“سلام على البقيعة” فصل من كتاب مذكرات للكاتب الفلسطيني محمد خشان

محمد خشان الادب العربي اليوم
محمد خشان Mohammed Khachan

جاء في الحديث الشريف:”ما زال أخي جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه”. ونعم الجار هي البقيعة. ويقول أفلاطون :”ان العالم روعة فنية”. فاذا أردت ان تتمتع بهذه الروعة فتعال معي نزور البقيعة فقد أحبها الله وجعل منها قطعة من جنته على الأرض. لا تبتدئ باكثار الأسئلة فالبقيعة على الغالب تصغير بقعة وللتصغير معاني كثيرة منها التحبب كما ورد في قوله تعالى: “يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك…” (بني تصغير ابن تصغير تحبب). نحن الآن في الرحبة وهي الساحة التي في وسط قرية سحماتا ومنها ننطلق الى البقيعة سنمر من على سطوح البركة ليست هي سطوح بالمعنى المتعارف عليه بل طريق يمر من اعلى جدار الصخر الطبيعي للبركة من ناحية الشرق وقسم من هذا الطريق مرصوف بالفسيفساء. وهي الآن لم تعد بركة فقد امتلأت بالطمي وقد تكون أصبحت على مستوى الرحبة. الى يسارك تين عزيز لآل الجشي حيث كنا ننصب المراجيح في الاعياد بهجة وفرح وأغان افتقدها اولادنا وفي أعلى تين عزيز ممر ضيق يتصل بحرج السرو والمرجة والعنبرة التابعة للمدرسة الفوقا. وأمامك البركة الجوانية وإن كانت خارج البلد والى يمينك بيدر عبد الرحيم فاعور نأخذ المفرق الذي الى اليسار ونتابع السير الى يميننا بيدر الحاج أسعد قدورة ويليه بيت مصطفى الحجار وإلى يسارك مجموعة بيوت لآل سلمون يليه طريق يذهب صعدا دعه وتابع سيرك فإلى يمينك وشمالك بيادر وفي آخرها اول درب العين حيث تذهب الصبايا والنسوة يملأن جرارهن ويتفنن في حمل الجرة وهذه الضفائر والتي علقت في اخرها ثلاث قطع ذهبية لكل ضفيرة، تتراقص على ظهورهن أذكر منها الغازي والجهادي والمجر وقد علقت في اطرافها ست قطع ذهبية وهي اسماء من أيام الدولة العثمانية، نحن الآن في آخر المقبرة والتي تعلو الطريق يسارا تابع الطريق والى يسارنا كروم تين يغلب عليها النوع الذي نسميه الشحماني ويسمونه في لبنان البياضي، تابع سيرك هناك مفرق الى اليسار يصل الى المرشقة وقد اصبحت مغاور لطول الحفر فيها، يأخذ منها تراب أبيض وقد يكون قطعا حواريا تنقع وتطرش بها البيوت وهي تبعث على البرودة ورائحتها طيبة، دعه وتابع طريقك الى العين طريق رصّتها ونعمتها أقدام الصبايا وعلى جانبيها الحشيش الأخضر ونباتات مختلفة الالوان والانواع وإن كنت أذكر منها نبات الطيونة وهو كثير وورقه أشبه على وجه التقريب بورق الزيتون وهو ورق لزج كنا ندقه حتى ينعم ونستعمله لتضميد الجروح ووقف النزيف، والدردار والحميض ومنحدرات من الزعتر والصيفي وهو نبات طويل مستقيم يقطع ويفرد ويوضع عليه التين مشروحا او اقراصا.
