خالد النجار: سفن السندباد في بحر الشمال

خالد النجار في امستردام كيكا
خالد النجار، ديسمبر 2016 تصوير صموئيل شمعون Khaled Najar

كنت أقف على الكورنيش مع جماهير المتفرجين وراء الحاجز الحديدي الذي يفصلنا عن الماء وكانت السفن والقوارب الشراعية من كل عصور التاريخ تنساب من أمامنا في استعراض مهيب في ذلك المساء البرتقالي والبنفسجي وهي تدخل ميناء أمستردام عبر المجاز المائي الذي يصله ببحر الشمال. سفن شراعية مرهقة قادمة من بحور بعيدة ومحيطات نائية من آسية، إفريقيا، الأمريكتين كما كان شانها قبل خمسة قرون… مراكب خشبية كبيرة ذات صواري عملاقة من بينها سفينة ماجيلان فيكتوريا التي دارت حول العالم لأوّل مرة وتذكرت كتاب استيفان زفايغ الرائع عن ماجيلان قاهر البكار… قلوع بيضاء منتفخة بالهواء ترفرف في سماء بحر أمستردام. غابة من البيارق والأعلام الملونة تهزها الريح. طلقات المدافع المؤذنة بوصول السفن كما هو التقليد العريق… بحارة انكليز بسمت في مؤخرة سفينتهم يهزجون بأغاني البحار الشعبية أغاني القرصان وآخرون في مركب آخر يعزفون على آلات النفخ إنه مهرجان “سارل” أي ابحار للسفن القديمة سفن السندباد الذي تقيمه أمستردام كلّ خمس سنوات وقد جعلوا شعاره في هذه الدورة “من الماضي الذهبي إلى المستقبل الذهبي”… وبدا المشهد أمام عينيك كأنه مشهد سينمائي لفيلم تاريخي.
ها هي سفن عصر النهضة الشراعية التي غزت البحار البعيدة وكانت طلائع تجارة التوابل والكشوف الجغرافية، سفن كريستوف كولمبوس وماجيلان وفاسكو دي جاما. كان بدايات عصر الاستعمار في اقسى مظاهره اذ كانوا يشحنون الأهالي مثل الحيوانات يقيدونهم بالأصفاد ويضجعونهم على ظهورهم ويرصفون كالبضائع، هكذا رأيت صورهم في متحف البحر الهولندي… جرائم فظيعة مسكوت عنها، جرائم حذف شعوب بأسرها من التاريخ والوجود في أوحش عمليات تطهير عرقي مورس بعنف ضد الهنود الحمر في أميركا والأربوريجان في أوستراليا وافريقيا والمفارقة أن ذلك كان يتم في اللحظة التي بدأ فيها الغرب حركته البشرية أي إعادة الاعتبار للإنسان كمركز للكون.

منذ القرن الخامس عشر وما يليه انتبه الانسان الغربي وهو في عنفوان صعوده بعد غفوة القرون الوسطى إلى أن العالم بأسره هو مجاله الحيوي مجال حركته مجال مغامرته أقول أحس أن العالم ملك يمينه. واكتشف أن حدوده هي حدود الكون بأسره. وكان بزوغ الانسان الفاوستي كما عرفه أوزفالد شبنغلر في كتابه تدهور الغرب. وصرخ يومها إرازموس وهو أحد أعمدة النهضة الغربية والذي ينام الآن راضيا في قبره في بازل السويسرية: العالم بأسره هو وطننا جميعا.
واليوم وبعد خمسة قرون صار العالم كما تنبّأ إيرازموس وطن الناس جميعا وتحققت العولمة وصار العالم وطن الناس وسجن الناس ايضا.

