ضياء حجازي: عن مسرحية “الحريق” تأليف قاسم محمد واخراج محمد سيف

محمد سيف في مسرحية الحريق 1
عبد الجبار خمران ومحمد سيف

مسرحية الحريق على مسرح طنجة المشهدية

كبير وعارف وخبير بكل اسرار اللعبة هو الاستاذ الراحل قاسم محمد. معلم وصانع بارع للعروض المسرحية مؤلفاً ومعدّاً ومخرجاً. أحد أهم من أسّسوا لمسرح فُرْجَوِيٍّ جماهىري دون التنازل عن الشرط الفني والسعي لمستوى وضع المسرح في العراق في طليعة المسارح في المنطقة.
عجوز واهن وخرف وبهلول سئم دوره التقليدي ليكون قاضيا لسيده الذي خسر الملك والمملكة. هذا هو العمود الفقري الذي ابتدعه العارف قاسم محمد ليخلق له جسداً كاملا من لحم ودم، حي، يمشي ويقفز ويتذكر ويحلم ويثأر ويتألم ويصرخ ويندم ويموت؟ اليس المسرح حكايا بشر ليس إلا؟
إذن فقد اعاد قاسم محمد الملك وبهلوله إلى مسرحنا نحن (هنا والان) كي يحكي حكاية حرائقنا نحن، حرائقنا التي لم تخمد منذ عقود. لكن كيف؟ كيف وقد عاش قاسم محمد كما اقرانه وتلامذته تحت مطرقة السلطة (حكم الديكتاتور تحديداً) ورقيبه الذي لا يرحم.
هل هناك اكثر معاصرة وتأثيراً من أن يبدأ حكايته بحريق يأتي على كل شيء؟ ففعل الحرق بذاته دموي وقاتل ويعلن نهايات الأشياء. والحريق بفعل فاعل هو جريمة يعاقب عليها القانون، قانون الحياة وقانون الشعب وقانون العدالة. “يجرجر” قاسم محمد العجوز وبهلول إلى خراب كامل كما في توصيفه للمكان (الفضاء) في نصه المسرحي. يزج بالملك العجوز إلى الحطام الذي خلفه خراب المملكة فليس من ناجين ، لا شعب ولا أبناء ولا حراس، الا الملك الواهن الخرف وبهلوله، يضعهم قاسم محمد أمامنا وسط النار والحطام ليعلن محاكمة مشعل الحرائق، لير الملك/الديكتاتور
تبدأ الحكاية/الرحلة لحظة عبور الملك وبهلوله حدود المملكة، كل حي مات، الوطن احترق ولا عودة ممكنة إلا تلك الكوابيس التي سيجلد بهلول بها ملكه الواهن ليجبره على استعادة ذاكرته المعطوبة وكأن بهلول، الذي تحول في منفاه الإجباري إلى مُدَّعٍ عامٍّ وقاضٍ قاسٍ، يصرخ بالعجوز على امتداد النص/العرض “تذكّر يا هذا!، تذكّر واعترف بما جنيت “. من أهم ما ابتدع قاسم محمد هو الانتباه للعبة الادوار في مشاهد الملك لير وبهلول في نص شكسبير والاستفادة من عبقرية شكسبير في اتاحة الفرصة للشخصيتين ان تتبادلا الأدوار في بعض الأحايين. اذن اقتنص قاسم محمد هذه الامكانية في “اللعب/المسرحة” ونحت منها شخصيتيه في لعبة جديدة تتيح للبهلول الإنسان ان يقاضي ملكاً أحمقاً حوّل المملكة إلى رماد. خلاصة هذه القراءة العجلى في نص المعلم قاسم محمد هو قدرته كمؤلف على استثمار أهم ما في نص شكسبير من آليات وديناميكيات واعادة نحتها بـ”طين” طازج يعج بكائنات حية تحمل صفاتنا نحن، أهل هذا الزمان، صفاتنا الإنسانية ومشاعرنا، قبل ان يأكلنا الحريق فيشتتنا وينثرنا خارج الحدود حتى لم نعد نتعرف على شيء مما كان، هناك.

