المداعبة ويبطيء في القذف. فمنعته من الملاطفة. وشددت على التعجيل اثناء الجماع. واتبعت حمية البوتاسيوم، والحمام المهبلي القلوي. و قد صدقا معا تقسيم السنة الى اشهر انثوية و ذكرية. فكانا لا يجتمعان الا في آذار وايلول وكانون الاول. وسلخا معزة جبلية وناما على جلدها اربعين ليلة بناءا على نصيحة لاحد الرعاة الكرد المارين بالصدفة. والتهما اعشابا ما انزل الله بها من سلطان.

 

٭ ٭ ٭

رحت التمس العون من صديق الطفولة (راضي). وجدته في صومعته الخشبية غارقا في الخمرة والتأمل. لقد ترك مقاعد الدرس في قسم الفلسفة – جامعة بغداد ولكنه لم يترك الفلسفة نفسها.

وجدت الباص الخشبية كما تركته مركونا بصمت بليغ. مازال المكان الاصلح لفتح الملفات التي ترتبط بشكل وثيق بالفلسفة. وتبين ان راضي على اطلاع بمحنة رقية وعمران. فازاح ذلك الكثير من المقدمات. كان يحمل تصورات فلسفية عن الحل تعتمد على فكرة التسامي واعادة عمران الى باص الخشب. وحين عرضت عليه التصور الرياضي (نظرية الاحتمال ) تحمس كثيرا. ووجد نقطة التقاء خطيرة تجمعنا.

اعددنا ملفا بالمعلومات الميدانية التي جمعناها. سمحنا بحضور اثنين من اخوات قدرية مع ازواجهن بناءا على طلبها.

 

٭ ٭ ٭

اوضحت لأخي وزوجته ان الأمر ليس له علاقة بالسماء او الأرض. حاولت تقديم تفسير يعتمد على نظرية الأحتمال. قلت لهما ان النظرية لا تعزل ذريتكم عن ذرية الآخرين. ولكي تبتعدوا عن منطقة الشعور بالظلم عليكم ان ترتفعوا بقدر كاف، وتنظروا الى بناتكم كجزء من ذرية أكبر: مثلا ذرية الجد او الفخذ او العشيرة كلها. و سيكون الأمر اهون اذا اجتمعت عشيرتا الاب والام . في هذه الحالة سوف تحصلان على صورة بعيدة عن المنطقة المظلمة التي تدوران فيها.

شرحت لهم بشكل مبسط ماهية النظرية. ورحت اقربها لهم مثلما افعل مع الطلبة الذين لا يحملون فكرة عنها.

عثرنا في سوق الهرج على مانحتاج اليه من قطع الدراهم المعدنية. لم يعد لها قيمة في التداول لكنها سوف تكون حجر الزاوية في مشروعنا للبحث عن مخرج لرقية وزوجها . كل شيء اصبح معدا للتجربة التي سوف نجريها. أخذ الحضور اماكنهم في الباص. وضعنا صينية كبيرة على الطاولة الخشبية لكي تستقبل قطع النقود التي سوف ترمى.

 

٭ ٭ ٭

 

الدرهم له وجهان. بالعامية العراقية ( طرة وكتبة ). لكننا سوف نسميهما ( وجه وقفا ) كي يشاركنا العرب هذه المحنة. وهما يملكان نفس أحتمالية الحدوث وهي (50% ) خمسين في المئة. الا اذا كان الدرهم مغشوشا.

تركنا رقية تختار ايهما يمثل الذكر فاختارت الوجه. وبذلك تكون البنت هي القفا.

وضعنا الدرهم في كف قدرية. وجرى الاتفاق على 6 رميات. انتبهوا جيدا الى هذا الرقم. بامكانكم ان تقلبوه في مخيلتكم الى 6 ولادات. تحولت باص ابو راضي الى مستشفى للولادة الرياضية. اصبح الجميع متلهفا لمعرفة ما يسفر عنه هذا المخاض الجديد. حدست قدرية على الفور ذلك التناظر المر بين رمي قطعة النقود وبطنها. ومثلما استعدت للبدء بالطلق فاننا اصبحنا نترقب تسجيل النتائج. امسكت قدرية بالدرهم بقوة، وراحت تعتصره، وتنفخ فيه، كأنها تستدعي لحظات العذاب التي عاشتها ست مرات. ثم رفست الدرهم بقوة الى الهواء. بطريقة لا تختلف رمزيا عن لحظة الطلق. علقت اختها الصغرى قائلة :

(هذه اول مرة تنجب قدرية بهذه الطريقة ).

طار الدرهم محلقا فوق رؤوسنا وهو يحوي وجها وقفا او ( ولدا وبنتا ) يتقلبان في الهواء فيتقلب وجه قدرية معه، يسقط في الصينية فنسمع جميعا رنته مثل صرخة جنين خرج توا للدنيا. سوف يتأرجح قليلا قبل ان يستقر مفرجا عن (وجه ) ناصع . فصاحت اختها مبتسمة. وبثت البشرى في وجه اخي عمران.

(ولد… ولد. قدرية جابت ولد ).

(جابت ) بالعامية العراقية معناها (انجبت ). سجلنا نتيجة الرمية . لم تتمالك قدرية نفسها. حملت الدرهم بكفها وراحت تقبله، ثم تشمه، ويخيل الي انها كانت تبحث فيه عن خصية مختبئة لتطبق عليها. ثم ناولته الى عمران فطبع قبلة حارة. و استعدت بانتشاء للولادة الثانية. رمت الدرهم من جديد، فحلق في هواء الباص، ثم سقط، فاعطى وجه ( ولد ). وشعت عينا قدرية بالبشر. وباركت لها اخواتها رميتها . وجاءت بقية الرميات كالآتي : قفا، وجه، قفا، وجه .

