كآبة كوبنهاجن ونصوص أخرى للشاعر العراقي باسم الأنصار

باسم الأنصار مجلة كيكا
باسم الأنصار Bassim al-Ansar

كآبة كوبنهاجن

كثيراً ما أتخيلُ نفسي أحلّق في فضاء العدم وفي يدي نجمةً،
وكثيراً ما أتخيلُ نفسي أحلّق في سماء الوجود وفي فمي زهرة اللوتس.

ليس النور وحده كفيلٌ بخلق التغيير في الأرض الجديدة. من يجعل الأرض تتكلم؟ الفلاّح يغرز أصابعه في التراب، فتولد الذئاب من الأرض. والفلاّحة تنثر حبّات الماس على التراب، فتنبت أزهار الخشخاش. هذه الذئاب وهذه الأزهار، هي اللغة التي أحلم بها. حلمتُ بأنّ البلابل تلقي الاشراقات فوق الرغبات. يا ترى، هل سيكون الاشراق، درب الانسان القادم؟ الوصول الى مثل هذه الرؤى تحتاج الى أن نفكر مليّاً بحقيقة الأنهار التي تجري من تحت أقدام الأمهات.

يا منْ رسم صورة الله الجديدة!
حطّم الصلبان المنتشرة في العقول،
وانثر كلمات سيدوري علينا.

تلك الكلمات تجعلني أشعر بالتقزز من أصحاب الفتاوى. دائماً لي رغبةٌ في شن المعارك ضد العروش والمنابر. ( يا الله، يا الله …) كثيراً ما كنت أسخر من أدعية الخطباء البكائية، وكثيراً ما هربتُ من كلمات الفقهاء. عشتُ فصولاً من الجحيم، وتعلقتُ بعنق الاشراقات هرباً من كآبة كوبنهاجن. أحياناً، نجد انفسنا منغمسين في الغناء ونحن نتضوّر حزناً.

سأغني أغنيةً لنفسي عن أوراق العشب،
وسألعب لعبة النرد وحدي،
عسى أن أرى قدر المدينة القادم.

ينبغي أن يطول احساسنا بالتحدي. بعد كل الأحلام الطويلة والنقاوة الجامحة، تجدنا نعاني من المفارقات المميتة. احلموا وتأمّلوا حتى مطلع العشق. من منكم تأمّل معي، كيف يولد الأسد الأخضر من الشجرة الزرقاء.

أنت أيها المتأمّل!
هل حقاً أنّ فم الوقت أكل أفراحك القديمة؟
هل عندك شك، بأنّك زنبقة المدينة؟
وهل تعلم بأنّك ستُقتل على يد الفئة الباغية؟

ها هم الطغاة يأمرون الجند بحرق جسد الجمال. الجمال يعاني من السموم. المكر الناعم شيء هائل للخلاص من السموم. نحتاج الى السحر أيضاً. لا الملاحم ولا الأساطير جعلتني ساحراً.
لن نصبح سحرة أو بوهيميين اذا اتبعنا القوانين كثيراً. لقد تهيأت الأجواء لنا للتحليق بعيداً عن القوانين. فلنتمرد على كل شيء. ينبغي أن نفسّر العالم. لكن، ليست هناك تفسيرات للكثير من السلوكيات. مثلاً، أجدادنا يسرقون دموع إيزيس من شموعنا وينثروها في النار.

انظروا!
النحات يرمم الوجوه الذابلة ويمضي.

فوانيس الحروب

كثيراً ما طلبتُ من حبيبتي طردَ الذي كان يمنعها من مشاهدة نمو أعشابنا،
وكثيراً ما طلبت هي مني أن أُعطي لَيلَها عشبة الشهوات.

قيل لي: كُن مشاكساً يدوس المحرمات، وغلّف روحك بالعصيان. العصيان المؤدي الى الشقاء الجميل. الشقاء توأم الانسان منذ أن واجه فكرة الله. هل لنا أن نعيش من دون إله؟ أن نؤمن بوجود خالق أفضل من أن نؤمن بوجود الله. الخالق، إله الروحاني والملحد. بينما الله، إله الأديان. ألا يكفي أن نؤمن بخالق؟ لماذا هذا التقاتل من أجل إثبات النبوات؟

إمشِ في دروب العبث،
واحذفْ الأوطان من تأريخك.
اطردْ الفضيلة القديمة من حياتك،
وضع سبارتكوس في قلبك.
إلقِ أنهارك في النار،
وضع الشمس في كفك.

