“قل لي إلى أين المسير” قصة قصيرة للكاتب المصري جمال مقار

 

1

جمال مقار كاتب مصري
جمال مقار Gamal Makar

منذ ليلة الأمس لم أنم، كان الجرح الصغير الذي أصبت به أثناء الغزو يؤلمني، ومع ذلك كان إيلامه محتملا أمام الجرح الكبير الغائر في النفس من جراء ما جرى في القسمة، لقد شهد التوأم اللعين شحرام وشخرام أمام الأمير بأنني لم أكن أقاتل قتال الراغب في نيل إحدى الحسنيين، وأنني كنت أتقى مواجهة الأعداء، كنت أعلم أن الأمير هو الذي أوعز لهما بالشهادة ضدي، لذا جاءت تلك المرأة العجوز المصيبة من قسمتي، امرأة سليطة اللسان شديدة الحماقة، فما إن أعطيت لي حتى بدأ لسانها يرميني بأقذع الأوصاف:
– أنت يا جربوع .
– أنا ؟ !
– أهناك جربوع آخر غيرك ، فز قم ناولني كوب ماء .
كان على أن أحسن لها هذا ما أوصى به الأمير، أمسكت نفسي عن أن أضربها ضربة بسيفي البتار أطير بها رأسها، تمسكت بأسباب الصبر، وقلت لها وأنا أناولها كوب الماء :
– صبرا أيتها الشمطاء صبرا، غدا أبيعك في سوق النخاسة .
ضحكت ولم تتوقف عن الضحك ، وكادت من فرط الضحك أن تشرق وهي تبتلع الماء ، راحت في نوبة سعال ظننت معها أنها في النزع الأخير، لكنها توقفت عن السعال والضحك، وأرسلت سيلا من السباب المفزع :
– أنت أيها الجربوع ستبيعني أنا ؟ أنت يا ابن التي لو أغلقت دكانها لمت أنت وإخوتك جوعا ؟
مرة أخرى أمسكت نفسي بصعوبة بالغة، عن ضربها حتى لا أفسد فيها شيئا يبخس ثمنها، كنت مفلسا ، لقد خدعت بما صوره لنا الأمير حين قال يدعونا :
– إن مت نلت الشهادة، وإن عشت نلت من الجواري والعبيد ما يغنيك عن الفاقة ومذلة السؤال.
أفقت من أفكاري على سيل من سباب الحيزبون اللعينة التي رزأت بها، ولما لم يعد في قوس الصبر عليها منزع ، نهضت، أحضرت شريطا لاصقا، وأوثقت يديها ورجليها وكممت فمها، هكذا استرحت من ثغاءها ممنيا نفسي : غدا ، إن غدا لناظره لقريب .

2

– قبل أن نذهب إلى سوق النخاسة :
نهضت في الفجر، توضأت، وصليت، ثم انصرفت إليها، كانت نائمة تحلم، اقتربت منها في حرص، كانت ترسل سبابا متواصلا، لمن؟ لا أعرف ربما كانت الشياطين تحيط بها، فككت وثاق المرأة العجوز في حرص، فنالني رشاش متطاير من سباب مؤلم نالت به أمي وأبي حتى آخر جد لي، وكزتها بطرف قدمي، وقلت لها:
– انهضي أيتها اللعينة، واغتسلي .
فرمتني بنظرة من نار، قالت :
– اذهب أيها الجربوع الحافي، واحضر سطل الماء وطست الاغتسال .
وقبل أن انصرف، قالت :
– لا تنس يا عفن أن تحضر كوبا كبيرا لصب الماء.
عدت حاملا عدة الاغتسال، أخذت أنضو عنها ثيابها، صرخت عندما شددت جلبابها القذر، إذ اشتبكت به سلسلة من معدن رخيص تدلت منه أيقونة حديدية عليها وجه رب مما يعبدون.
قلت في ازدراء :
– تعبدين الأوثان .
لم ترد .
أمسكت الأيقونة بكلتا يديها وقبلتها .
واصلت نضو ثيابها، ولما أصبحت عارية تماما أدركت أي مقلب شربته، كان الشعر يتدلى من إبطيها ويتكاثف على عانتها، بينما تهدل لحم ساعديها، وارتجف ساقاها من البرد ك-أنها عنزة صغيرة، قلت في سري :
– إذا بيعت بدينارين، أكون أنا الرابح .
وبينما كنت أصب الماء على جسدها الضامر النحيل كنت تغني، ولما أخذت أدعك جسدها بليفة من النخيل، ضحكت وقرقعت من الضحك، وهي تقول :
– لا لا أيها الجربوع لا تدغدغني .
قلت من عمق اليأس :
– اللهم الهمني الصبر الجميل .
فقالت تدعو لي :
– ربنا يأخذك أخذ عزيز مقتدر، فيريحك مني ويريحني منك.
شخطت فيها :
– اخرسي .
صمتت ، ثم انسابت على وجنتيها دمعتين، فأصابني حزن شديد مس أوتار قلبي، وجدت نفسي أكفكف دموعها بطرف جلبابي الأبيض النظيف، الذي ألبستها مثله، وجلسنا نأكل صامتين غارقين في أفكارنا .