وبذلك حققت قدرية في الجولة الاولى المؤلفة من ستة رميات : 4 وجه ( ولد )، و 2 قفا (بنت ). وهي نتيجة طيبة ومرضية لها.

ولكي ندخل في صلب نظرية الاحتمال كان علينا ان نعيد التجربة مرارا بجولات سداسية. في الجولة الثانية جاء الولد مرتين. وفي الثالثة خمسة مرات. والرابعة مرة واحدة. وفي الجولة الخامسة ثلاثة مرات.

كانت اصابع قدرية ترتجف وهي ترمي الدرهم كل مرة. حين انتهت الجولات الخمس تنفست الصعداء. فقد ظهر الذكر في جميع الجولات. كأن حياتها اعيدت خمس مرات ولكن بنتائج اخرى من صنع يدها. استهوتها اللعبة. انتعشت روحها. وراحت الدموع تتساقط من عينيها وهي تلثم قطعة النقود وتلصقها بصدرها مثل جنين بحاجة الى الرضاعة. ذهبت النتائج في عمق محنتها. ما الذي يجري في بطنها أذن ؟. من هو المسؤول عن الدرهم الذي يتقلب في احشائها كل مرة ؟.

سوف نذهب الى قلب المحنة. ونطرح السؤال الذي يعيش لحظيا في وجدان رقية.

ما هو احتمال الحصول على ست بنات ؟

ان احتمال الحصول على 6 قفا (بنت ) من ستة رميات يمكن حسابه بضرب الكسر ( ) في نفسه ستة مرات لنحصل على ( ). اي واحد من اربعة وستين . وهو احتمال ضعيف جدا. لكنه قد وقع لقدرية. وهذا ما يعطيها الحق بالمرارة وصب لعنتها على القدر .

ولكن الشيء الذي لا تعرفه رقية ان هذا الاحتمال الضعيف جدا هو نفسه احتمال مجيء ستة اولاد من ستة ولادات . ان نظرية الاحتمال (القدر) لا تفرق بينهما بتاتا. ولا تعرف المفاضلة بين البنت والولد.

مازالت المشكلة قائمة ؟ اين العدل ؟

هل هو في مجيء ولد واحد، ام اثنين، ام ثلاثة، ام اربعة، ام خمسة، ام ستة. ؟

دب الحماس في الحاضرين جميعا. حتى ان الاختين جربتا حظهما. فجاءت النتائج معززة لما وصلنا اليه. ان العينات الصغيرة لا تعطي اي مؤشر. وتدفع الى التساؤل والحيرة. ان كل الاحتمالات واردة. عاد السؤال الذي لا مفر منه :

اين العدل اذن ؟ العدل الالهي او المطلق ؟

جاء دورنا كي نرمي مافي جعبتنا. هنا تجيب نظرية الاحتمال بقوة وصلابة ان العدل لايظهر في العينة الصغيرة. بل يتطلب زيادة عدد الرميات الى اقصى حد ممكن. وبدل 6 رميات سوف نرتفع الى 100 رمية.

وضعنا مئة قطعة نقدية ( درهم ) في علبة معدنية. وطلبنا من رقية ان تخضها جيدا قبل ان ترميها في الصينية. بامكانكم ان تتخيلوا رقية وهي تنجب مئة طفل مرة واحدة.

جاءت النتيجة : 33 وجه (ولد )، و 67 قفا (بنت ).

شيء حسن. لكننا مانزال بعيدين عن النسبة المثالية ( المناصفة ). سجلنا النتيجة. واعدنا الكرة في جولات جديدة حتى وصلنا الى ما مجموعه الف رمية منذ بداية التجربة.

قرأنا النتائج النهائية : وجه ( ولد ) 447، قفا ( بنت ) 553.

ولو قسم كل منها على 1000 فسوف يعطينا ( 0.447 ) ، ( 0.553 ). وهي ارقام قريبة من النسبة المطلوبة . هنا تظهر العدالة او القانون الالهي بوضوح اكبر. وكلما زاد عدد الرميات كلما اقتربنا اكثر من النسبة السرمدية ( الخمسين في المئة )

ليس صعبا الآن القول : ان رقية لو انجبت 1000 طفل فمن المؤكد انها ستشعر بوجود قوة عاقلة متزنة وسط هذا الاعتباط المؤلم. وبأن اللاعب الخفي اكثر عدالة مما تتصور. وسيصبح اكثر عدلا لو انجبت عشرة الاف طفل. وستكون العدالة اقرب للمثالية اذا استطاعت قدرية ان تنجب مليون طفل.

العدل يظهر بوضوح عند زيادة عدد الرميات (الولادات ). هنا يكمن لاعب النرد الخفي. وسواء كان هو الله او نظرية الاحتمال فالتسمية ليست مهمة. فهو عادل بشكل مدهش للغاية حين يجمع الاعتباط والحتمية في جسد واحد.

لكي نصل الى هذه العدالة علينا ان ننظر بطريقة اخرى الى انفسنا. ان نرى انفسنا وسائل وليس غايات. وظيفتنا ان نكون ادوات للعدالة وليس تحديد مضمونها. ان لا ننظر الى انفسنا كمحور، بل حرف في عبارة طويلة.

لاشك يا رقية انه ليس بمقدورك انجاب مليون طفل. وهو ليس ضروري يا عزيزتي. ان اللاعب الخفي وزع تلك المهمة على عدد آخر من البطون.

