رؤوف قبيسي: هل زرتَ يوماً “زاوية الخطباء” في حديقة “هايد بارك” لندن؟

Raouf kobeissi
رؤوف قبيسي Raouf Kobeissi

هل اتفق أن زرت يوماً حديقة “هايد بارك” في لندن؟ في بقعة من هذه الحديقة يسمّونها “زاوية الخطباء”، يحتشد الناس يوم الأحد من كل أسبوع كأنهم في يوم الدينونة. يأتون ليسمعوا المتكلمين، كلٌّ يغني على ليلاه. بعضهم يمجّد المسيح المجسّد، وآخر يشهد بالإسلام ونبي الإسلام، وبين هذا وذاك، غالباً ما يقف شاب بيده راية في وسطها صورة منجل ومطرقة يتعانقان، مثل عاشقين يذكّران العالم، بأن الرباط بينهما لا يزال قوياً ولن تنفصل عراه، على رغم كل ما أصاب العقيدة الأممية من نكسات وخيبات أمل!
لا يرى بعض المتكلمين ضيراً في أن يكون مثلياً، فيما يتهمه آخر بالشذوذ وهدم المجتمع. أما “الشرق الأوسط”، فله دائماً منصاته وخطباؤه، من عرب ومن يهود. مشكلته الأساسية الكبيرة معروفة؛ أرض على المتوسط، أحدهم يسمّيها إسرائيل، وآخر يصرّ على تسميتها فلسطين.
حين تكون في هذا المكان الذي يختصر العالم بأحلامه وطموحه، وأزماته وبؤسه، تدرك كم غريب أنت، وكم هو غريب هذا العالم، وقد تتساءل، مثلما أتساءل أنا الآن، عن دورك في هذا الفراغ، وهذا الدوران المتواصل فلا تجد جواباً. ماذا في مقدورك أن تفعل للعالم وأنت في هايد بارك؟ تتذكر ما قرأت، أن من هذا المكان، خرجت التظاهرات العمالية الكبيرة في العام 1855. يومها تنبأ كارل ماركس بأن الثورة الإنكليزية ستبدأ، وبأن لهيبها سيمتد كما النار في الهشيم، لكن أعيان إنكلترا الملكية وقفوا له بالمرصاد. مارسوا الثعلبة، وكانوا أقدر على فهم النفس البشرية بتقواها وفجورها من صاحب نظرية الحتمية التاريخية. استوعبوا نظريته حول “فائض القيمة”، كما شرحها في كتابه “رأس المال”، ثم طرحوا كتابه جانباً، وفتحوا “الكتاب المقدس”. أخذوا بقول يسوع المعلم، “مجانا أخذتم مجاناً أعطوا”، ومنحوا الشعب “بعض” ما أخذوه، وأسكتوا العمال، ولم تبدأ الثورة، لا في إنكلترا، ولا في أي مكان من المملكة المتحدة!
أخذ الزمن مجراه المعهود، ورحل صاحب اللحية الكثّة، وسمح المحافظون القدامى بدفن جثمانه في مقبرة “هايغيت” شمال لندن، وعلى شاهد القبر عبارة ماركس الشهيرة: “كانت مهمة الفلسفة تفسير العالم، ومهمتها اليوم تغييره”. بدا الأمر ظاهرياً فعل تسامح وترحاب من جانب السلطة، لكنه كان في واقع الأمر رسالة ملؤها الخبث والذكاء، تدعو كل من يحلم بالثورة الأممية، إلى عدم المحاولة من جديد، وإلا فإن مصيره سيكون كمصير هذا المدفون تحت التراب!