هذه التلة الى يسارنا تسمى “رويسات العين” وفيها كرم تين لعبد الوهاب سلمون، وإلى الأسفل قطعة أرض لدار أيوب فيها شجرة تين من النوع الحماري وهي مجاورة لقطعة أرض لوالدتي تسمى “حلالين العين” وكنا نزرعها خضار متنوعة كوسا وبندورة وخيار وقثاء وكنت أنطرها أي أراقبها كي لا يسرقها سارق ولكن هذه المراقبة كانت من أسفل درب الدورة وهي بعيدة عن المقثاية فقد يستطيع السارق ان ينزل ويقطف ما يشاء وليس في يدي حيلة سوى الصراخ من مكان بعيد فبيننا منحدر لا يمكن تسلقه والطريق من حيث أنا الى المقثاية اكثر من ربع ساعة ركضا، ها نحن ننحدر نحو العين وهي ليست مزرابا كعين النمر في وادي الحبيس وليست نبعا قويا على مستوى الارض كعين برزة بل هي عين في منحدر من الارض ومنذ أجيال طويلة بنيت غرفة كبيرة لها بابان وارتفاعها حوالي ثلاثة أمتار وكان سطحها من الطين ثم في السنوات الاخيرة قبل النكبة بل قبل الانهيار كما يسميه المؤرخ العلامة عجاج نويهض والد الدكتورة الأديبة بيان نويهض الحوت زوجة المغفور له شفيق الحوت وقد أهدتني مجموعة كتب لأمها وأبيها، والدكتورة بيان هي صاحبة الكتاب المميز والموثق بالشهادات عن مجزرة صبرا وشاتيلا.
أعود واقول قبل الانهيار بسنتين تقريبا صبّ سطح العين بالباطون ويتم نشل الماء بواسطة دلو يتدلى بحبل وتكون مجموعة الصبايا يدلين بدلائهن وقد تتشابك الحبال وهي كما وصف عنترة:

ولقد ذكرتك والرماح كأنها                  أشطان بئر في لبان الأدهم

وقد أثرت الحبال بباب العين وتركت فيه أثلاما ليصح القول كثرة المداومة تقطع خرزة البئر.
نحن ننحدر من العين مرورا بـ”نبعة بو هاني” وهي قد تكون عرقا أو فرعا من العين ومثلها “نبعة المويصة” في الجهة الغربية للعين أقول هذا تخميناً لا تحقيقاً، ها نحن نصل إلى الشارع وهو شارع مستو لا طلعات فيه ولا نزلات فإياك أن تشكو فأنت في رحلة طيبة، وهذا الشارع يوصلك إلى عكا غرباً وإلى صفد شرقاً. إلى يمينك مرج سحماتا هكذا كان يعرف وقد يكون جزء منه للبقيعة أنظر إلى هذا النتوء إلى جانب الطريق والذي يشبه التلة وإلى يسارك كروم زيتون متناثرة. في آخر المرج أذكر كرم زيتون يفصل بين المرج وهي ارض سليخ وبين البقيعة وكرم الزيتون هذا لأهل البقيعة أنظر الى النباتات التي تنمو على جانبي الطريق وفي الأرض انتبه الى كثرة نبات الهندباء أو (العلت) كما كنا نسميه في فلسطين، ثم إلى نبات الخرفيش ويأخذ منه دواء لبعض الأمراض المستعصية أزاهير ونباتات خصّ الله بها أرضنا المقدسة أمامك الورود الحمراء المنتصبة القامة فهي البرقوق او شقائق النعمان ويكثر في كروم الزيتون نبات النفلة بلونه الزهري وهو مأكل طيب للماعز وكثيرا ما ترى بعض كروم الزيتون وكأن أرضها زرعت رشادا وبعض حبات الزيتون التي سارعت في السقوط (الجرجير) فتأكل رشادا وجرجيرا وتستطيع ان تصنع سلطة طيبة من القرصعنة والحميض والرشاد وأن تقتلع بربزينا والسمّيخة وجرية الحمامة تصنع منها فطائر صحية طيبة.
لقد تأخرنا ونحن نتفرج على بديع صنع الله. أراك تشهق شهقة تعجب وانبهار قف وتأمل فالبساتين التي فاجأتك وبهرتك هي بساتين (طيرية) وهي لأهلنا وجيراننا أهل البقيعة، مجموعة بساتين فيها التفاح والرمان وغيرها من الفواكه والخضار وقد كتبت مقالاً خاصاً عن بساتين طيرية تحت عنوان “الغزوات الناجحات” ومن الخير أن يلحق بما أكتبه الآن عن البقيعة.
