“ماء الورد” فصل من رواية للكاتبة القطرية نورة محمد فرج

غلاف ماء الورد
نورة محمد فرج، “ماء الورد” دار أثر للنشر والتوزيع بالدمام 2017


1 رمضان

ليلى

نحن الآن في خواتيم عام 319 للهجرة، كان عاماً لطيفاً، عام الخرائب والنّوازل والبلاءات الصّغيرة، وما ظننتُ أنّ جرم قتل سيّدنا الأخيفش ذي الابتسامة الحلوة سيكون وبالاً على هذه المدينة.
أنا ما ظننتُ بحياتي أنّه سيُقتل.
كان الأمر في الواقع وبالاً على سيّدنا الأخيفش وحده الّذي ما عرف حلاوة الحياة إلا لماماً، إذ حرمه أولئك الآثمون من التّمتع بها. أحدهم كان، لخيبتي الّتي لا تنتهي، عاشقاً لي، وما عشقتُه، لدمامته ورداءة شِعْره! ما كانت هذه المدينة آمنة يوماً، إنما كنت أنا وسواي في غفلة من أمرها، حتّى حلّ علينا هذا العام الأغبر، ليبدي لنا سيئات ما تقدم وما تأخر من أمر أهل هذه المدينة، قاتلها الله، وأهلكها. أدعو ذلك لكنّي لأرجو أن يخرجني الله منها قبلاً، أنا وعابد وجدّي، وسعيد، والقليل الّذين أحبهم!
اسمي ليلى، واسم مدينتي لظى. قيل هي لظى لأنّها تتلظّى بالشّمس معظم أيّام السّنة، وتلك رواية ضعيفة. وقيل إنها تتلظّى بفعل من سكنها من سلالاتِ كفرة أغبياء يرجعون إلى أبي لهب -شواه الله في جهنّم- الّذي عبر هذه المدينة عبوراً طويلاً ذات رحلة من رحلاته إلى الشام، وثمّة موضع يسمّى (قدم لهب)، فيه أثر قدمه، وهذه رواية لا أرفضها، وتعجبني. غير أن الرواية الّتي كان جدّي ينكرها دوماً، حتّى كفّ عن ذلك بتقادم عمره، هي أنّ المدينة كانت في الأصل بيتاً يتيماً بناه عاشق تلظّى قلبه من تزويج معشوقته -لا بارك الله في أهلها- إلى ابن عمها، فغادر المسكين مدينته، إلى مقام شجرة وحيدة، قرب واحة غير معلومة، واستظلّ من لظى قلبه بها، واتّخذ قراره أن يستقرّ ههنا، فبنى لنفسه بيتاً، ثم ما لبث أن لحقه وجاوره أعداد من عشاقٍ فروا بقلوبهم، وصاروا يبنون بيوتاً لهم، ويدوّنون أعلى أبوابها أبيات شعر حزينة. يقولون إن ذلك حدث في زمن الجاهلية، ويقولون أيضاً من يريد أن يسلو، فعليه أن يذهب إلى مدينة سلوان، في ربض بيت المقدس، ففيها عين ماء من يشرب منها يسلو ما به، لأنّ ماء زمزم يزور ماء سلوان كلّ ليلة عرفة، لكنّ قومنا في اللوعة مقيمون أبد الدهر. ما زلت أتساءل إنْ كانوا عاشقين محرومين، فكيف استطاعوا وحدهم بغير نساء أن يكون لهم بَنِيَّ وسلالات تعمر هذه العشش وتحوّلها إلى مدينة! على الرّغم من هذا فإنّ هذه الرواية تعجبني، وتعجب الجدّات ولا تعجب الأمّهات! وقد كان لي أن أرى في صغري على أبواب بعض البيوت القديمة، عبارات منحوتة فعلت بها الريح فعلها، فما عادت تُقرأ، حرف ناتئ هنا وحرف متآكل هناك، والله وحده يعلم ما المكتوب.
أما القلعة، قلعتنا المبنيّة فوق جبل، يقولون إنها بُنيت قبل الإسلام، في عهد قديم جدّاً، وأنّ الرّوم قد استوطنوها حيناً من الدّهر، ثم خُسِفت فطُمِرت، ثمّ اكتشفها ملك اسمه راسان، واستغلّها وبناها كرّة أخرى، ثمّ لسبب ما هُجرت، وفي عهد عمر بن الخطاب أُعيد بناؤها، وجاء الخلق وسكنوا من حولها.
مدينتي فيض شعراء، وكما يعلم الجميع فما يتبعهم إلا الغاوون، وهم يقولون ما لا يفعلون، لأنّهم لا يفعلون إلا أفعالاً موسومة بسمة واحدة، المجون المملّ. مع ذلك، لا يكف أهل مدينتي عن القول إنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، حين أُسري به من البيت الحرام إلى بيت المقدس، رأى من فوقٍ مدينةً أعجبته، فسأل جبريل عنها، فقال: هي لظى. فقال الرسول الكريم: اللهمّ حرّم لظى جهنّم على أهل لظى.
قومي كذّابون!
ذات مرّة لما كنت صغيرة قال لنا معلّم الكتّاب إنّه وجد دنانير ذهبيّة من عمر سيّدنا نوح في عظام بقرة! فصدّعت رأس جدّي وأنا أحثّه على البحث في عظام الخراف والحمير لعلّنا نجد شيئاً.
جدّي من قبل ذاك كان يكره معلّمي الكتاتيب، يقول إنهم معلّمون أفّاقون، لا يعلّمون غير الأولاد الّذين يأتونهم بالقِصاع والفواكه، أما الكُتّاب فقد كرههم جدّي أكثر، كان يقول إن الكتّاب حرباوات سمينة، وأنتَ يا جدّي؟
قال: لما كنت أصغر كنت حرباء سمينة، غير أنّي توقّفت، غفر الله لي ما تقدّم من أيّامي.