اليك قائمة مصغرة من صنع لاعب النرد الخفي. مؤلفة من اثني عشر عائلة تعرفينهم جميعا. لتري بنفسك شكل العدالة. لاحظي يا رقية ان اسمك من بينها. انت هنا ضمن سلسلة ولست محورا.

 

٭ ٭ ٭

وضعنا احصائية لعائلة اهلي (ذرية ابي ) المكونة من ستة بنات وستة اولاد كلهم متزوجون. حسبنا عدد الأطفال وجنسهم :

– خولة و سامي : 3 ذكور، 3 أناث. – طالب وزهرة : 4 ذكور، 5 أناث. – حسن و ربيعة : 2 ذكور، 0 أناث. – صبيحة و غازي : 7 ذكور، 4 أناث. – بدرية وموحان : 1 ذكر، 3 أناث. – ضواهن وخلف : 6 ذكور، 2 أناث. – معن وكريمة : 1 ذكر، 2 أناث. – عمران وقدرية : 0 ذكر، 6 أناث. – جسام وامينة : 3 ذكر، 1 أنثى. – فاتنة وغالب : 1 ذكر، 1 أنثى. – سلامة وحيدر : 3 ذكور، 2 أناث. – هشام ومنى : 2 ذكور، 1 أناث.

المجموع : ذكور : 33، أناث : 29

 

ولو حسبنا النسب ( ذكور : 53%، أناث 47% ) لخرجنا بنتائج ممتازة جدا لصالح نظرية الأحتمال رغم صغر العينة.

ولو اضفنا اهل قدرية، اخوتها واخواتها المتزوجين واطفالهم، سوف ترتفع النسبة اكثر. وعندما نصعد عموديا الى الجد من جهة الاب ( ابنائه :جميل وجبر وراهي وشراد، وبناته : بشيرة و كفهن و رسمية ) وحسبنا ذريته فسوف تقترب النسب اكثر من حدود نظرية الأحتمال، وهكذا كلما اتسعت العينة كلما أزداد الأقتراب من المناصفة.

ولو انتظرت يا رقية حتى تكبر بناتك الست ويتزوجن وينجبن فسوف تغيرين الكثير من معتقداتك.

 

٭ ٭ ٭

 

نكبات عمتي

 

في الطريق الى مستشفى الأمراض العقلية ( الشماعية ) عبر اخي عمران عن شعوره بالخجل من بقاء عمتنا في مستشفى المجانين. وانه يأمل ان يساعد حضوري في علاجها واعادتها الى البيت. اجبته ان الجنون ليس عيبا. انه وسيلة دفاع. وربما يوفر لعمتنا توازنا نفسيا افضل من التعقل. صمت اخي وواصل قيادته للسيارة وسط ازدحام مروري مكثف.

كان طريقنا يمر بشوارع مدينة القاسمية المكتظة بالبشر والعربات من كل صنف. وبسبب الحواجز الامنية ونقاط التفتيش أصبح الطريق الى المستشفى يأخذ وقتا يعادل عشرة اضعاف الوقت الطبيعي. وكان على اخي عمران ان يملأ هذا الفراغ بالمزيد من استحضار الذكريات. مررنا على السنوات العشر التي عشتها في حضن عمتي. لم افارقها حتى بعد ان انتقلت الى بيت زوجها (حافظ طعمة ) الموظف في دائرة النفوس. شهدت نكباتها الاولى دون ان اعي وطأتها. كانت ذاكرتني تخبو مثل كومة حطب فينفخ فيها عمران.

وقبل ان اغادر البلاد كانت عمتي قد اصيبت بنكبتين متتاليتين فقدت فيهما اثنين من عائلتها. الضحية الاولى كان زوجها ( حافظ 47 سنة ) في حادث مروري فترملت مبكرا. ثاني الضحايا كانت ابنتها ( فاتن 34 سنة ) التي تورطت في علاقة حب فاشلة دفعتها الى الأنتحار مع كم لابأس به من الغمز والأشاعات.

عند هذا الحد توقفت ذاكرتي ولم يعد لي اية صلة بتاريخ عمتي وما حل بها بعدي.

بعد رحيلي بسنوات غرق ابنها ( مهدي 15 سنة ) في بحيرة الثرثار. وفي عام 1983 فقد ابنها جندي المشاة ( ستار 27 سنة ) في قاطع ديزفول في اول اشتباك مع الأيرانيين، وانقطعت اخباره كليا. ولم يبق لها سوى (ضياء ) اصغر ابنائها. جلست فوقه بثبات. ومدت جناحيها الواسعتين مثل نسر لتحافظ عليه باظافرها واسنانها امام قدر الموت الذي يطاردها.

قطعت نقطة التفتيش الأخيرة تدفق حديثنا، ووجدنا انفسنا على مشارف مستشفى الشماعية للأمراض العقلية. حين دخلنا المستشفى استقبلتنا احدى الممرضات. وبدا انها على معرفة خاصة باخي فقد اجلستنا في غرفتها وصنعت لنا شايا. ومع حضور اقداح الشاي دخلت علينا سيدة عجوز منفوشة الشعر بلا فوطة ولا عباءة. وبدا عليها انها احدى نزيلات المستشفى. ما ان تبادلت النظرات مع اخي حتى رأيتهما ينخرطان في وقت واحد في بكاء مرير. ارتمت العجوز في احضانه وارتمى في احضانها وراح يقبل يديها وجبينها وركبتها. ثم التفت الي وجرني اليها وسط سحابة من النحيب والدموع المدرارة.