أسرع يا أخي اسرع وسترى من الجمال فوق ما رأيت إلى يسارك وعبر هذا المنحدر تتجه شرقاً شمالاً وعبر طريق قادومية إلى قرية بيت جن وسيكون لي معها حديث، ثم هذا الشارع إلى شمالك يذهب إلى الرامة. تسأل ما هذه الغابة التي أمامك نحن واصلون إليها وحق لها علينا أن نقف ونتأمل تأمل العابد الخاشع. أشجار من السنديان المعمر يعلم الله عمرها، غابة تبعث على الرهبة وإلى جانب الطريق في هذه الغابة الصغيرة قبر الصدّيق ومنهم من يقول يوسف الصدّيق قبر أذكر كأنه صندوق كبير أبيض اللون وفيه فتحة من ناحية الطريق لوضع سراج أو شمعة، أرجو أن يكون وصفي قريب من الحقيقة فما أذكره مضى عليه ما يقرب السبعين عاماً.
وأول مرة زرت فيها البقيعة كنت في الابتدائي الأول اي سنة 1940 ذهبت مع والدتي لشراء البطاطا وهي تكثر في البقيعة إذًا ها نحن في أول البقيعة إلى اليسار صخور مرتفعة وكأن فيها فجوات يتدفق منها الماء هذه بقعة أحبها الله فأغدق عليها الماء، نبع في طيرية يروي بساتينها ومواشيها ومن شاء السباحة في هذا السيح الواسع وسطحه من الباطون وله باب متسع وهو محاذ للعين التي تعلوه والمياه تصب فوق رمال وحصى وضعت لتنقية الماء على ما أظن. لا تؤاخذني إذا عدت إلى طيرية بعد أن وصلت إلى أول البقيعة فأنا كاصحاب الطرق الصوفية كما رأيتهم يذهبون ثم يعودون لأمر في أنفسهم ثم يستأنفون من جديد رحلة الذهاب.
الطريق من النبع في اول القرية إلى وسط القرية طريق ترابي مرصوص واسع يأخذك إلى ساحة في منتصف القرية حيث هناك نبع ثالث للبقيعة وهذه الساحة صبّت بالباطون وتتفرع منها أقنية تروي بساتينها، والبيوت وسط هذه الينابيع والبساتين حفظكم الله وبارك لكم في ما أنعم عليكم.
الذي أكتبه الآن هو ذكرياتي الأولى عن البقيعة سنة 1940، إشترينا البطاطا وأذكر حباتها النظيفة وهي إلى البياض أقرب، نظرت إلى بستان قريب منا وفيه شجرة ضخمة لا أدري نوعها وكيف لي أن أدري؟! فقلت لوالدتي هذه الشجرة تصلح أن تكون جسراً لبيتنا كنا حينها نشيد بيتنا الجديد، فقالت لي: لا، نحن سنشتري جسور حديد. فاجأتني والدتي بهذه المعلومة “جسور حديد” فالذي كنت أراه في معظم البيوت إما جسور خشبية أو قناطر. في هذه الساحة بيت يصعد إليه بدرج وله درابزين حديدي مدهون باللون الأزرق وقد غير الزمن لونه فاصبح باهتاً وكذلك لون الباب والذي يفتح إلى الناحية الشرقية قد يكون هو بيت كامل القاضي من ترشيحا لقد كنت أسمع في قريتنا أن له أرض في البقيعة ومما كنت اسمعه عنه ان ابنه أنهى دراسته في فلسطين وعندما عاد جاء الناس للسلام عليه وتهنئته بالنجاح، فقال له والده كامل القاضي: هل أنهيت دراستك؟ قال: نعم إلا إذا أردت ان اتابع دراستي في بريطانيا، قال له أبوه: أنت لم تنهِ دراستك بعد. عليك أن تذهب إلى سحماتا وتتعلم “الحكي”. كل القرى تدور فيها أحاديث وتتجمع الناس في الساحات وفي داخل الدكاكين في الشتاء ولكني تأكيداً لقول كامل القاضي أقول:سمعت أحد شيوخ القرية يقول على مسمع من الناس: “لو الحرب بالحكي بحارب السبع دول” وللرقم سبعة عجائب وغرائب فالقارات سبع والمحيطات سبع وبعض الفرق الدينية تحمل هذا الاسم وهم الاسماعيلية الذين يقفون بالإمامة عند الامام السابع اسماعيل إبن الامام محمد الباقر، فالدول الكبيرة سبعة هكذا وصفها الشيخ في مقولته. وقد طلب أحد الاصدقاء مني كتاب بهذا العنوان فتشت عليه