العرض/ لعبة محمد سيف في إعادة خلق الحكاية

الحريق 3
محمد سيف وعبد الجبار خمران

لنبدأ بإعادة سرد الحكاية “الأولى” معا. الملك العجوز يقرر تقسيم المملكة بين بناته الثلاث بشرط واحد هو ان يتم تحديد الحصص (جسد المملكة) اعتماداً على اعلان مدى حب كل ابنة للاب العجوز. واحدة من البنات وهي الصغرئ “كورديليا” تأبى ان تتبارى مع أختيها وترفض أن تعلن عن “مدى” حبها لأبيها فتخسر “كرامة الملك” لها وبالتالي “حصتها” في المملكة فتُنفى خارج المملكة لتموت بعيداً عن الأهل والوطن. هذه هي الحكاية الأولى. هل من حكاية أكثر بساطة وأكثر تراجيديا في الآن ذاته من حكاية شكسبير؟ وهل من حماقة أكبر وأمَرَّ من حماقة لير الملك الذي يقسم جسد المملكة بما ومن فيها بسكين حادة جارحة تقطع أوصال “الوطن” فتودي بمصائر البشر وتحولهم إلى لاجئين اذلاء داخل اسوار هذا الخراب. سيكون ما أوردت الآن خلفية مهمة لحكاية العرض المعاصر وهو أحد العناصر الأساسية التي تعتمدها قراءتي “حكايتي انا” عن العرض الذي قدمه محمد سيف معدا ومخرجا وممثلا وعبد الجبار خمران ممثلا ضمن العروض التي تضمنتها الدورة ال12 لمهرجان طنجة للفنون المشهدية.
هي أرضٌ خراب، “لا شيء” أبداً، بالضبط كما قالت كورديليا لأبيها العجوز. هذا ما أراده محمد سيف مُبتدأً للعرض. هي الخطوات الأولى لعجوز و تابعه خارج حدود الوطن هو ما أراه امامي في لحظات العرض الاولى، وبذا تكون البداية ويكون بدء تكوين الحكاية.
هل هي حكاية ناجين؟ ام، ربما حكاية اشباح موتى عادوا ليسردوا لنا مأساتهم. انا انظر إلى هذين “الشبحين المكللين بالبياض” وهما يخرجان من بين ألسنة النيران ودخانها ليلجآ إلى الخشبة ضيفين في عالمنا “في ليلتنا هذه. ما هذه الأحمال الثقيلة التي يجرانها إلى خشبتنا البريئة هذه. الملك العجوز وبهلوله يجران صناديق جد ثقيلة وبأحجام مختلفة مربوطة بحبال جدِّ خشنة بوجوه مقرحة وخائفة فهي وجوه الفارين من عذاب مقيم، هي النار التي تستعر لتسد احيانا حتى “الحدود” بوجه الفارين من الحرائق. دخول يعد بحكاية لن تكون سهلة الهضم ابدا، خيار صعب ومضن لمحمد سيف ان اختار هذه الحكاية وهو مدرك لعبء هذه المسؤولية وهو يعيد انتاج ما سرده استاذه قاسم محمد عن حريق كبير خرب (فعليا وبكل قسوة) بلدا كاملا وحوله الئ رماد. يختار سيف لعرضه ان يخرج عن الإيهام ويعلن اتفاقاً واضحاً معنا فيتجه نحونا هو وزميله خمران ويخاطباننا مباشرة بروح وعقل الممثل لا بثياب لير العجوز وبهلول، لتتعزز أنساق التلقي المتفاعل ذي التأثر والتأثير المتبادلين لحكاية ليست حكايتهما وحدهما وانما هي “حكايتنا” التي نحكيها سوية مع هذين الممثلين وهنا في هذه الصالة المضاءة بضياء خاص. تحفيز الذاكرة هذه، واعادة “قصّ” الحكاية، هو واحد من مفاتيح العرض والذي تقوم كل مفاصل “اللعبة” عليه. أولاً لأهميته دراميا كونه المحرك الاساسي في البنية الحية والمتحركة للعرض الذي يحيا امامنا. وثانيا لأنه العمود الفقري الذي يحيك له الممثلان (ونحن معهما) جسداً حيّاً من حكايانا. فتحفيز الذاكرة مادة حية ولا بد ان تظل، لأهميتها في استعادة ومحاكمة ما كان. لكي يتحقق هذا لا بد من حلول حية ومثيرة لهذا القص الذي يتناول قضية كبرى ومريرة كـ”قتل شعب كامل”.