كانت تلك لحظة فاصلة من التاريخ العالمي وهي اللحظة التي بدأت بيقظة الانسان الغربي باكتشافه وتحديده لذاته كمركز للكون. صار الكون بأسره هو مجال حركته وبدأ التحوّل من ثقافة القرون الوسطى المتمركزة والمتمحورة على الإلهي إلى ثقافة النهضة المتمحورة على الانسان على البشري لذلك أطلقوا على النهضة أيضا اسم الحركة الانسانية أو الحركة البشرية فالتقابل كان بين الالهي والبشري.
وكانت اللحظة التي انفصل فيها الغرب عن الثقافات الأخرى في القارات الخمس وشكل كما يقول اندري مالرو تحديا لها وإغراء راجع كتابه LA TENTATION DE L’OCCIDENT بيد أن هذا الغرب لم يكن متناغما وخاليا من الصراع
كانت الصراعات تقوم بين الممالك البحرية لذاك العصر على الأراضي والجزر البعيدة كانت في الأول مملكتي اسبانيا والبرتغال في صراع دائم لتقاسم الممتلكات مما حدا بالبابا أن يضع مرسوما بابويا يقسم بموجبه الكرة الأرضية إلى شطرين ويحدد لكل من الدولتين شطرها وتلتهما ممالك و أمبراطوريات بحرية من اشهرها أمبراطورية البحار الهولندية التي جابت سفنها المحيطات النائية من سومطرة وجاوة وأندنيسيا إلى خليج عدن وبحر فارس إلى الأمريكيتين حيث أسسوا مدينة نيويورك واستولوا على السرينام.

واليوم هاهي سفن عصر الكشوف البحرية الكبرى في القرنين السادس والسابع عشر تعود من جديد في هذا المهرجان الذي تنظمه أمستردام ومن شروطه أن تبحر السفن المشاركة في المهرجان بالأشرعة والقلاع كما كان شأنها في الزمن الماضي وألاّ تشغل المحركات. هكذا وكما كان يفعل أجدادهم من البحارة البرتغاليين والاسبان والانكليز والهولنديين لدى عودتهم من البحار البعيدة انطلق البحارة الأستراليون في سفينة شراعية تدفعها الرياح مما جعل رحلتها عسيرة تستغرق سبعة أشهر. سبعة أشهر بالتمام وهي تمخر عباب البحور وثبجها معتمدة فقط على اتجاهات الرياح الطيّبة ومواسمها وسواعد نوتيتها فقد غادرت السفينة الاسترالية الشواطئ في شهر يناير (كانون الثاني) 2015 ووصلت إلى ميناء أمستردام أواسط شهر آب (أغسطس). وتخيلت الملاحين وهم يصارعون البحر ينشرون القلاع ويطوونها يقرؤون الخرائط على طريقة ماجلان وفاسكو ودي غاما وكريستوف كولمبوس والملاحين القدامى لاستطلاع الطقس وضبط أشرعة السفينة على حركة الرياح..

وغابت سفن السندباد العربية التي كانت ذات يوم سيدة البحار من بحر عمان وسيراف إلى الصين ولم تشارك في هذا المهرجان سوى سفينة شراعية يتيمة حملت احفاد ابن ماجد فتية سمر جاءوا من عمان صارعوا البحر حتى وصلوا إلى بحر الشمال ودخلوا أمستردام، ووجدتني أمام سفينة العرب العمانية استعيد في سرّي طرفة ابن العبد وهو ينشد
عدولية أو من سفين ابن يامنٍ يجورُ بها المَّلاح طوراً و يهتدي
يشقُّ حبابَ الماءِ حيزومها بها كما قسَمَ التُّربَ المُفايِلُ باليَدِ

وهذه الأبيات شاهدة على أن العرب لا كما تقول الأسطورة سكان صحاري وقفار لم يعرفوا ركوب البحر، وإنما كانوا أيضا بحارة وصلت سفنهم منذ القرن الثامن ميلادية إلى الصين، وابن ماجد الذي استعان بخبرته البحارة البرتغاليون لم يأت من عدم أو فراغ وإنما كان نتاج سلسلة ممتدة من التطور بدأت بسفن البحار الجاهلي إبن يامن أو قبله من أدرانا.

أمستردام ربيع 2016

شاعر وكاتب تونسي
tawbad2931@gmail.com