في مكتبات بيروت فلم أجده وهو يحمل اسم غرائب وعجائب الرقم سبعة. ومن رجال البقيعة العظام وكل رجالها عظام ولكني أخصّ بالذكر يوسف بيك كمال كنت أسمع انه كان ضابط في الجيش الانكليزي في الحرب العالمية الثانية وقد قام ببطولات استحق عليها لقب بيك، من هذه البطولات التي كنت اسمع عنها أن الجيش الانكليزي توقف امام جسر واحجم عن العبور خوفا ان يكون الألمان قد لغموا الجسر ولكن ابن البقيعة الهمام قطع الجسر على دراجته ولم يكن الجسر ملغوما. وقد برزت قدرات العقيد يوسف بيك كمال في مواقف عديدة وبعد انتهاء الحرب استحق وساما يحمل صورة ملك وملكة بريطانيا بتوقيعهما ورتبة بيك فإذا أخطأ احد ولم يرفق الاسم باللقب فإن أراد البيك فالعقوبة ستة أشهر سجن هذا ما كنت اسمعه في الحارة أو مجمع الدكاكين، وفي السنوات الاخيرة كانت ترد إلى القرية جريدتا “فلسطين” و”الدفاع″ ويقرأ أحدهم الأشياء المهمة التي تتعلق بفلسطين.
كما لا أنسى أن من الأساتذة الذين علمونا اللغة الانكليزية الاستاذ صادق الصادق من دير القاسي والاستاذ عفيف والاستاذ نبيه أحدهما من البقيعة وزميله من معليا ولمعرفة أيهما من البقيعة سألت الحاجة الفاضلة أم بسام عثمان رابعة قدورة، يدهشك في هذه السيدة أنه في عام النكبة كانت دون العاشرة ولكنك تجد عندها من المعرفة بالأماكن والناس ما لا تجده عند كبار السن فأكدت لي انه الاستاذ نبيه مخول من البقيعة. وقد درس معنا في الصف الخامس أو السادس طالب من البقيعة ولمدة قليلة لم أعد أذكر اسمه ولكن أذكر له تعليقا فقد سمع أحد الطلاب وهو محمد خليل الديماسي ابن مدير المدرسة يكنّي الطلاب بكنى الخارجين عن القانون (الغضباء)، مثل ابو رافع وقد أصبحوا في السنوات الاخيرة يظهرون بكثرة أذكر منهم سعيد رافع وصالح الدوخي والعبد شرف، رأيت منهم مجموعة في وسط القرية أمام دكان علي الحاج أسعد بلشة، أعود وأقول كان تعليق التلميذ من البقيعة: “لماذا تكبرون أنفسكم؟”، لم تنقطع صلتنا بالبقيعة فقد قمنا برحلة مدرسية الى نبع طيرية ورحلة ثانية الى غابة السنديان المهيبة وفيها قبر الصديق يرافقنا بائع الكعكبان، ويلقب بالملك. وقد كان يغني تحت أشجار السنديان “رقو رقو ما رقو قشر البندق ما رقو والله لبيع الفدان وادفع للغالي حقه”.
وفي السنوات الأخيرة قبل النكبة او الانهيار جاء رجل من البقيعة يعرف أهلي فأعطاه عمي عشرين رأسا من الماعز وجدي عشرة رؤوس ووالدي عشرة رؤوس وبعد سنوات تتم القسمة حسب نظام متعارف عليه هذه الشراكة نسيت أن أسجلها في سيرة حياتي. وها أنا أذكرها هنا وأظن أن الرجل اسمه محمد محمود، كنت في الصف الابتدائي الخامس وجاء الى القرية برجاوي (بائع اقمشة متجول) تحمل بضاعته دابة على عكس المألوف في البرجاوي الذي يحمل بضاعته على ظهره ونزل عند أحد الأخوة النصارى وذهبت والدتي واشترت لي قطعة قماش جوخ لون بني وذهبت عند خياطة في البقيعة لتصنع لي بدلة، جاكيت وبنطلون قصير، أنا اذكر أحداثا متلاحقة فكلها تقع في السنوات الأخيرة قبل النكبة وقبل أن انسى أذكر مكرمة أخرى ليوسف بيك كمال فقد جاء كما سمعت الى سحماتا واجتمع ببعض شيوخها وطلب منهم أن لا يخرجوا من البلد لأن من يخرج من بلده لا يعود اليها، سمعت هذا في لبنان وليس في فلسطين ولكن الشيوخ تمنوا عليه أن لا يخبر أحدا فالناس كانت تخاف من تهمة الخيانة ولها تجارب سبقت في ثورة 1936.