التقشف هو معادل غاية قي البراعة لمثل هذه المواد النصية “ثقيلة العيار”. وهي معادل حيوي يحيل لحتمية تقشف (المرتحل/اللاجئ/ الهارب/المنفي) الذي كان قاسما المؤلف وسيف المخرج وانا كاتب هذه القراءة الصعبة، منهم. عنيت بالتقشف المدرك في السينوغرافيا إحالة للنهايات كما لبدايات “محتملة” ترتبط عادة بالفراغ المحتشد بحكايات لا تراها العين وتحتاج لمعاول لإزاحة “الرماد” عنها. هنا في العرض نحن في “عدم” خلفه الحريق، نحن في مساحة فارغة تخفي حكاية موجعة، لكنها مساحة ملتهبة جدا، يبدو للوهلة الأولى انها “خمدت”. لايؤثث هذا الفضاء الا الصناديق واجساد الممثلين وهي (اي الصناديق والاجساد) ملتهبة ومحملة بالأسرار التي لا بد لرفع الأستار عنها لتخرج للعلن. فالفضاء يؤثث تدريجيا بأسرارهما التي تعبِّئ الصناديق، كما تعبِّئها الأجساد والأسرار. فتخلق بهذا الحل “الحتمي” لإعادة الحياة للحكاية، فضاءً متحركاً وحيوياً، يدعم هذه اللعبة المريرة، التي هي لعبة “ممتعة” جدا بالنسبة لنا جميعاً (ممثلين ومتلقين في آن واحد).
كان من البراعة ان تتحرك الصناديق بحرية على الخشبة لتثير فينا صوراً تدعم التواشج والتواصل مع الحكاية/العرض، فحركتها وامكانيات فتحها وقلبها وتغيير وضعياتها متجانسة مع اللعبة التي أغوتنا ولازمت العرض وهي لعبة تبادل الأدوار، التي هي المفصل الاخر الذي استفاد المخرج منه بعد ان عززه بالتكثيف الذي يليق بعرض لا بد يعتمد التقنيات المعاصرة جداً والتي لها دلالاتها في حركة البشر الآن، كما حصل في ما اتُّفِقَ على تسميته بـ”الربيع العربي”. وأود هنا الإحالة مباشرة لتقنيات التظاهر والتعبئة العامة واعلان المواقف العامة من قضايا كبيرة، تلك التقنيات التي عبأت فئات كبيرة من شعوب كثيرة خلال السنوات الخمس او الست التي خلت. اعتمد العرض (والذي اسلفت انه حكاية محاكمة) تقنيات الفيديو ومكبرات الصوت والميكروفونات، والتي هي بالظبط ما اعتمدته حشود الجماهير/الناس/المجموعات، مسيسة وغيرها، من اجل التعبئة واعلان الموقف، مهما كانت طبيعته.
هناك استثمار معرفي يرص ويدعم هذا التوظيفات المثيرة لتقنيات السرد الحديثة. ففي مسار “محاكمة” بهلول للملك العجوز، يتم في لحظة شديدة التوهج والتأثير، عرض اجزاء من مشهد تقسيم المملكة في فيلم كبير وقديم للملك لير أعدَّه للسينما بيتر بروك وأخرجه العبقري أورسن ويلز عام 1953. هذه الاستعارة تجسد الحركة الحرة (للمثمر والجيد في الفن) بين سرديات مختلفة هي إرث جمالي ومعرفي وفني يدعم فكرة المسرحة والإمكانيات اللامتنهاهية للمُنتَج/المُنجَز الفني. مثيرة جدا هذه الاحالة لفيلم ويلز الشهير وعرض مشهد التقسيم بالانجليزية التي هي لغة الفيلم على الشاشة البيضاء ذاتها التي يتحرك عليها شبح كورديليا وهي الشاشة ذاتها التي عرض عليها الحريق والذي كان اقتتاح العرض. تداخل الأزمنة والأمكنة وتنوع التقنيات وتراصها في جسد العرض، عزز راهنية وجدة وعصرية الفكر الذي تأسس عليه الإخراج.
ما يميز العرض أيضا هو الإعداد الذي قام به المخرج للنص، حيث تم تكثيفه وتخليصه من الكثير من التفاصيل التي اهتم الأستاذ قاسم محمد بها لضرورات تختص بالزمن الذي كتبه به. كما استطاع الإعداد (بالاضافة لتأثير الاشتغال والتعاون بين الممثلين) على أنسنة اللغة وتطريتها وكي تكون سلسة تقترب من الحكي وان لم تقع في التسطح او الاستسهال. في إشارة محددة تدعم ما انتبهت له أذناي هو شغل الممثل عبدالجبار خمران على اللغة والسعي الواضح ان تكون اللغة خالية من التزويقات والبهرج والذي دعم بشكل خاص أداءه لشخصية بهلول الممتسمة هنا بالحكمة وسداد الرأي والشجاعة في القول، لأنه صوت الناس وصوت الضمير.
ما يجدر ذكره في محاولة تلخيص ما سبق. هو تأثير وتلاحم الكثير من التقنيات الحديثة والمجدية والتي شكلت بتفاعلها جسدا حياً من مجموعة من السرديّات التي أثارت قصص من وعن حياة الناس هنا وهناك من البقاع المشتعلة والتي أودت بمصائر البشر الئ اكثر من جحيم. هو إذن بوحٌ قريب جداً وجارح، لكنه تشكل جميلاً ودافئاً بأجساد الممثلينِ محمد سيف وعبدالجبار خمران. هو عرض حيوي لا بد أن يحمل صناديقه وأسرارها ويسافر إلى خشبات كثيرة.

ضياء حجازي – ستوكهولم  السويد