 

(( هل عرفتيه يا عمتي؟ ))

 

التفتت ناحيتي. تقدمت خطوة. وازاحت خصلة شيب كانت تغطي عينها اليمنى. ثم تراجعت الى الوراء خطوتان كأنها ترجع بالزمان. و بدل ان تقترب ظلت ترجع بخطواتها الى الوراء. فتقدمت نحوها. و كلما تقدمت خطوة تراجعت هي خطوتان. حتى وصلنا سوية الى زمن بعينه. ولمسنا جمرة تلك السنين الخوالي. فناحت عمتي مثل طفل تائه. وسال اسمي من بين شفتيها. وتدلى مع خيط من اللعاب الى عنقها. مالت بوجهها يمينا وشمالا وهي تقلبني بترو. تراجعت خطوة اخرى لتستوعب حضورا مباغتا. ثم ابتلعت شهقة عميقة لتملأ صدرها المثقل بالاوجاع . فتحت ذراعيها، واغمضت عينيها، تاركة دمعتين تتدحرجان في خطوط جفنيها، ثم تهبطان بأناة لتقفا عند طرفي فمها.

لم يتوقف النحيب. في لحظة واحدة ذاب جليد الغربة. ووجدت نفسي اعود الى حضنها طفلا. وهي تشمني وتمرر اصابعها على كل حرف جديد في وجهي. في غضوني. وعيوني. في فروة سوداء مطبوعة في الذاكرة رغم الصلع والشعيرات البيضاء المتبقية. كانت الدموع تتساقط لالف سبب وسبب.

سكت اخي وراحت عمتي تروي مأساتها بنفسها. وكانت الدموع تضيء وجهها مثل اقمار سوداء مع اقتراب مأساة عمتي من ذروتها. فقد حصل في غيابي حادث مروع يتجاوز في شناعته كل الحوادث التي مرت عليها.

كانت عمتي على وشك ان تتعافى من النكبات الأربع بعد ان وضعت كل ثقلها الوجودي على كتفي (ضياء) الابن الوحيد المتبقي لها. لم يبق لضياء سوى يوم واحد على التخرج في كلية طيران الجيش. كل مافي ضياء كان يدفعها الى الأمل بالعودة الى الحياة : وسامته المفرطة، وطوله الفارع، ودماثة خلقه. النجمتان الذهبيتان اللتان سوف تستقران على كتفيه. لقب طيار الذي ينتظره. والعش الزوجي الذي انتقته بعناية واعدته له طوال سنين. كل هذه التفاصيل وما يرافقها وضعت عمتي على اعتاب الشفاء من النكبات الأربع، والعودة التدريجية الى الحياة، والعيش لما تبقى لها من سنين دون كوابيس. غير ان سهوا بسيطا في طريقة النزول من كابينة الطائرة السمتية وضع حدا لكل هذه الآمال العريضة.

كانت المروحة مازالت تدور. وكان عليه ان يخفض رأسه عند نزوله من الكابينة. لا احد يدري بالضبط. وحتى مدربه كان عاجزا عن فهم هذا النوع من الخطأ الذي لايرتكبه حتى هاو عمره بضعة ايام في الطيران.

ما الذي جعله يخرج من الكابينة منتصب القامة ؟ هل هو الزهو ؟ الطول الفارع ؟ الحماس والغبطة ؟ هل هو طيف أمه التي تنتظر هذه اللحظة بكل جوارحها ؟. هل رآها وهي تطير في الهواء لتعانقه ؟ هل سمعها وهي تزغرد، وتطش الحلوى فوق رأسه ؟ هل كان يتأملها وهي تتعافى وتخلع السواد القديم ؟ كيف يمكن لمن يرى كل هذا ان يلتفت الى مروحة. ؟. حين حطمت المروحة جمجمته تحطمت معها كل الآمال والأحلام المعقودة.

أصبح جنون عمتي (بشيرة ) هو الحل الوحيد لأستيعاب هذا الأعصار المدمر. كان الكفر هو المسكن الوحيد لنوبات حزنها. حين تأتيها النوبة تحرص ان يعلو صوتها ليصل الى اكبر عدد ممكن من نزيلات الردهة. تنهال بعزم وثبات بمجموعة شتائم توجهها الى السماء. لم تكن توجه لوما او عتابا بل اتهامات صريحة الى الله بالظلم.

وقد وضعت معادلات معكوسة لأسماء الله الحسنى تحمل اوصافا شنيعة. وقذف تقشعر له الابدان ممزوجة بنعوت سوقية. ان خشية الله تمنعني من ايراد الاوصاف والنعوت التي كانت عمتي تكيلها علنا الى الله. كانت تلك النعوت تليق بأعتى المجرمين. لا تنتهي نوبتها الا بعد ان تكمل تلاوة ( 99 ) اسما شنيعا لله كفيلة بهدر دمها لو كانت خارج اسوار مستشفى المجانين. وقد استسلمت ادارة المستشفى لهذا العلاج بعد ان اكتشفت عجز الابر والصعق عن تهدئتها فغضوا النظر عن نوبات الكفر العلني التي كانت تأتيها يوميا.

 

٭ ٭ ٭

في طريق العودة سألني اخي ان كنت ما ازال اتذكر البيت الذي عاشت فيه عمتنا بعد زواجها. واقترح ان اقود السيارة بنفسي. لكني اعتذرت له قائلا.

(( سأضل الطريق حتما )).

لم اعد احمل عن المكان سوى ظلالا باهتة. كان في السابق بيتا واحدا يجمع الاخوين ( حافظ وسبتي ) اولاد طعمة. لكن بعد نكبات عمتي انتهى ان يكون بيت سبتي وذريته فقط. عاد بي عمران الى تلك الزيارات الطويلة التي كنت اقضيها مع عمتي واولادها وابناء وبنات عمومتهم.