وها انا أعيش لأوثق الأيام الاخيرة في فلسطين فيوم الخميس عصرا ألقت الطائرات الاسرائيلية بقنابلها والتي كنا نسميها قازان لكبرها على قرية دير القاسي، كنت حينها على مقبرة القرية والى جانبي رجل معه بضعة رؤوس من الماعز وسألني شو رأيك يا محمد؟ الطائرات هذه عربية أم اسرائيلية؟ رأيناها تأتي من وراء الجبال من الغرب فقلت له هذه طائرات عربية، قال: شو عرفك؟ قلت: ألا ترى كم هي منخفضة؟ فلو كانت اسرائيلية لما تجرأت على ذلك، لم أكمل كلامي واذا بدير القاسي كتلة من الغبار.
يا الله كم كنا بسطاء وساذجين. ترى مما ستخاف الطائرات الاسرائيلة من البنادق العتيقة؟ وان كانت جديدة فهل تسقط البندقية طائرة!ّ وفي اليوم الثاني يوم الجمعة وقبل الظهر كانت الغارة على قريتنا سحماتا تبعتها غارة ثانية، لاحقت الطائرات الاهالي الهاربين في الحارة الفوقا وفيهم أولاد ونساء ورجال وألقت عليهم قنابلها وقتل في الغارات مجموعة من أهالي القرية في الحارة الفوقا والحارة التحتا وفي أراضي القرية لا أريد أن أعيد ما كتبته في كتابي “الخط الشمالي)، فقد ذهبنا الى أرض الجبل ونقلنا والدي الى البقيعة وكان يأتي بما استطعنا اخراجه من البيت، وفي صباح السبت على ما أظن وباكرا سمعت رصاصا ينطلق في أول القرية ثم تقدمت مجموعة من الكوماندوس تعد بالعشرات وصلوا الى العين في وسط البقيعة وقاموا باستعراض بسيط ثم غسلوا وجوههم وانا اشاهدهم من أمام البيت المشرف على الطريق والساحة. نزلت الى حيث الجنود تاملتهم وتفرقوا في طرق القرية، مشيت وراء احدهم كان منفردا يحمل رشاشا صغيرا من النوع الذي نسميه توميكن أو استنكن، كان طويلا بائن الطول ورفيعا لم يملأ هذا الجندي عيني كنت أتأمل ظهره واقول في نفسي: هذا الذي سيخرجنا من بلادنا؟ مشيت ورائه خطوات ثم عدت دون أن يراني.
في اليوم التالي وصباحا دخلت البقيعة كتيبة من الجيش الاسرائيلي بلباس موحد وخوذة عليها شبك وامام الكتيبة سيارة جيب تقودها فتاة سمراء. قاموا باستعراض كما فعل الكوماندوس في اليوم السابق ثم أخذوا مواقعهم على أسطح القرية وعند المساء سمعت مناديا ينادي أن كل من هو من غير أهل البقيعة عليه أن يخرج في الساعة السابعة صباحا وأن يمشي على الشارع العام والذي لا يسير على الطريق العام، الجيش يطلق عليه النار.
كان من بين من ذهبوا الى البقيعة بعد قصف قريتنا أحمد اليماني وسمعت انه جمع مجموعة من الرجال وذهبوا الى القرية لمفاوضة اليهود على التسليم والبقاء ولكنهم امسكوا به وبأخيه هاني واقتادوا أحمد اليماني (أبو ماهر) للسجن كما روى لي بالتفصيل ثم ليعودوا ويقذفوا به الى الحدود اللبنانية، في هذين اليومين في البقيعة ذهبت الى أعلى البيت فوصلت الى الشارع الذي يؤدي الى الرامة ورأيت نسوة يمشين بسرعة وعليهن سمة المدنية ويمسكن بايدي أولادهن رأيت ذلك وعدت الى البيت، لنخرج نحن ايضا الى المجهول.