3
في سوق النخاسة :
كان الجو صائفا، وعلى الرغم من أن الوقت كان صباحا إلا أن الشمس كانت ترسل أشعتها لظى يلسع قفاي، سحبت خلفي العجوز من الحبل الذي قيدت به يديها، بينما لم تكف عن البصق والشتم واللعن، مررت على سقيفة الأمير، رأيته يجلس متربعا على أريكة كبيرة، وفي الركن جلست أربعون جارية القرفصاء، كن صبيات كالبدور، ترامى إلي نواحهن وزجر الأمير لهن .
ثم مررت على سقيفة نائب الأمير، في ركنها أقعى أربعون شابا، كانوا في مقتبل العمر وجوههم كسيفة ورقابهم مطأطئة ذليلة، ترامت إلى همساتهم، رأيت أحدهم يبكي وهو يلوح للعجوز، التي صرخت به :
– لا تبك ، ولا تخف ، سينقضي ذلك الكابوس يوما .
شخطت فيها زجرا :
– اصمتي يا امراة السوء .
ردت في عنف :
– امراة السوء هي أمك التي لن تحسن شيئا غير …….
هممت أصفعها، غير أن نظرة الأمير نحوي أوقفتني، ربت على كتفها وأنا أهمس :
– هانت وبانت .
وصلت إلى آخر سقيفة في السوق، سقيفة المقاطيع من أمثالي، هناك كانوا واقفين، وجوههم كالحة غاضبة تماما كوجهي ، انضممت إلى جوقة الغضب، وراقبت وجوه السبايا والأسرى الذين كانوا أسهما في قسمة الغنائم ، نسوة هالكات بينهن والقبر خطوة أو خطوتين ، ورجال هم بقايا رجال، جثث حية جرت إلى السوق جرا أملا في الخلاص منها .
جاء صاحب السقيفة، وهتف بالسلام :
– السلام عليكم عباد الله الصالحين، السلام على أسود الجهاد أصحاب السيوف والنجاد ومذلي أهل الكفر والعناد .
أنعشت كلماته الحارة الروح فينا، هتفنا :
– السلام عليك أبا إياد وعماد وشداد ورشاد .
واصل :
– الحال يا أولاد لم تعد هي الحال، بعد أن كثر السبايا والأسارى، والسوق شح فيه البيع والشراء.
سمعت همهمات وغمغمات، سكنت حين أشار بيده، واصل :
– النسبة مقطوعية انشاء الله ، وستكون الربع من ثمن كل رأس يباع .
تعالت الصيحات :
– كيف يا أبو إياد، كيف ؟
قال :
– هكذا رسم الأمير .
ألجمت الأفواه عند ذكر الأمير، وطأطأت الرؤوس، واصل :
– إليكم الطعام والماء القراح، فكلوا واشربوا، وادعوا لي بالرحمة والمغفرة.
ثم اعتلي أريكة كبيرة عليها طنافس لها شرابات حمراء وصفراء بديعة تدلت، هرولنا نحو قصاع الطعام، كانت مملوءة تمرا، تسارعت إليه الأيدي الجائعة النهمة.
عندما امتلأت الكروش انسل خدر ناعم مصحوب باحساس طيب بالنعمة والهناء، عندها طاف بنا عجائز بنراجيل مدندشة، تفوح منها رائحة الطباق الممزوج بزيت القنب الهندي الذي ارتفع أريجه إلى نخاشيش أنوفنا، وسرى بالسطل في أدمغتنا، فارتفعت الضحكات المجلجلة في أركان المكان، ثم جيء لنا باطباق عليها فصوص طيبة من جني الخشخاش، التقطت فص منها ، وضعته تحت لساني واستحلبته، فجرى عرق مر إلى ريقي عالجته بثمرة تمر، وعاودت احتلابه ، عندها سكن قلبي الغاضب، ورأيت نفسي محاطا بحوريات رائعات أصواتهن كانت تسرى بأجمل الألحان في أرجاء المكان .
كنت جالسا أرقب البيع والشراء في سقائف الأمراء والوزراء، وبعد أن تتم الصفقات أرى الرجل الذي اشترى يمر ساحبا خلفه جارية أو جاريتين أو ثلاث جوار طيبات جميلات رائعات ، يود المرء أن يصحبهن إلى جنة الخلد معه .
أما في سقيفتنا لم يكن هناك بيع أو شراء، ليس من المهم أن يكون هناك بيع أو شراء ، كل شئ بدا أمامي جميلا رائعا، أغمضت عيني، رأيتني أقود جيشا جرارا، ومن حولي تعالت صيحات الضرب والطعان وصرخات الفرسان الذين كانوا يتهاوون تحت ضربات سيفي البتار ، وكل صوت هو نغم عذب ينساب بي على ضفاف نهر هادر سيال ،وهذه الجثث الحية التي تفوح برائحة الموت ما عادت تبعث إلى إلا عبق عطر نفاذ من روائح الجنة.
انقضى النهار وانفض السوق ولم أبع أو أشتر، وجاء أبو إياد وعماد وشداد ورشاد، وقال :
– مرحى أسود الجهاد أصحاب السيوف والنجاد ومذلي أهل الكفر والعناد، من لم يصبه حظ من بيع ولا شراء في هذا السوق نتمنى له حظا أوفر فيما هو قادم من أسواق، والآن افرنقعوا .
افرنقعنا غير غاضبين، مشيت مأخوذا بنداءت آخروية، ورأيت سبيّ حلوة جميلة، سيكون لي معها الليلة شأن من شئون الغرام .

