أحمد المديني عن مذكرات أندريه ميكال وشغفه العربي

أندريه ميكيل
أندريه ميكال

بعد عمر مديد حافل بالكد والجد العلميين الأدبيين والتجارب والخبرة والممارسة الأكاديمية والتنقل في ربوع الأرض والثقافات، الثقافة العربية الإسلامية بروافدها المختلفه، يقف الكاتب والأكاديمي والمستعرب أندريه ميكال، معلمي ورفيق معلمي في السوربون والكوليج دو فرانس جمال الدين بن الشيخ، ليطلّ من علياء العمر على تاريخه الشخصي الحافل، يستعيده في محطات ومواقف ولمحات – لمعات، استذكارات، وحتى استيهامات وشطحات، كأنها بعض زبدة الحياة وجوهر المعيش وحكمة الدهر في جِراب جوّاب آفاق ومعارف.
هــــذا بعض مـــا دوّنــه البروفيسور ميكال فـي كتـــابـــه الجـديد: »Le temps se signe à quelques repères» (أوديل جاكوب. 2016). تأليفٌ، كما جنسه، عبارة عن مُذكِّرات (Mémoires)، نوع من أنواع السيرة الذاتية وأشكالها. وفي كل قلم تتخذ لبوساً وتحتفي بكيان وإحساس ومعنى، فكيف لو تصدى لها من أنجز بقوة وإشراق ونفاذ بصيرة من يقول عنه كامو إنه أنجز» مهنة الرجل» واستخلص منها ما ينبغي من دروس.
مهمة المستعرب الذي جذبته ثقافتنا مبكراً منذ التحاقه بالمدرسة العليا للأساتذة (1950) وأعد شهادة التبريز في النحو واللغة العربية، وبتأثير من بلاشير أضحى متخصصاً في حقل الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي التي ألّف عنها مصنفاً ضخماً اعتماداً وانطلاقاً من كتاب البلدان لأبي العباس اليعقوبي، إلى جانبها ويؤازرها شغفُه بالشعر العربي، عاد إلى خزّانه في العصر الجاهلي، لا عجب صار امرؤ القيس زاده، ومجنون ليلى هواه وشدوه، ولكي يشتدّ ساعده في النثر أين أقوى من عبد الله ابن المقفع، فجاءت ترجمة «كليلة ودمنة» بها أجازه بلاشير وشهد له أن سِر في مناكب ثقافة ولغة العرب بعد اليوم كما تشاء. وفي خاتمة المطاف لا آخره لم يسلم من غواية شهرزاد، بأقوى ربما من استسلام شهريار ووقوعه في دائرة السحر التي عرف كيف يرسمها ويطرز خيوطها أستاذي المرحوم جمال الدين بن الشيخ بفتنة آسرة، فأنجزا معاً الترجمة الاستثنائية المدققة والباذخة لـ «الليالي». ويكفي أن تتولى غاليمار (2005) إصدارها في سلسلة « لابلياد» للخالدين. ولم ينل من عزمه شيء بعد رحيل أبي الشعرية العربية، فواصل بدأب إكمال الترجمة وفي نفسه جرح مفتوح لا يبرأ على جمال، لا يوازيه فجيعةً سوى فقدانه ابنه في زهرة الشباب.
إنما، أليس لنا أن نعجب أن من مرّ بمحنة كالتي تعرض لها ميكل في مصر وهو في بداية اتصاله المباشر بالعالم العربي لقي فيها من العَنت والتنكيل ما يفوق أي وصف؛ أوليس عجباً أن لا يزيده ذلك إلا إصراراً على المضي في طريق الثقافة العربية بعد الحصاد المرّ لـ «Le repas du soir «(فلاماريون، 1966)؛ «وجبة المساء» الكتاب السِّيَري الذي دبّجه عن اعتقاله في القاهرة حيث عُيِّن في مهمة ديبلوماسية (1961) واتُّهم بالتجسس ضد نظام عبد الناصر شهرين بعد وصوله، فقضى ستة أشهر في قبضة الاستخبارات المصرية ولاقى في معتقلها الويلات تنكيلاً جسدياً وتعذيباً نفسياً، وهو ما وصفه في ما بعد بأنه يمكن مقارنته بغوانتانامو الأميركي. أحسن المركز القومي للترجمة صنيعاً حين نقله إلى العربية بمجهود رشا حسن، ومن يقرأ هذا الكتاب المترجم بأناقة وأمانة سيزداد تقديراً وعرفاناً للأيادي البيضاء التي قدمها هذا الشخص إلى الثقافة والأدب العربيين. ونحن لا نرى أحداً يستلم المشعل بعده، في مسيرة بوّأته بعد السوربون كرسي الأدب والحضارة العربية في الكوليج دي فرانس (1976 – 1997)، حيث كنا نختلف إلى محاضراته كمريدين إلى قطبهم، ثم بعدها محافظاً للخزانة الوطنية (ريشليو 1991 – 1997)؛ أي خزانة لأي زمن أكاديمي!
