عشرون قصيدة للشاعر الفرنسي برنار مازو ترجمة وتقديم خالد النجار

Copie de Bernard Mazo kikah
برنار مارو Bernard Mazo

برنار مازو الشاعر الذي مات في البحر…

برنار مازو الشاعر الذي مات في البحر… برنار مازو صديق الشعر والشعراء عرفته في مهرجان لوديف وهو يقدّم شعراء العالم يخاطبهم، ومن لحظة اللقاء الأولى بدفئ وتلقائية وكأنه يعرفهم من زمان. وعرفته في دارته الريفية في “غاسان” في الجبل الذي يشرف على بحر سان تروبيه حيث أجريت معه ذات سنة حوارا شيقا في ركن حديقة مفعمة بروائح بحر الجنوب واشجار الأوكاليبتوس والزان والنباتات الجبلية وتحت سماء زرقاء تموزية مشعة بضوء الشمس وبالظلال سماء تخططها العصافير وتعبرها غيوم صيفية وكأنها تطير في قصيدته. كان برنار مازو يتحدّث عن الشعر بحس درامي هو الذي يبدو في حياته اليومية شخصية غنائية ضاجة يعبر العالم بقبعته القش وبصخبه الدائم و بضحكته التي تملأ الأرجاء ضحكته المجلجلة التي تلازمه و كأن حياته كوميديا غنائية لا تنتهي. بيد ان وراء هذا السطح المسرحي الضاج ثمة شاعر يعاني الحياة وصمت الكلمات…
شعر مازو مرآة لعالمه السريّ تختفي منه السخرية التي تسم حياته اليومية والتي يتخفى وراءها حتى لا يعري جرحه/ هو لا يتعرى سوى في القصيدة.
مثاله الشعري بودلير ورينيه شار فهو يرى مع بودلير: أن وظيفة الشّعر تتمثل في التّعبير عن جماليّة العالم وعن تجذّر الإنسان في الطّبيعة وعن إيقاع الفصول وظيفة الشّعر أيضا هي التّعبير عن معضلة الوجود الإنساني عن انبهار الإنسان وقلقه في العالم؛ تعبير عن هذا الوجود الهشّ والعابر الذي يملك الشّعراء الكلمات للإفصاح عنه والذي يحسّه الآخرون بشكل غامض وأعمى دون أن تكون لديهم القدرة على التّعبير عنه.

وعن رينيه شار الذي ترك بصمته في شعر مازو يقول:
رينيه شار بالنّسبة لي عملاق، هو نصب متفرّد، استطاع في القرن العشرين أن يستعيد لنا اللّوغوس الهيراقليطسي في شعر يتوسّل لغة آلهة الأولمب، شعر هو نوع من المعجزة اللّغوية كما لو أنّه لغة البدايات، أو هو لوغوس تأسيسي. كان روني شار صديقا لمارتن هيدغير، إذ كان التحقّق الشّعري لفلسفته.

في العشرين وجد برنار مازو نفسه في جبال الأوراس الجزائرية قضى هناك 27 شهرا جنديا يحارب لأجل قضية هي ليست قضيتي كما يقول، وهناك تلقى الصدمة الكبرى إذ رآى الجنود الفرنسيين وهم يقتلون الفلاحين الجزائريين رآى التعذيب الوحشي والقتل الجماعي للأسرى يمارسه ضباط ليس لديهم أي وعي… لحظتها استيقظ هو الحالم على الفجيعة التي أضاءت أعماقه وانفتح جرح لم يندمل أبدا وإحساس بالذنب صحبه طيلة حياته

في الجزائر ابتدأ الشعر لأن الشعر يولد مع الفجية أكثر مما يولد مع الفرح.
وفي الجزائر عرف الانفتاح على الآخر وثقافة الآخر ذاك الانفتاح الذي جعل منه وسيط ثقافات هكذا يلقب برنار مازو ب L e passeur
أذكر عندما عاد إلى الجزائر بعد أربعين سنة هاتفني من باريس منفعلا على التليفون ليعبر لي عن مدى شعوره بتلك الرحلة التي هزته من الأعماق، أعادته إلى فجيعة سنواته العشرين، اذ إلتقى بأصدقائه الشعراء الجزائريين وخاصة مراد تيبوشي.

خالد النجار

عشرون قصيدة

تلك التي ترافقني

لقد هيّأت مغناها
تلك التي تضيؤني

تلك التي تبتسم لي
في مياه الذّاكرة الصافية
و النّعومة ترافقها
في بهاء النّهار.

رماد الكلمات

كما لو أنه
الثلج الأول
على زجاج النافذة
بيد أنه لم يكن سوى
رماد الكلمات
منتثرا في الريح.

الصمت المسكون

في الذآبة الدقيقة للشجرة
ذلك الصّمت المسكون بالطّيور.