نورة محمد فرج كيكا م
نورة محمد فرج Noura Mohammad Faraj

الآن أنا في الثّامنة والعشرين من عمري، مات والداي قبل أن أراهما، وتزوجتُ صغيرة عن لحظة حبّ سريعة برجل ذي هيئة حسنة، لكنه كان مملّاً حتّى كاد يصيبني بالمرض، ثم إنّي فزعت من أن يكون لي أبناء يشبهون والدهم هذا! وفزعت أكثر من أقضي حياتي كلّها في سأم معه. أردت الطّلاق فطلّقني منه جدّي. كم كانت حكاية سخيفة! لكنّي عشت حياتي عند جدّي كأميرة فقيرة، أفعل ما أشاء حين أشاء. كثير من المخطوطات، كثير من الرّقص والغناء بصوتي النّشاز المدلّل.
ما علينا، بدأ كلّ شيء صباح الأول من رمضان 319 للهجرة، كانت الشّمس فيه رقيقة، وكنت جالسة أمشط شعري، بينما جدي يفتح باب البيت ونوافذه للنّسائم الباردة، وقد وضع نعاله على صحفه كيلا تتطاير، كان ذلك اليوم عند جدّي هو يوم بشّار بن برد ذي اللسان الطويل وصاحبته عبدة ذات اللسان الأطول، وكان يستعدّ لأخذ موضعه كي يبدأ في تجميع رواياته وأخباره من الصّحف المتناثرة عنده قبل أن يدوّنها.
شرّع إصبعه الطويل العريض، وتتبع به السّطر تلو السّطر يبحث عن رواية ما.
ما استقرّ جدّي على مبتغاه، وابتسم ابتسامة البادئين، إلا وسمعنا هاتفاً يهتف من بعيد:
“مات الأخيفش”
التفت جدّي إليّ: ما الّذي قاله؟ من مات؟
قلت: الأخيفش.
سمعت أصوات الخلق في الخارج، همهمات ثمّ صمت ثمّ همهمات، وفي الدّاخل كان جدّي قد تحوّل وجهه إلى وجه صنم.
بعد زمن عرفت أنّ قلبه كان حينها يكاد يتفتّت.
أخذ نعاله ونسي خوفه على صحفه أن تتطاير، وخرج حاسر الرأس إلى حيث النّاس.
أردت أن أخرج وراءه، كيف يموت الأخيفش وهو في صحة تامة؟ الأسى الّذي شعرت به وكراهيتي لهذه اللحظات غلبت فضولي، فجلست مكاني، لكن صوت جدّي وهو يكلّم البعض جاءني من وراء النافذة:
الأخيفش مات.
كيف مات؟ كيف مات؟
مات وعلى فمه سائل أحمر.
هو الدّم يا سيّدنا، هل مات من مرض؟
لا، كلّنا يعرف لون الدّم، ما كان على فمه ليس دماً، كان سائلاً أحمر، والمريب أنّ الطّبيب شقّ رداء الأخيفش، فرأى خطَّ احتراقٍ على جلده، يمتدّ من فمه على بلعومه وصدره حتّى سرته، وكأنّ ناراً اندلعت في أحشائه وخرجت من فمه.
يا سيّدنا، هل تجرّع الأخيفش إحدى قواريره عامداً متعمّداً؟
ليس ذلك ظاهراً، فكلّ قارورة في موضعها.
يا سيّدنا ما دخل قارورة واحدة بكلّ القوارير الأخرى؟
لا نعلم يا سيّدنا، لا نعلم.
الأخيفش! الأخيفش مات بسائل أحمر؟
* * *
للأخيفش وجه من يُنسى ولا يعود يذكره المرء إلا حين يراه، وما يُرى إلا مبتسماً، في بيته ذي الدوارق والقوارير والأكاسير والمحاليل والسوائل والعقاقير. يتذكره الناس كذلك حين يمرضون فيرسلون في طلب ترياق أو دواء، عدا ذلك لا وجود لحياة الأخيفش، غير أنّي حزنت لموته.
كان ضئيلاً وكانت زوجته جميلة، ولهما خمسة أبناء.