لنصل أخيراً وليس آخراً إلى كتاب: «الزمن يُعلم ببضع علامات» هذه المذكرات المقتضبة، الموزعة على تذكرات ووساوس وهواجس وحدوس ولحظات مختلسة للروح بين الأمكنة والأزمنة. ملاحظات وكشوف من كل نوع في زيارات للعالم في شرط أكاديمي فتُنزع قشرتها أو مناسبتها للنفاذ إلى جوهر دفين ينطق فيه الكاتب – المتكلم بخطاب الحكماء والعرافين، ملفوف غالباً بالسحر والدهشة، ومنزاح دوماً عن جفاف ودوغما اليقين، وهذا ببساطة لأن المتلفظ في هذا السِّفر والسَّفر أديبٌ، شاعرٌ، رؤيويٌّ، نافذُ البصر، عميقُ البصيرة، مُشعُّها، بعدما مثل كل الثقافة الجامعية، وصار مرجعاً وأباً ومدرسة كاملة.
وعلى رغم ذلك فإن هذه المذكرات لا تخبط خبط عشواء صنيع أخرين يحسبون النوع تسجيلاً لكل ما كرّ ومرّ بين فائت وحادث، ذلك أن منهجية الباحث تحضر فيها، يدركها المدرب من تبويبه أولاً، مقسماً إلى ثلاثة أبواب: أمكنة؛ لحظات؛ لقاءات. لا انفصال في الحقيقة بين هذه الأبواب ولا تباعد، كل واحد منها، بما وراءه، مُشرَعٌ على الثاني ويُفضي إليه في مسارات ليست دائماً خطاً مستقيماً، بل فيها منعطفات وتدرُّجات وانتقالات خاصة بين الحِسي والروحي. الشاخص للعيان يُعاد تشخيصه بريشة كاتب تعرفه القصة والحكاية، والكامن في ثنايا الروح وشغاف القلب والوجدان بهمس وبوح واستعارات وقيثارة شاعر تعرفه القصيدة. وتبرز المنهجية النزعة الأكاديمية في اتساق المكتوب، وخضوعه لتصورات ورؤى معينة عن الوجود والكائن والطبيعة والزمن والعلاقات الإنسانية وغيرها ما يمثل نسقاً فكرياً ينتظم ويخيط بخيط سري الخطاب المذكراتي بأبوابه الثلاثة. الأول ربوع الصبا، وأماكن انتقالات في ديار شتى، ليست مقصودة لذاتها، وإنما «حب من سكن الديار» وبما تستثيره من نوستالجيا وفي الآن تنصبّ أمامك جزءاً من كيان، إذا أمعنت فيه يَرُدُّ لك صورتك لتستذكر أنت كيانك. الثاني، لحظات، أوقات من العمر قضاها، مصادفةً أو مختلسة – تحط فيها العين على جمال نادر، أو تجمعك بواحد من كبار العالم، وأنت فتىً بعد، شاعر عملاق مثل رينه شار، هو من يصغي إليك ويفرش لك زمنه مهاداً، كلاهما من منطقة لانكدوك وديدنُهما التولّه بالطبيعة. وأوقات عمل، في المكتبة الوطنية في باريس، هنا ذاتَ أحدٍ يتسلل ميكل المحافظ إلى قاعة القراءة الكبرى والصمت مطلق، يوم عطلة. أما اللقاءات، أيّ ثراء، يا لفخامة الأسماء، ليس للتبجح، وإنما لعرض فكرة، رسم بورتريه، ضبط مفهوم، قيمة، مثال، جوهرة إحساس؛ خذ بعض الأسماء الأعلام: ماسينيون؛ هيلا سيلاسي؛ دوغول؛ متيران؛ إدغار فور؛ غورباتشوف، فرنان بروديل، بورديو، جمال الدين بن الشيخ…
كيف تكتب النثر وهو شعر، وتقرأ الشعر لا يدّعيه شعراً، أو تنوس العبارة بينهما بلا اختيال، قد نسجت بين مبناها لتؤدي معناها، أو تبُثّ إحساسها، كأنما بالسليقة، لا بل بها، وهذه هي الموهبة. ما الرجل بدخيل على صنعة الأدب، فن القص، ونثر الفن، له فيه أعمال مشهودة، إنما غلبت عليه سمعته الأكاديمية. جدير بها أستاذنا الذي علمنا، نحن الذين جئنا إلى السوربون باكراً، لنُسقى من جديد نبع حب ثقافتنا ورُواء شعرنا، على يد أساتذة أجلسونا إلى جوارهم في الكوليج دوفرانس، أي نعم كأنداد، وأراه، أستعيده الآن يستمع إلى محاضراتنا وتقاريرنا قبله جاك بيرك، وبعده وبرفقته بن الشيخ، وبنظرة محبة وصرامة معلم يقولون: كونوا خير خلف، وإنهم لخير سلف. نعم، إنها علامات حياة حافلة تلك التي أشّرها آخر المستعربين، تغني معرفة وتعليماً بفن كتابة. شرطها الأول طبعاً، أن يتوافر للمرء حياة حقاً. وأن يعرف كيف تنفذ فيها روحه ويصبّها في قالب لغة تحسب أنها عزف وتسبيح، ويسبغ عليها طلاوة أسلوبه في مذكرات عالمة وهامسة، مقتصدة، مقطعية، شذرية، بنبرة البوح وطعم القناعة والسكينة، تذكرك بقول (BUFFON – 1957) إن:» الأسلوب هو الرجل نفسه»، كذلك هو أندريه ميكال.

 – هذه المقالة تشرت في صحيفة “الحياة” البيروتية يوم 28 اوكتوبر 2016، ونعيد نشرها هنا بالاتفاق مع المؤلف.

كاتب وأكاديمي مغربي

aelmadini@yahoo.fr