مرافقونا البعيدون

العصافير التي تمضي فوق سطح البحر
تحلم بالشواطئ البعيدة حيث يأخذها الموت …

هي

كانت
زبدا في الريح
غيمة في البحر

هي
التي تصلّي لها العصافير
في اشتعال الضوء.

وثــــوق

أنت كالدفئ الذي أتعهّده
كالضياء الذي يسكنني، كالعصفور
الذي سيفتح الليل في روائح الذكريات
أنت كالدم
يشتد فجأة

في االمتحاذيين .

في القصيدة

ليس أنا من يقول
القصيدة
ليس صوتي ما تسمعون
ولكن ما يتجلى من خلالي و يشدني
هو ظل الجمال اليائس
وذاك الغياب اللانهائي في قلب الأشياء

ثمّة أيام

ثمّة أيام
نرغب فيها أن نظل
وبكل بساطة
على سطح الأشياء
وألاّ نتحرك ابدا
ألاّ نخاطب احدا
أن نتناسى
أحلامنا المحبطة
ولا نريد ان نبحث
عما نسعى إليه
من خلال وجودنا
المرهق
رجل ما
لاينام
يرصد الليل
و مجيء الليل
ويتساءل
عن حقيقة الأشياء
التي تموت
يظل واقفا
مستندا للزمن
ممتقع الوجه

يهيأ لنا

يهيّأ لنا
أنّ القصيدة
تبزغ من لا مكان
مثل انعكاس
لطوفان
ما قبل الخلق
ذو التناغم الضائع
الذي يتأكل قلب الانسان

مالذي تترقبه من حياة شديدة القصر؟

ماذا تنتظر
من حياة عابرة ؟
تتمنى فقط
وبكلّ بساطة
أن تظل هنا
في قلب العالم
مصغيا لنبضان
دمكا
لتظفر في الأخير
بكلمات
ترسم بها
فوق صفحات الصمت
الكبرى
ذاك المجال المجهول
الذي يسكنني

كلمتي

كلمتي
منحوتة
من ضجيج
الآخرين كلهم

هو الأمل

هو الأمل
الذي لا يكف
عن الحلم داخلنا
في سهد النوم

العود إلى الصّمت

عود إلى الصمت
كلّ كتابة
كلّ قصيدة
تؤوب يوما
إلى الصمت

أن تحلم

تحلم بألاّ تكون
سوى العبور السريّ لتلك السنونوة
التي تخطط بلور السماء الأزرق الشاسع

الأمل ساهرة هشّة

الأمل ساهرة هشّة
على هذه الأرض المرصودة للخراب
نتماسك ونقاوم
نثبت في المكان
في مواجهة الريح و المدّ
متحدين شمس الأسلحة
وسطوعها القاتل
ذلك لأنه يجب الصمود و الصمود بلا نهاية
في مواجهة شراسة الأيام
كما لو أننا لن نموت ابدا…
ففي هذا القصيد لست انا من ينشدكم
في هذه القصيدة ليس صوتي ما تسمعون
بل ما يعبر من خلالي ويشدني :
ظل الجمال المستحيل
وذاك المل اللانهائي في قلب الانسان
ذاك انه في ايدينا المرتعشة
ضوء الأمل الخافت
تلك الساهرة الهشة
في قلب الليل الكاسر

شهوة الصباح

آه كم هو مؤلم
أحيانا
التّنفس
في ثنايا
الصباح المثقلة
وأن تتمادى
في نهم الصباح
اللانهائي

ونحن ؟

I
ومن سيبعث من جديد
الزلزال اللاّنهائي
لأوّل صباح في العالم

II
ونحن
نحن بلا كلمة على الدوام
مالذي سنصيره
اذ نحن ضائعون على تخوم
بلا ذاكرة النار

من سوايا

من غيري أنا
يستطيع أن يثبت أنّي موجود
من غيري أنا
القائم هنا أخرس بينكم
بكل هذا الخوف وهذ القلق
المتجذر في أعماقي من زمان
مثل جرح حياة
ما كان لي لأحياها

عن بلد مغمور

I
أيّتهات الطيور التي تصطحبني
إلى التخوم القصيّة
خفّفي عنائي وامسحي دموعي
حتّى تصير الحياة أكثر خفّة

II
وأنت، ماذا تفعل أيها الساهر السّادر
ضاربا خيمتك على تخوم البلد المغمور
الذي ما تزال ذكراه مشتعلة
على امتداد أوردتنا ؟
III
تظلّ هناك في قلب العزلة
منحنيا حتّى الاغماء
فوق الهوّة السحيقة للسنوات الهاربة
تتعذّب لأجل انّك لم تكن سوى غبار
مأخوذا في جاذبية المذنبات العمياء

باريس
ديسمبر 1999

رماد الكلمات

كما لو أنه
الثلج الأوّل
على سطح بلور النوافذ
ولكن لم يكن سوى رماد
الكلمات
منتشرا في الرياح…

الترجمة عن الأصل الفرنسي

شاعر ومترجم وناشر تونسي
tawbad2931@gmail.com