4
– في الليل :
كانت حوريتي نائمة على الأرض تتشاجر مع الشياطين وترسل لها بالسباب، وقفت أنظر إلى سحرها الطاغي وجمالها الفتان ، فتشت في جيب جلبابي ، وأخرجت فص أفيون واستحلبته ، فمشى بالخدر اللذيذ إلى أوصالي، رقدت بجانبها وأخذت أمسح شعرها بكفي في حنان، تأوهت ، فأطارت لبي، قبلتها، استدارت إلى وقبلتني، أي رضاب حلو انسل إلى فمي ، نضونا ثيابنا وانصرفنا إلى أعمالنا ، كم من الوقت مر بنا ونحن ذاهلين عن الوجود من حولنا : ثانية ؟ ربما ، أو دقيقة ؟ جائز ، أم ساعة أو ساعتان ؟ محتمل ، لقد سقط الزمن من عقلينا ومات عند سيقاننا .
عندما انتهينا ، تحممنا معا ، دغدغت بالليفة أجزاءها ، فتضاحكت وتلوت وهي تسبني :
– يا جربوع .
لما انتهينا ، قلت لها :
– اسمعي أيتها الحورية .
انتبهت، واصلت :
– سنهرب معا .
نظرت متعجبة إلى وهي تهمس :
– نهرب، نعم يجب أن نهرب .
لملمت حاجاتي القليلة، ودسست خنجرا بين ثيابي، وأخذت يدها في يدي، ومضينا تحت جناح الظلمة نرتقي التل الذي يقع أسفله معسكرنا .
لما طال بنا المسير جاءني صوتها اللاهث وهي ترسل لي بالسباب :
– أنت يا جربوع يا حاف، قل لي إلى أين المسير؟
سمعته كأغنية مصحوبة بلحن شجي، فترنمت بها :
– قل لي إلى أين المسير في ظلمة الدرب العسير؟
بينما كانت أضواء الموصل تخفت شيئا فشيئا، حتى لفتنا ظلمة حالكة متمكنة، سمعت صوت أقدام تهرول، وهي تسعى خلفنا، ثم اندفعت من فوهات البنادق زخات متتالية، سمعت بالكاد صرختها الواهنة وهي تخر صريعة، بينما واصلت العدو نحو المستحيل.

القاهرة / عين شمس الجمعة 11/11/2016

gamal_z_m@hotmail.com