***

حدقة الهايد بارك
حديقة الهايد بارك

تفكر كيف تتراجع العقائد، وتذهب الأحلام والآمال مع أصحابها إلى المقابر. تمدّ بصرك في الفضاء الواسع فلا ترى أملاً ولا بصيصاً من أمل. لا شيء غير أشجار عارية سقطت أوراقها، ومسحت ريح الخريف أغصانها بلون النحاس الأحمر، وغير أسراب متفرقة من الطيور تجوب سماء الحديقة العابقة بالضباب. مثل هذا الضباب الثقيل نفسك، أمام هذا العالم المجنون الذي ينحر نفسه ألف مرة في اليوم. تنظر في خلافات البشر، فتدرك أن المأسآة ليست فقط في السلوك الحارق للروح والضمير، بل في أن الموت الذي هو موت العالم، لم يحدث بعد. تتطرف في التشاؤم، وتتمنى موت الحياة. تدرك أن فناء العالم خلاص من الوجود بأشكاله التي تؤذيك، وأنك إنسان رائع في أمانيك وفي أحلامك، وأنك إنساني إلى أبعد الحدود، وأنك وأنت تطمح إلى رؤية الوجود ينعدم، تبني هياكل العدل والسلم ولو في صمت؛ مدينة فاضلة لا تراها ولا تراك، لكنها حلم على كل حال.
أليس الحلم أفضل من واقع مؤلم تشارك في صنعه، أو تقع أسيراً تحت ثقله؟ في الحلم هروب، علاج لتائه درس وقرأ وتعلم، فما نفعته سيرته، ولا انتفع بسيرة الآخرين، فأخذه الخيال إلى أحلام لم تكتمل. تتأمل، ويذهب بك الرجاء بعيداً. فجأة يردّك إلى الواقع صوت أحد الخطباء يدعو إلى النضال، ورفض ما تبقى من سلطة الإنسان الأبيض في القارة السمراء، وصوت يهودي ينكر وجود فلسطين، ويقول إن إسرائيل أرضه الموعودة من الرب. بين يديه صحائف يقول إنها من السماء، يريد فرضها “حقيقة”، بالخطب والمال والدهاء أحياناً، وبأسلحة الدمار الشامل إذا اقتضى الأمر. من جانب ثانٍ، يعلو صوت شاب فلسطيني يدعو هو الآخر إلى النضال. تتعاطف معه لأن لا سلاح في جعبته غير الحجارة، ولأنك تفهم همومه أكثر مما تفهم هموم الآخرين. تحس في كلماته أشواقاً حميمة إلى بلاد منسيّة، في ترابها بقايا من عظام آبائه وأجداده. يريحك صوته، لكن إلى حين.
تتذكر قول الإمام علي: “إرضاء الناس غاية لا تدرك”، وتتذكر الكاتب الأميركي الإفريقي ريتشارد رايت، في كتابه “إسمع أيها الإنسان الأبيض”، وكلامه الذي يدعوك إلى التفكير: “لا موضوعية ولا حقيقة مطلقة. لا مسألة إلا وهي مرهونة بأحكام النسبية، وكل ما في حياتنا افتراضات وأوهام خاضعة للظروف. نحن عبيد لعواطفنا وظنوننا، وما نسمّيه حقيقة، ما هو إلا مفهوم ثقافي زائف ومركّب”.
تفكر في العالم الذي شاءت الظروف أن تنتمي إليه بالولادة والنشأة والعاطفة، فإذا هو في القعر، الناس فيه يختلفون كل يوم ويتقاتلون، ينقسمون على أنفسهم شيعاً ومذاهب وقبائل. يلطّفونها على السطح بكلمات براقة، مثل “الحركة” أو “الحزب” أو “التيار”، أما المدفون تحت السطوح فجمر قديم جاهز للاشتعال، عمره من عمر “الرسالات السموية”. تلك هي البلاد التي شاءت الأقدار أن تحسبك عليها. بلاد تقول الكتب إنها عريقة في التاريخ والحضارة، وإنها مهد هذه “الرسالات السموية”، فإذا رسالاتها الأرضية حروب وخلافات وبؤس مسنّن، جهل وفساد وفقر وأمراض.
تتساءل: هل تكون هذه “الرسالات السموية” يا ترى، مصدر هذا الشر كله وهذا الفساد كله؟ إن جهرتَ بذلك، عادتك جيوش من المناوئين، وقالوا إنك ملحد تجدّف على الذات الإلهية، وتستحق عذاب الأرض وعذاب السماء، وإذا انتسبت إلى أحد المعابد، جاء من يقول لك إن “الله” إلى جانبه، وإن دينه حق ودينك باطل، وإذا كنت من دينه واختلف المذهب، قال إن مذهبك أعوج ومذهبه قويم، وإذا حاولت أن تقول للجميع إن ما تفرقه الأديان والمذاهب لن يجمعه إنسان يا قوم، وإن الإيمان بالوطن، وبالوطن وحده، هو ما يجمعكم على كلمة سواء، ويجعلكم أقرب إلى “الله” مما تعتقدون، تألّب عليك رجال الدين والسياسة، من هذا الحزب وذاك، وهذه الحركة وتلك، وهذا التيار وذاك، وناصبوك العداء، واجتمعوا عليك بحرابهم، وأسمعوك كلاماً كبيراً بفم كبير ملآن: إسمع أيها الغريب، سياستنا بث الفرقة. بها وحدها نحكم ونتحكّم، ونحتفظ بالكراسي والمغانم، لنا ولأولادنا وأحفادنا من بعدنا، أما دعوتك إلى فصل الدين عن الدولة، فلا والسماء زرقاء!
تحار في أمرك وأمر شعبك وأمر البشر، فيأتي من يقول لك: “لا تحمل السلّم بالعرض يا صاح. عش حياتك، ولا تأبه لشيء”. تتذكر كتاباً قرأته في صباك، عنوانه “اللامنتمي”، لكاتب إنكليزي شاب في الخامسة والعشرين، اسمه كولن ويلسون، رحل قبل سنوات ثلاث عن 82 عاماً. كان من أكثر كتّاب اللغة الإنكليزية غزارة في التأليف. ألّف أكثر من مئة كتاب، بينها روايات، وموضوعات نفسية وفلسفية مختلفة في غاية التعقيد، لكن “اللامنتمي” كان الكتاب الذي أطلق شهرته في العالم، والأقرب إلى قلبه وقلوب قرائه، السبب أنه كتبه بصدق!
كان ويلسون صبياً فقيراً عندما كتب “اللامنتمي”. لم يقو على دفع إيجار غرفته، فاضطر إلى أن يلتحف فراشاً في حديقة “هامستد هيث” العامة، وفيها وضع كتابه الذي هو أشبه بسيرة ذاتية، يصوّر فيه صراع الذات حيال ما يحدث في العالم، وكيف تصل إلى ذروة الفرح، ثم لا تلبث أن تسقط في قعر اليأس، وكيف أن السعادة حال موقتة، واليأس حال دوماً غالبة، يختبرها المرء، منذ أن يولد إلى يوم يموت.