قفزت من فم عمران جملة خلخلت سياق الذكريات. قال لي :

(( سوف ترى البيت المسؤول عن جنون عمتنا )).

صدمتني الجملة بغرابتها. و كانت اقوى من عصا غليضة انهال بها على ذاكرتي ليحطم ماتبقى منها . كنت حتى تلك اللحظة اعتقد ان نكبات عمتي تقف لوحدها وراء ما وصلت اليه . لكن اخي اعلن لي بثقة ان نصف جنون عمتي يرجع الى عائلة سبتي حماها (شقيق زوجها ). ظلت الجملة عالقة في الهواء تنتظر ايضاحا .

تحدث عمران عن التاريخ المشترك لعائلة الاخوين ( سبتي وحافظ ) والافتراق الذي حصل بعد ذلك. لقد زف الاخوان في يوم واحد. دخل (حافظ ) على عمتي (بشيرة ) فانجبت له 5 مواليد . ودخل سبتي على ابنة عمه ( علاهن ) فانجبت له 11 مولودا.

ما زلت اتذكر ان العائلتين عاشتا سوية في بيت واحد. لكني لا اتذكر حدثا بعينه فرقهما عن بعض ما عدا ضيق البيت امام توسع العدد.

 

٭ ٭ ٭

استقبلتنا السيدة علاهن بالقبل. وتقدم اولادها واعتصروني واحدا بعد الآخر. وقادتنا الى غرفة الضيوف فوجدنا كبير العائلة (سبتي) مازال حيا و بكامل وعيه. نهض الينا رغم بلوغه الرابعة والثمانين.

ماتزال الام (علاهن ) بكامل عافيتها. سوف تشرف بنفسها على اعداد الطعام لرتل طويل من المتزوجين والمتزوجات وذريتهم، راحوا يتقاطرون على البيت كأنهم في عرس. جاءت بنات سبتي الاربع مع اطفالهن. قبلوني جميعا. واستغربوا من صلعي و شيبي، فقد تركوني صبيا بفروة اسد سوداء تغطي وجهي. ذكروني بالسنين التي كنت العب معهم رغم اني نسيت كل شيء. ولم يبق ببالي سوى حضن عمتي. طافوا بي جوانب البيت العتيق. واخذوني الى تنور الخبز المكان المفضل لاختبائي في لعبة الغميضة. خجلت من سيل الود، ومن جهلي المطلق بهذه المخلوقات البريئة . وفي لحظة ما شعرت بحرج فلقد نسيت الكثير من الكلمات الودية اللازمة للرد.

التفت الى عمران فوجدته مشغولا باحصاء ذرية سبتي. وجد وفرة من المتطوعين لمساعدته. اخرج من جيبه قلما ودفترا صغيرا، وطلب تسجيل اسماء جميع افراد العائلة واعمارهم. فتزاحم الكل حوله اذ كانوا يحفظون عن ظهر قلب اسماء وتواريخ كل فرد في العائلة.

اقتربت احدى بنات سبتي مني وقالت :

(( بعد هذا سوف لن تنسانا مهما غبت ))

انفرج فمها عن ابتسامة عذبة للغاية، كأنها تذكرني بشيء نسيته في تنور الخبز قبل اكثر من اربعين عاما. ثم تقدمت اكثر مني ودفعت طفلها كي اقبله.

 

٭ ٭ ٭

الحركة التي افتعلها عمران كانت ذكية ومباغتة حتى انني لم انتبه اليها الا متأخرا. سوف نفتح دفتره الصغير ونقتطع منه الارقام الاجمالية.

يبلغ المجموع الكلي لبيت سبتي ( 86 ) نفرا. مؤلف من الوالدين والابناء والبنات والذرية البالغة (73 ).

وعلى صعيد البقاء حققت العائلة نتائج مذهلة حتى الآن. فجميعهم احياء. رئيس العائلة سبتي ( 84 سنة) و علاهن ( 67 سنة ). الاولاد والبنات تجاوزوا جميعا سن الخمسين. وخلفوا ذرية عبرت ثلاثة حروب، وحصار اثني عشر عاما، واعداد هائلة من المفخخات، دون ان يتعرضوا الى خدش.

رسم لنا عمران استقطابا مؤثرا بين عمتي وعلاهن زوجة سبتي. وللحظة نظرت الى وجهه فوجدته يقطر أسى. وبينما فقدت عمتي جميع افراد عائلتها البالغة (5 ) افراد . فان علاهن ما زالت تحتفظ بحيويتها و بزوجها وجميع ما خلفت من ذرية بما يساوي ( 86 ) نفرا. ورأيناه يزيح زجاجة الخمر والكؤوس التي وضعناها على الطاولة ليضع قبالة اعيننا ميزان العطار ذي الكفتين. لقد استعاره خصيصا ليرينا كيف يوزن الظلم . وضع في كفة عمتي ونكباتها، وفي الكفة الاخرى علاهن وذريتها.و تساءل بصوت حاد مليء باللوعة :

(( ايهما الاثقل : من فقد كل ماعنده ؟ ام من يحتفظ بكل ماعنده ؟ ))

دفع لنا وجهه فرأينا دمعتان تتفجران في مقلتيه، وتساءل بحسرة عن خفة العقل وليس خفة الروح :

(( ومن هو الاخف ؟ )).

من يحق له ان يفقد عقله ؟.

لم ينتظر منا جوابا. الميزان هو سر الجنون. ولكي لا ننسى راح يذكرنا ان الاخوين تزوجا في يوم واحد. اي ان العائلتين بدأتا من الصفر.

(( لاشك ان نقطة البداية هي كفة في الميزان وهي مطبوعة في ذاكرة عمتي.))