خرجنا صباحا ووصلنا الى النبع الذي في أول القرية كان معنا ظرفان من اللبنة نسيناهما وقد رأيت في الحرب الاهلية اللبنانية أن اكثر ما يصيب الناس هو النسيان، رأيت رجلا في بيروت يريد أن يشتري خضارا فسماها بغير اسمها تعجبت من ذلك ولكن البائع لم يتعجب وأخبرني ان أمثاله كثيرون.
طلب مني والدي أن أعود لأحضر ظرف اللبنة أحدهما كبير حوالي ستة أرطال وهو في وتد مرتفع والثاني صغير حوالي رطلين في وتد منخفض، أخذت الصغير بسرعة وخرجت ولا أخفيك انه انتابني شيء من الخوف فقد كان هناك جندي على السطح الذي أمام البيت وأمامه رشاش من النوع الذي نسميه برنكن.
وهكذا كان آخر عهدي بالبقيعة وسحماتا التي مررت من أمامها وشاهدت اليهود في بيتنا المشرف على الشارع الذي نسميه الكوربا، حتى الآن تحدثت كثيرا عن الاماكن وقليلا عن الناس، وحتى الآن لا اعرف اسم صاحب البيت الذي نمنا عنده ليلتين، قد أكون عرفته حينها ونسيته، ولا أريد أن أقول أني لا أعرف دينه فهذه القرية البديعة الرائعة تمثل حضارة لا مثيل لها فهي على صغرها وعظمتها تضم الأديان السماوية الثلاث، وكنت أسمع أن أحد اليهود من البقيعة واسمه أبرام انضم الى الثوار في ثورة 1936، ثم يختفي ليظهر عند احتلال القرية باسم ابراهيم هلال.
هذه ذكريات ولد كان في السابعة في الزيارة الاولى وفي الرابعة عشرة يوم الخروج أو النكبة أو الانهيار العظيم، والبقيعة تستحق أكثر من هذا ولكن هذا ما استطعته وقبل أن اختم مقالتي أود أن أتقدم بالاعتذار من والدتي سليمة صاحبة البستان في طيرية فقد امتدت يد الطفولة الى رمانها وتفاحها. سامحيني يا سيدتي وقد يكون وصفي لبستانك الجميل في سيرة حياتي ما يشفع لي.
كما أرجو من والدي خليل عبود والذي استشهد في سحماتا أثناء القصف الاسرائيلي أن يسامحني فقد عز عليّ أن أعود خائبا “فناديت عليك يا عمي خليل يسلم عليك أبوي ويقول لك بدنا شوية فرفحينة”، فقلت:ابن من انت؟ فأجبت: انا ابن كامل خشان. فقلت يا عمي اليوم سقيت الأرض إمشي على رؤوس الأثلام.
سامحني يا والدي فلم أكن صادقا فوالدي لا يعرف أصلا انني أذهب منفردا أو مع رفيق الى طيرية. أنا على يقين أن روحك وروح والدتي سليمة تسامحني بل أنتم تضحكون من عبث الطفولة وشيطنتها.
ولا أنسى الوجه الثقافي المشرف للبقيعة، وأقدم من تعيهم ذاكرتي شاعر شعبي من أيام العثمانيين اسمه داوود وهو المعروف في فلسطين بالحدا كما لا انسى استاذي نبيه مخّول مدرس اللغة الانكليزية والكاتب ناجي مخّول مؤلف كتاب “عكا وقراها”، وقد لفت نظري توسعه في الكتابة عن سحماتا فقلت ذلك لأبي ماهر اليماني فضحك وقال: (ماهني السحامنة أخواله).
كما لا أنسى ان البقيعة احتضنت بعض أهالي سحماتا ومنهم زميلي كرم موسى فقد كنا في صف واحد.
سلام على البقيعة سلام على أجمل بقعة رأيتها في حياتي وتركت أثرا في نفسي سلام على اهلها وكرمهم ونخوتهم سلام على كل حبة تراب في فلسطين.

فصل من كتاب يصدر قريبا بعنوان:
“جولة في الجليل الأعلى – على خطى السيد المسيح”

كاتب فلسطيني، بيروت
mohammed_khachan@yahoo.com