كان ساكناً وهادئاً دوماً، بابتسامة وادعة لا تغيب، وحدها زوجته تقول إنه لا يضحك كما الناس، وإنّما يقهقه بصوت عالٍ، لكنّها، خوف الحسد، لم تقل إنّها وحدها من كانت تراه على هذا النّحو، ولكنّ عينيها دوماً كانتا تبرقان.
لم يكن الأخيفش يعجب العطاّرين ولا أهل الصّيدلة، جدّي يقول إنه يجمع حكمة العطّارين وعلم جابر بن حيان، أرسلني له مرّة منذ سنوات كي آتي بدواء، كان قد اتخذ حجرة صغيرة في بيته ليعمل فيها، وجعل لها باباً ينفتح على الشارع كي يأتيه الناس حين يحتاجون. ما إن دخلت حتّى اعترتني رهبة الزّجاج والنّحاس والسّوائل الشّفافة وكلّ ذاك البريق الّذي يحيط بي، يومها بدا وكأنّ بجعة بيضاء عظيمة ستخرج من تحت الطّاولة وستحطّم كلّ تلك القوارير، ثم تجرّح نفسها بالشّظايا.
قالت امرأته، بين دموعها بعد أن أفاقت من غشيتها، إنّهما تسحّرا، ثمّ قال لها إنه سيذهب إلى المسجد وبعد الصّلاة سيعود إلى عمله، أمّا هي فصلّت ونامت لتعب ألمّ بها، لتصحو بعدها وتراه ميتاّ.
هذا ما قاله لي خادمنا سعيد حين عاد عصراً، كما سمعه من أخيها، ثم أخبرني بالرّوايات الّتي تتناقلها النّساء على لسانها، من أنّها سمعت أصواتاً لكنّها غضت الطّرف ونامت، وأنّها سمعت صوت القاتل، لكنّها كانت في شك منه، وأنّ الأخيفش في أيّامه الأخيرة كانت له سيماء مودّع. بل وأخبرني سعيد أنّه سمع عجوزين تتساءلان بخبث: كيف تنام المرأة قريرة العين وزوجها في الحجرة الأخرى يُقتل؟
كان سعيد يسمع ويسأل ويحادث الكلّ، الرّجال والنّساء والخدم والصّبيان والبنات، وقوله في ذلك إن لكلّ روايته، ولو لم يشهد الواقعة.
لكنّ أكثر قول سمعه من النّساء في هذا اليوم، هو كيف يقتل الأخيفش في أول رمضان؟ أليس لرمضان حرمة؟
وكأنّ القتل في غيره ممكن!
في تلك الليلة ما نام جدّي. عاد إلى البيت فيما النّاس في الخارج يُسائل بعضهم بعضاً عن سرّ موت الأخيفش، أما هو فما رأيت الحزن وحده على وجهه، وإنّما رأيت قلقاً عظيماً.
لاحقاً بعد أيّام وأيّام، عرفت أنّه كان قَلَق من يعرف إجابات تلك الأسئلة.
في الليل رأيته يُبقي سراجه مضيئاً، ومن تحت فراشه أخذ يحفر، حتّى أخرج صندوقاً ذهبَ به قرب موقد القدر، وهناك صار يحفر، سألته: ماذا تصنع؟
قال: أعصر خمراً! أعدّ عدّتي ليوم سؤالي وحسابي.
(أعصر خمراً)، لا يقولها جدّي إلا حين يكون نَكِدا، لكنّه هذه المرّة قالها بمرارة.
أنا ابتلعت أسئلتي وسكتُّ.
ما علمت يومها أن سرّ أسرار مدينتنا مدفون في بيتنا!
جدّي لم ينم تلك الليلة، أغمض عينيه، لكنّني ما سمعت شخيره، وأنا نمت من تعب الأسئلة والإجابات الّتي غمرت رؤوس نساء المدينة ورجالها، ورأسي أيضاً.
موت الأخيفش، الأخيفش الّذي لم يكن يكاد يُرى، ولا رأى شيئاً من الدنيا، سوى زوجته وأبنائه وقواريره، موته سيقلب مدينتنا.

nourafaraj@hotmail.com