توقف برهة ليسحب نفسا عميقا مع تنهيدة ثم استأنف قائلا :

(( انظروا الآن الى النهاية اي الكفة الاخرى من الميزان )).

ثم اخرج من جيبه حاسبة صغيرة وطلب منا مساعدته في جمع اعمار بيت سبتي فظهر المجموع الكلي 1893 سنة. اما عائلة عمتي فكان مجموع اعمارهم 210 سنة .

عمران : (( واذا طرحنا هذا من ذاك نحصل على الرقم 1680 وهو وزن الظلم بالسنين. هذا الرقم يدور بطريقة ما في رأس عمتنا فيحطم كل اتزان فيها. عمتنا تجمع وتضرب وتطرح كما نفعل نحن. تحسب الامتداد البيولوجي الزماني الشاسع لعلاهن ثم تطرح منه البتر البيولوجي الزماني الذي تعرضت له فتخرج بحاصل لا يوازيه سوى الجنون ))

اندفع عمران بنواح يقطع نياط القلب. تساقطت دموعه في احدى كفتي الميزان. وكانت ثقيلة اذ فقد بعدها توازنه.

 

٭ ٭ ٭

اضطراب الميزان و الانفجار الوجداني لاخي عمران لن يمنعا صعود الامواج العقلانية العالية وهي تغمرنا سوية انا وفيلسوف الباص الخشبية. سألني ان كنت ارى المحنة مثلما يراها. يريد راضي ان يتأكد كل مرة اننا عقل واحد موجود في جمجمتين. اننا قطبان لمغناطيس واحد .

ميزان العطار هو قلب المحنة التي يعيشها عمران وزوجته وعمتي بشيرة. ولو بقي الثلاثة ينظرون الى كفتيه فسوف يعيشون تحت سقف واحد في مستشفى الشماعية.

ان معضلة اخي ليست معرفية فقط بل وروحية ايضا. لابد من تفتيت تلك الصلابة التي تثقل روحه وتدفعه الى اختزال العالم بهذه الطريقة المرة.

نظرنا في وقت واحد الى جمجمة عمران وماتحتويه. وجدنا فقرا في الخيال. واختزالا في زوايا النظر الى العالم. وهناك طبعا نقص في الخمرة. كان لابد من صدمة اخرى، وبذات السلاح الرياضي البتار وهو نظرية الاحتمال. كان لابد من ازاحة الميزان ووضع قطعة النرد.

 

٭ ٭ ٭

 

النرد ( الزار ) له ستة اوجه هي ( 1،2،3،4،5،6). وتملك هذه الوجوه احتمالية متساوية عند الرمي. تساوي السدس ( ألا اذا كان النرد مغشوشا ). أن نظرية الأحتمال تؤكد ان هذا الرقم صحيح مئة بالمئة. ويمكن التوصل اليه ومسكه باليد. هل يعني ذلك اننا لو رمينا النرد ستة مرات فستظهر جميع الأرقام من واحد الى الستة ؟. امسك ياعمران وجرب. ولكي لا نضيع الوقت. سوف نضع لك ستة قطع نرد في العلبة وسترميها مرة واحدة.

بدأ عمران الجولة الاولى. رمى النرد ستة مرات. لكن الأوجه الستة لم تظهر جميعا كما تقتضي (العدالة ). الامر طبيعي فالاحتمال هنا ضعيف جدا وقدره (1 من مئة ) تقريبا. اعدنا الكرة مرارا. في جولات موحدة مؤلفة من ستة رميات.

سجلنا النتائج. كانت متفاوتة ولم يتحقق ظهور الارقام الست مرة واحدة في اية جولة.

عمران : (( اذن متى نحصل على نسبة السدس وتتحقق عدالة النرد ؟ ))

الجواب اذا نظرت لكل جولة على حدة فلن ترى اية حكمة اذ يختفي من السلسلة وجه او وجهين وحتى ثلاثة. ولكن لو نظرت الى المجموع الكلي ( 60 رمية ) فسوف ترى جميع الوجوه وان كانت بنسب متفاوتة وبعيدة الى حد ما عن نسبة السدس المطلوبة :

الوجه 1 ظهر 7 مرات.

الوجه 2 ظهر 13 مرة.

الوجه 3 ظهر 15 مرة .

الوجه 4 ظهر 13 مرة .

الوجه 5 ظهر 7 مرات.

الوجه 6 ظهر 5 مرات.

ولكن تمهل يا عمران سوف نزيد عدد الرميات لنقترب من تلك الحكمة.

وضعنا مئة قطعة نرد في علبة معدنية وطلبنا منه ان يخضها جيدا قبل ان يدلقها في الصينية. ورحنا نسجل الوجوه. اعدنا الكرة مرارا حتى وصلنا الى مجموع مقداره الف. اي اننا رمينا النرد الف مرة. جمعنا النتائج النهائية، فجاءت كالاتي :

الوجه 1 ظهر 169 مرة.

الوجه 2 ظهر 163 مرة .

الوجه 3 ظهر 175 مرة .

الوجه 4 ظهر 173 مرة .

الوجه 5 ظهر 159 مرة.

الوجه 6 ظهر 161 مرة.

وهذه التوزيع يعتبر جيدا قياسا لعدد الرميات ( 1000 ). حيث ان قسمة اي واحد منها على (1000 ) تعطينا رقما يقترب كثيرامن نسبة السدس ( 0.166 ) وهو الغاية النهائية التي نريد الوصول اليها.

فاذا رمينا النرد 6 ملايين مرة، فسوف نحصل على ارقام مقاربة جدا لنظرية الأحتمال، بواقع مليون مرة تقريبا لكل وجه من وجوه النرد.