***

ماذا في مقدورك أن تفعل لبلاد تنهار وتسير إلى الوراء؟ لشعب ارتضى الذل والعار واعتاد الإهانة، ولا يزال على رغم الأهوال والفساد والأوجاع، يخلق أصناماً يعبدها، ويفديها بالروح والدم، وفي ظنه أن بين يديها قدره وخلاصه؟ هل تريد السير مع القافلة، وتصفق كما يصفق الآخرون، وتطلق النار في الهواء الطلق ابتهاجاً بهذا الصنم أو ذاك، أم تريد أن تكون “لامنتمياً”، غير مكترث بأقدار فرضت أن يكون زمنك رديئاً إلى هذا الحد، أم تريد أن تصمد في وجه العاصفة ولو وحيداً، وأنت مدرك الإدراك كله، أنك أضعف من أن تغير خطوة واحدة من مسيرة القبائل، وحرفاً واحداً من كتبها؟!
يتقدم الليل رويداً رويدا، ويلفّ الحديقة بوشاحه الأسود، وترحل خيالاتك مع الطيور العائدة إلى أوكارها، وتخبو في السحب الرمادية، كأن شيئاً لم يكن. تتذكر أنك على موعد مع بوهيمية حالمة، لباسها كلباس البراهمة. شعرها مجعّد، وعلى كتفها اليمنى وشم سمكة، وعالمها ريشة وألوان. تنثر بأناملها الناعمة جدائل التبغ الخفيفة على وريقات رقيقة صغيرة بيضاء أمامها. تلفّها على مهل، وتشعلها على مهل. تشرب الأحمر الداكن، وتمضي وقتها بمزاج فالت. لا تعرف ما يدور في خلدك من خواطر وهواجس وتساؤلات، ومن الخير لها ولك أن لا تعرف. تأخذك الطريق البعيدة إليها، وقد تركت خلفك آخر من بقي من الخطباء: عجوزان، أحدهما في يمينه إنجيل، وفي يسراه خشبة تقول إن نهاية العالم أصبحت وشيكة، وآخر يردد الحكاية ذاتها، لعل هناك من يسمعه للمرة الأولى!

هذه المقالة نشرت في جريدة “النهار البيروتية، يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، نعيد نشرها هنا بالاتفاق مع الكاتب.

كاتب لبناني يقيم بين بيروت ولندن.