في قلب الشعر يقع النقاء. الشعر، تشويه الواقع وارباك العالم. (الدين، أفيون الشعوب). والفلسفة، صداعٌ جميلٌ مزمن. هذا الصداع بثّ القلق كثيراً في روحي.
أهديتُ حبيبتي بحراً، وهي أهدتني وطناً مهجوراً. جرحتُ أحزانها بالقصائد، وهي جرحت حريتي بالطموحات. لم تهتم برحلتنا نحو الأمل، ولم ترغب في مشاهدة وطني المخلوق من الصفاء والتراب. وطني البعيد عن الحروب الغبية. الحروب تُثير الضحك أحياناً، وتجعلنا نلجأ الى الفوانيس لنقول: وداعاً أيها السلاح!
لا تسألوني عن السبب الذي جعلني أرسم الشموس مع الصعاليك في الطرقات. فهناك، كثيراً ما رأيتُ وجه الشعر. ذات مرة، رأيتُ أدجار آلان بو يقف تحت نافذتي ويقول لي: موت امرأة جميلة هو بلا شك أعظم موضوع شعري في العالم.
من يرغب معي في اللجوء الى العالم الغريب؟ ومن يطهّر فمَه بالغناء؟ رغبتُ في أن أضع الأغاني تحت وسادتي، عسى أن أرى الروح كيف تصبح طائراً ضوئياً بعد الموت، وعسى أن أراها كيف تدخل في الأجساد الحيّة وتخرج منها لتثير الحماسة فيها والإلهام.
(لم أكن أنا الذي يكتب، بل كان يُملى عليّ)!

لعنة السحر

في الضفة الأخرى من النهر الفستقي، كان المحاربون القدامى يرتدون ملابس حمراء ويرددون انشودة الدم. هذه الانشودة جعلتنا فقراء ومعدومين. جعلتنا نركب عرباتنا الغبراء في البلاد ونهربُ خجلاً من الأثرياء. وفي المنفى الرقيق، جعلتنا نلمّع وجوهنا وأجسادنا للهرب من الهوية. الهروب من الهوية جعلني ملاّحاً.

أيها الملاّح!
قم وأزرع الأوركيدات في رأسك،
ولكن إيّاك أن تنسى،
بأن تخبرني عن آلامك القديمة التي زرعها آدم في قلبك.

لنا آلامنا الجديدة. فها هو أنف الموت ينزف الأرواح البريئة بغزارة. هذا الأمر جعل الكفر وسيلتي، وجعل صدى الموسيقى نحيفاً. على الرغم من ذلك، فأنني ما زلتُ أشعر بدفء الحرية، حينما أدخل البيت هرباً من المطر والبرد. وما زلت أرى الرائي الجديد يخلق الشمس من جثة الرياضيات. ذلك يجعلني أشعُّ صخباً وعنفواناً، ويجعلني أرى مشاهد لا يراها الآخرون. مثلاً كنت أرى الأوركسترا تعزف مقطوعة ضوء القمر لتلّ الجماجم الكبير. ومن الضفة التي كنت أقف عليها، كنت أرى عبر المنظار شبحاً أزرقَ يجلس على تلّ الجماجم وهو يحمل بيديه هرماً صغيراً.
أتمنى أن أكون ساحراً، وأتمنى أن أخلق تياراً مضاداً لتيار الجموع السائرة الى الله بغباء. هذه الجموع لا ترى الجثث المذبوحة والمتفحمة بِسم الله. أظنّ بأننا بحاجة الى الشعاع. ولكن لكي نسترجع ألقنا وشعاعنا، فأننا بحاجة الى الشمعدانات والحقول والشعر. وبحاجة الى الابتعاد عن مستنقع الاستهلاك اليومي. شاهدوا معي: الانسان يلهثُ في الأسواق خلف روحه المخنوقة بالسلع مرةً، ومرةً أخرى يرتدي الصحف تحت شاشة التلفزيون المعلّقة فوق رأسه. يا لها من أصيلة تلك القبائل المنغلقة على نفسها! إنها أقرب منّا الى الطبيعة.
هل أريد حمل الرسالة والبشارة الى الآخرين؟ ليس من الضروري أن نُبشّر، ولكن من الضروري أن نمارس الرفض والحرية. بوذا قال لي ذات مرة: ثمن الحرية هو خسارة الوطن!
لكثرة الفقدان في الوطن، صرنا نلجأ الى أحلام اليقظة. ولكي نتمكن من معرفة حياتنا القادمة، كان يتحتّم علينا اللجوء الى العرّافات وقراءة الأبراج. ما من حياة تعيسة مثل حياتنا.
اللعنة، لستُ ساحراً!

باسم الأنصار، شاعر وكاتب عراقي مقيم في الدنمارك
basimalansar@hotmail.com