لنفترض ان عمر الانسان مؤلف من ستة فئات عمرية متساوية في احتمالية حدوثها ( من سنة واحدة الى ستة سنوات ). تماما مثل النرد. ان قوانين الاحتمال تعطينا عمر هذا الانسان اذا رمينا النرد عددا كبيرا جدا كأن يكون 6 ملايين مرة. فاذا جمعنا ارقام الوجوه التي تظهر ونقسمها على ( 6 ) مليون فسوف نحصل على رقم دقيق ومهم جدا ( 3.5 ) سنة، وهو يمثل عمر الانسان في هذا النظام المصغر. وضعت امام عينيه الشكل الرياضي لهذه الفورمولا :

 

 

هذا الرقم ( 3.5 ) هو محور العدالة ( ) في هذا النظام المصغر ويدعى القيمة المتوقعة ( Expected Value). فاذا عاش احدهم اكبر منه فهو محظوظ، واذا عاش اقل فهو اقل حظا. كان علي ان استخدم مؤقتا ذات التوصيفات التي اعتاد عليها اخي. كنت اسحب بحذر الجمرة الملتهبة المليئة بالأسى الى قمة العقل الباردة.

 

سوف نكبر هذا النموذج ونذهب الى عمر الانسان بشكله الاقرب الى الواقع ولنفترض انه لايعيش اكثر من مئة سنة. ان عمر الانسان هو نرد مؤلف من مئة وجه. او مئة احتمال. بكلمة اخرى ان هناك مئة وجه للموت. تبدأ من الواحد وتنتهي بالمئة. ان هذا النظام يعطينا محورا للعدالة سوف نسميه ( ). ويمكننا استخدام نفس الفورمولا السابقة لحساب القيمة المتوقعة.

 

ان عمر الانسان في هذا النظام هو ( 50.5 ). خمسون سنة ونصف. انه الحتمية او العدالة في جوهرها البعيد. وهو الارادة العليا للاعب النرد الخفي (الله او القدر او نظرية الاحتمال ) .

وكان علينا ان نبحر في تاريخ الانسان لكي نصل الى هذا الرقم.

كان علينا ان نجري بعض الحسابات ونستعين بجداول اضافية للوصول الى الاهداف المرجوة. جمعنا اعمار وفيات العائلة : ابتدأنا بضحايا عمتي بشيرة : الزوج 47، فاتن 34 سنة، ستار 27، مهدي 15، ضياء 22. اذن معدل الحياة هو 29 سنة. لا شك انه معدل واطئ ومثير لانواع الأسى ويحمل ما يكفي للجنون.

و كان لابد من التوسع افقيا. وضعنا جدولا بوفيات العائلة حتى الدرجة الرابعة. قفز المعدل الى 40. وهذا الرقم مازال متدنيا. ويدل ان عائلتنا حتى الدرجة الرابعة ما زالت تحتفظ بالكثير من المآسي . اضفنا الحاج (جابر عفلوق) الذي عاش حتى الخامسة والتسعين، وكذلك جدتي (خاجية) التي بلغت التسعين. غير ان تلكما الشطحتان لم تؤثرا كثيرا على الخط العام للوفيات الذي ظل يتراوح عند 45 سنة.

قام راضي بعملية مسح وجدولة لوفيات قطاع 20 (الف دار) في مدينة القاسمية. ارتفع الرقم الى 55 سنة. ثم عاد وانخفض مجددا بعد ان سمح لنا موظف في دائرة نفوس المدينة بالاطلاع على ارشيف الوفيات. اصبحنا امام عدد ضخم من الموتى ملهب للحماس. دخلت في حساباتنا دفعة واحدة موجات من ضحايا الحرب، وعدد مفزع من المغيبين والمعدومين والمفقودين والمنقطعة أخبارهم، واطفال الحصار الذين توقفت حياتهم بسبب نقص الحليب والدواء، مضافا لذلك سلسلة الميتات العادية، وحوادث الانتحار الغامضة، والغرق المتعمد، وحوادث القتل لأتفه الاسباب، والكمد الذي يدفع الامهات والأرامل الى اختصار طريق العمر. حين خرجنا من تلك السجلات وصل الرقم الى 44 سنة.

لاشك ان هناك اماكن اخرى في البلاد سوف ترتفع فيها هذه النسب. هناك عراقيون من نوع آخر، يموتون بأرادتهم، يرفضون مغادرة الحياة قبل الثمانين.

اما في الخارج فلا زال هناك عالما يكشف عن ارقام اخرى.

استطعنا العثور على تقرير الامم المتحدة الذي يقدم لائحة بوفيات امم الارض. نذكر منها على سبيل المثال :

اليابان 83 سنة، فرنسا 81، هولندا 80، الولايات المتحدة 78،الامارات 76، الصين 73، روسيا 68، العراق 67، الهند 64، موزامبيق 49، افغانستان 47، زمبابوي 46.

وقبل ان نعبر الى الخطوات التالية في الاحصاء. طلب منا عمران ان نتوقف امام نموذجين يكشفان بحدة الظلم في العالم على حد تعبيره. اليابان وزيمبابوي. عمر الياباني (83 سنة)، و الزمبابوي ( 46 سنة). وجد فائضا في الحياة قيمته 37 سنة لصالح الفرد الياباني. اما على مستوى الأمة فوجد فارقا شنيعا. اليابان ( 130 مليون مضروبة في 83 يساوي 10790 مليون سنة). زيمبابوي (13 مليون مضروبة في 46 يساوي 598 مليون سنة). وبعد الطرح حصل على 10192 مليون سنة، اي مايزيد على عشرة مليار سنة. وهو فائض هائل للحياة تتمتع به الأمة اليابانية مقارنة بشعب زيمبابوي.

