يحيى الشيخ: نصوص رعوية مهداة الى حسين الموزاني

يحيى الشيخ كيكا 2016  مجلة كيكا
يحيى الشيخ Yehya al-Sheikh

بعضها أحبها حسين في حياته، واعتقد انه سيحبها أكثر الآن.

 

حصاني الخشبي

 

يمكنني أن آخذ طريقاً آخرَ غيرها، لكن طريقي الطويلة عبر الغابة تهبُ رغبتي في العودة إلى البيت متعة سرية مقدسية، تمنحها صدق وجمال المعاناة، كما يمنح السهر والعذاب، للحب عذوبته.
الأشجارُ تكررُ حكمة الوقوفِ إلى الأبد، الأشناتُ الاسفنجية الفسفورية على جذوعها، لا تكف عن التلسق. الضوءُ يخاتلُ خلال فجواتِ أغصانِها ما بين أوراقِها الخريفيةِ الكليلة.
السماءُ تكررُ وجودها بلا سأمٍ، الجدولُ يكررُ ماءه، يكررُ خريره، يكررُ طريقه… يكررُ نهايته.
جذعٌ ظخمٌ يستلقي ويقطعُ الطريق، ينامُ مسترخياً وقد شمرَ عن اغصانِه اليابسة على أرضٍ رطبة وثيرة يحبها؛ أرضُه، أرضُ أجداده، أرضُ طفولتِه.
فأما تطفر من فوقه، أو تلف حوله. لكنكَ مهما فعلتْ لتجتازُه، يقولُ لك: أنا لستُ مثلهم، وسأظل أفقيا مخالفا للقاعدة، وأعيش كما أحب.
كل مرة، أمتطيه مثل حصان خشبي.

حقول القمح

 

كما تنهار المدن بفعل زلزال قوي، إنهارت أسناني بسبب تفسخ اللثة والتسوّس، ليس لكثرة السكريات، انما لفقر الطعام، وتلفظ الكلمات البذيئة والشتائم، واعتقد بفعل الخمرة الرديئة التي كنت اتعاطاها بالدين المؤجل. لست وحدي من يفعل هذا، بل كل زبائن الحانة، فصاحبها لا يتعاطى إلا الدين، وقد كتب لافتة كبيرة كلفني بخطها ” الشرب بالدين… لا نتعاطى العملات النقدية “. سألته مرة كيف يسد نفقاته، ونفقات زوجاته الثلاث وابنائه الخمسة عشر. ردّ عليّ بحزم: لدي ثروة طائلة من الدين سيدفعها لي ربي يوما ما… بدلا عنكم يا ابناء القحبة.

غدا ساخرج من عيادة طبيب الاسنان بلا أسنان… بفم أدرد، سمح، مسالم، يبتسم بلا كلل، مثل فوهة مدفع عاطل، ألثغ بالسين، والراء، وأكثُر من حرف الثاء. لن أقرأ قصائدي لنفسي أمام المرآة كما كنتُ، لن أغني في الحمام بصوت عال، على كلبي ان يتعلم سماع اسمه الجديد “دالميثن” بدلا من “دالميشن” ولستُ واثقا من استجابته لذلك، لكني سأشرح له، وافتح له فمي الخالي من الاسنان. سيسخر مني ولا ريب، ربما يستضعفني فلم تعد لي انياب كالوحوش. عشيقتي، التي تنتظر عودتي من طبيب الاسنان، ستجدها فرصة لتتركني فليس لدي اسنان تثير حلمتها، وعضّها من رُماّنات اكتافها المكتنزة كما كنت.

غدا يستيقظ الكون على ابتسامة لا نهائية، غائرة، أفقد فيها السيطرة على فمي، فيبقى مفتوحاً طيلة الليل للعناكب التي لن تجد ما يردعها ويخيفها. حتى ينتهي معمل البورسلين من تصنيع طقم الاسنان تكون بطني مستعمرة للحشرات، والطعام غير المطحون، فتمتد حقول القمح في امعائي وتكون السنابل التي اعشقها قد اينعت في جوفي.

بيت يكتظ بالارواح

 

ولدتُ في بيت لا الحيطانُ فيه تنتهي،
ولا السماءُ،
وشيعةُ الصوف لا تنفد،
المغزلُ لا يبطل،
النملُ لا يشبع،
الأبوابُ لا توصد،
ولا البلابل تسأم،
ولا الكلاب.

عشتُ في بيتٍ
نعرف فيه ماذا يأكل الجيران،
متى ينامون
بماذا يحلمون،
بيت من طين وطحالب،
على ساعد نهر عريق،
نعرفه متى يفيض،
ومتى يغيض.

بيت يكتظ بالأرواح، والأفاعي، والجراد، والخنافس، والجرذان، والقنافذ، والدجاج البيّاض، والأبقار الحلوبة.

عشتُ في بيتٍ مترف بالشمس والتراب.

 

كل شيء في مكانه

 

كل شيء في مكانه،
السماءُ في مكانها،
والشمس تحت الأفق كما كانت بالأمس،
الريحُ تراوحُ في مكانها،
النهرُ لم يتغيّر مجراه،
الغرابُ الاسحم في سمت الشجرة،
ينوس بريش جناحيه،
قطةُ الجيران السوداء تنتظر لا أحد،
على درابزين الشرفة،
ذيلها يتدلى احياناً،
لكنه في مكانه،
الشرفةُ في مكانها أيضاً.

كل شيء في مكانه،
الموتى أصدقائي في مكانهم،
أحدهم يُنقل جثمانه اليوم
ليلتحق بهم مفعماً بالغضب،
كان بالأمس في مكانه.

كل شيء في مكانه،
حباتُ الرمان ترصّ بعضها شغوفة بالأحمر،
الرغباتُ ذاتها،
والأشواق تستعر مازالت في مكانها…

كل شيء في مكانه،
الورقةُ على الطاولة،
الحبرُ في الدواة،
الرسمُ في طرف الأصابع.
 
كل شيء في مكانه،
المرآةُ والمصباح المطفأ فوقها،
عدّةُ الحلاقة،
رأسي منذ الولادة… في مكانه.

كل شيء في مكانه،
الأوهامُ ، والحقائقُ، والحروبُ على الارض.

كل شيء في مكانه،
الشوارعُ ، واعمدة الكهرباء، والجدرانُ، والأشجارُ باغصانها المتقرنة،
الكنيسةُ والاشناتُ الخضراء أسفل اساساتها الحجرية،
في مكانها… منذ قرون.

كل شيء في مكانه،
الأسى في مكانه أيضاً.

 

 

شاعر ورسام عراقي، النرويج
alsheikhyahya@gmail.com