لم نستغرب من الطريقة التي ينظر بها عمران. فقد كانت هي نفسها التي ينظر بها الى كل من عائلة علاهن وعائلة عمتي. انه ميزان العطار الذي وضع فيه هذه المرة الامة اليابانية في كفة وشعب زيمبابوي في الاخرى.

غير اني رجوته ان لا يتعجل الوصول الى مثل هذا الحكم. اخبرته ان يتريث قليلا وان يبعد مطرقته المرفوعة لتحطيم الله. اخبرته انه مازال ينظر الى الوجود بنفس الطريقة، ومن نفس المكان الذي تقف فيه عمتي ( مستشفى الشماعية ). علينا ان نوسع دائرة الوجود. وبمصطلحات نظرية الاحتمال نكبر العينة الى اقصى حد لنرى كيف يتصرف لاعب النرد الخفي، والى اين يريد ان يصل بنا.

وبالنسبة لتقرير الامم المتحدة، اكدت له ان الخطأ يكمن في تقسيم البشر الى سفارات ودول واعلام. بدل النظر اليهم كمخلوقات تعيسه، مهددة بالموت مهما ارتقت. ان هذا النوع من النظر يهمل وقائع التاريخ. فمع نهاية الحرب العالمية الثانية وصل عدد الضحايا الالمان الى ستة ملايين، الكثير منهم لم يكمل العشرين. ولو اجرينا في ذلك الوقت مقارنة بين عمر الألماني و الأفغاني لكانت الارقام في صالح الأفغاني.

ولو اخذنا شريحة صغيرة في تاريخ اليابان هو الساعة 8:15 يوم 6 آب عام 1945 وحسبنا عمر الياباني في جزيرة هيروشيما بعد خمس ثوان لأمكننا الخروج برقم مفزع لا يقارن بافقر قرية في زيمبابوي.

لكي نصل الى عمر الأنسان الحقيقي ( 50.5 سنة ) علينا ان نمسح تاريخ وجوده على كوكب الارض منذ اللحظة الاولى. ان نمتد مكانيا وزمانيا. ان نسجل ضحايا الحروب، وحملات الابادة الجماعية، والكوارث الطبيعية، والعصور الجليدية، وضحايا الاوبئة،، والحيوانات المفترسة ولدغات الافاعي والعقارب والحشرات الاخرى. ينبغي مسح تاريخ الامبراطوريات القائمة على شئ واحد هو بناء جيوش جرارة لقتل الآنسان قبل الأوان. واختراع كل ماهو ضروري للقضاء على الموت الطبيعي. ان جعل عمر الانسان اعتباطيا هو هدف غير مقصود لجميع الامبراطوريات القديمة والحديثة على السواء.

 

٭ ٭ ٭

صعد الليل الى باص الخشب حاملا معه زجاجة خمر. حملت شقيقة راضي لنا مايكفي من اطباق المزة. وضعتها على الطاولة وعادت لتنام. وحمل عمران ميزانه وتبع زوجته. فبقينا انا وراضي. نعب الكأس تلو الكأس. ومع كل جرعة كانت الفكرة تطل علينا من قعر الكأس وهي اكثر تألقا.

الطريقة التي ينظر بها اخي وزوجته وعمتي الى العالم مكونة من قطبين. البحث عن النقيض.

بحث فخرية عن ضرتها، انتقل الى رقية، التي بدورها نقلته الى عمران. وعمتي وجدت ضرتها في بيت سبتي. انه البحث عن الخصم وليس المتمم. وهذه الطريقة تنبع اصلا من جهل مطلق بالعلاقة بين الاعتباط والحتمية. او بالاحرى عدم الاعتراف بها.

لاعب النرد الخفي جمع الاعتباط والحتمية في وحدة عضوية رائعة. الحتمية هي غاية الاعتباط. لايمكن رؤية الحتمية في عينة صغيرة.

كلما كان العالم صغيرا ( العينة صغيرة) كلما صعب رؤية القانون العام (الحتمية )، وازداد الشعور بالظلم (الاعتباط ). ويمكن القول ان القمار ولعبة الدومينو والورق تنتمي الى عالم الأحتمال. بينما تنتمي لعبة الشطرنج الى عالم الحتمية. وهذا يفسر قلة هواة الشطرنج. ان جاذبية اي حقل تتحدد بدرجة الاعتباط الذي يحتويه. من هنا نفهم شعبية كرة القدم. الاعتباط ميدان يسمح بدخول الجميع، على عكس الحتمية التي لايدخلها الا الاذكياء فقط.

ان الوجود بدون اعتباط هو وجود متجمد داخل المعرفة. وان المساعي الرامية لتحويل كل ماهو اعتباطي الى حتمي هي الشر بعينه. وهي عمليات اعدام للمتعة. مثل ادخال التقنيات الحديثة في هواية صيد السمك. او معرفة جنس الجنين سلفا ( السونار )، ناهيك عن تحديده. او اقتراح وضع مجسات اليكترونية في ملعب كرة القدم. وغيرها.

ان الايمان بوجود لاعب نرد خفي هو امر ضروري لتقبل الوجود. ليس بالضرورة ان يكون مخيفا، تسجد له الملائكة. ولا معنيا بالديانات ولا الانبياء. ان له وظيفة مهمة ويستحق عليها التبجيل هي ضبط الايقاع بين الاعتباط والحتمية.

 

كاتب عراقي مقيم في هولندا

shoka57@yahoo.com