محمد سيف: ليس من السهل أن لا تكون أحد أتباع أرسطو

florencedupontune-349388-jpg_225534
فاورنس دوبون Florence DePont

لقد صدر للكاتبة الاستاذة المتخصصة في الادب اللاتيني فلورنس دوبون، كتاب “ارسطو او مصاص دماء المسرح الغربي”، عن دار نشر فلاماريون الفرنسي، ويتألف من 320 صفحة، من الحجم المتوسط. إن هذا العنوان بحد ذاته، يحدد لهجة هذا الكتاب الذي تقول من خلاله فلورانس دوبون، إن أرسطو قد امتص دم المسرح الغربي عندما جعل من الماساة نصا مستقلا، وليس عرضا حيا ليكون ممثلا, بهذه الطريقة، أنشا الفيلسوف اليوناني النموذج الجمالي الذي فرض نفسه على التاريخ تدريجيا وظل مهيمنا حتى الأزمنة الحديثة.
إن هذا المشروع، هو تفكيك لفن الشعر لأرسطو ومفاهيمه، ونابع من حقيقة عملية: ( أن الكوميدية الرومانية القديمة ظلت غائبة من المسارح المعاصرة، وتم تجاهلها بشكل منتظم من قبل الدراسات المسرحية) (صفحة 7), وتذكر المؤلفة من خلاله، بالدرجة الاساس، أن أرسطو صاحب النظرية الشعرية، قد اخترع مسرحا بلا خشبة، دون آلهة، دون موسيقى، وموجه للقراء فقط، ولم يبق من التراجيدية سوى النص الموجه في المقام الأول للقراء. في حين ان المأساة اليونانية كانت اولا وقبل كل شيء، أداءً طقسيا وجزء لا يتجزأ من سياق مسابقة موسيقية، وليس نوعا أدبي. أي ان فلورنس دوبون، في هذا الكتاب، لا تقدس النص التراجيدي مثلما فعل أرسطو في كتابه فن الشعر، بل على العكس، تكشف عن كونه مادة من بين مواد الاداء المسرحي الأخرى، وإن دوره يكاد ان لا يتعدى دور سكريبتا سينمائيا في ايامنا هذه، يسمح للممثلين والجوقة على التدريب وحفظ أدوارهم ثم ينسونه بعد ذلك كليا. إن هذا المشروع، بمثابة طعن في المسلمات والافتراضات الجمالية التي يعاني منها المسرح الغربي، التي تجدها المؤلفة، مترسخة في الارسطية المتفشية والمنتشرة في المسرح بكامله، منذ ما يقارب قرنين من الزمان. ومن بين هذه الافتراضات الاكثر قوة ورسوخا، استهدفت فلورنس دوبون ” الخرافة La Fable “، الصورة الرمزية المعاصرة للاسطورة “muthos ” (لارسطو وبريشت وتلامذتهم الذين يحتفلون بها كحقيقة نابعة من القلب. العالم كله يؤمن بذلك، لأنه يعتقد، حتى تاريخ قريب – التاريخ الذي اطلق فيه هانس تييس ليمان، تسمية مسرح ما بعد الدرما ” postdramatique” )- بأن المسرحية كانت دائما، بمثابة عرض لقصة) (صفحة 8 ).
بلا شك أن كتاب فن الشعر لأرسطو، منذ ظهوره حتى هذه اللحظة، لم يتوقف عن تنظيم عملية التفكير في المسرح، ولازال حتى اليوم الاطار النظري المرجعي للإبداعات المعاصرة، وهذا ما تلقي الضوء عليه فلورنس دبون، في التحليل الموجز والثاقب جدا، لـ (شجار المهرجين الجدد) الذي وقع، وفقا للمؤلفة، في مهرجان أفنيون عام 2005. إن ما وراء هذا الصراع (الذي كان يجب أن لا يكون) بين مريدي ( مسرح النص) والمدافعين عن (مسرح الجسد)، دارت المناقشات، في الواقع، حول مجموعة من الافتراضات الشائعة التي تعكس، بكليتها، تأثير المفاهيم الأرسطية: (حتى بين أولئك الذين يدعونَّ إلى نيتشه ويستدعون اسم ديونيزوس)، وتقصد هنا الكاتبة، على سبيل المثال، “جان فابر” النيتشوي، والمفتون بوهم الأصول، والواقع ايضا، في فخ الارسطية مثل المخرج ” أوليفييه بي” الذي جمعهما مهرجان أفنيون عام 2005. وهنا تركز فلورنس دوبون، على التفكيك (من أجل كسر الأرسطية المحيطة) التي انغمر فيها الكثير من الاكاديميين والممارسين للمسرح المعاصر، وفي اغلب الاحيان، دون أن يكونوا على علم بها. وتحلل الكاتبة، على سبيل المثال، مقابلات أوليفية بي وجان فابر- المدافعان على التوالي عن (مسرح النص) وعن (مسرح الجسد ) في الشجار الشهير لمهرجان أفنيون- لتكشف انهما في نهاية المطاف صاحبي خلفية أرسطية مشتركة، وهذا ما يؤكده بشكل واضح، أوليفية بي، عندما يقول: (لا يمكن أن اصنع مسرحا دون قصة) (ص 19)؛ وإن الطريق بالنسبة لجان فابر اكثر غموضا وهو الذي ينادي بنيتشه. فمن النظرة الأولى، يبدو أن جان فابر ينتمي إلى معسكر مسرح الجسد. لكنه لم يستخدم خطابا جديدا للدفاع عن عروضه وتخبط مثل الآخرين في فكر الاصول اليونانية. يقول: (إن مسرحي يعود إلى أصل المأساة التي هي وليدة الطقوس الديونيسوسية. تلتقي فيه الثمالة بالعقل وبالقانون) (*). من هو الثمل هنا ؟ الممثل؟ الشاعر؟ المتفرج؟ اخر ابدال حدث في ناموس نيتشه الذي يمزج فيه بين ديونيسوس إله الخمر وديونيزوس إله الوهم، إضافة، إلى مزجهما، طبعا، بأبولون من زاوية العقل والقانون. ولكي يكون اكثر يونانية، يرش “جان فابر” الجميع بقليل من التطهير الأرسطي: (إن وظيفة التطهير بالنسبة لي، مبدأ مهم)، غير مدركا بأن هذا المفهوم غامض، وليس له معنى إلا في النظرية الأرسطية ولا يعني مطلقا بطقوس عبادة ديونيسوس. ثم يوضح بقوله أنه يسعى لتطهير المتفرج من خلال مواجهته مع المعاناة، ويستمر بالقول ” أن مسرحه أمتداد للتراجيدية وطقس للتطهير”.

الغلافإن فن الشعر، بموجب فلورنس دوبون، بمثابة (آلة حرب موجهة ضد المؤسسة المسرحية). إنه لم يأخذ بعين الاعتبار بالممارسة الفعلية للمأساة، وبدلا من ذلك عمل على قتل الطقوس، باختراعه مسرحا ادبيا بحتا، مقطوع الجذور عن الحياة المدنية في أثينا: مأساة ” خارج المسابقة “، تختصر نفسها في نص، (مستقل عن أي تطبيق معين) (صفحة 149).
من أصعب جوانب الكتاب كله، هي الطريقة التي تقف فيها المؤلفة، ضد التيارات المعتادة، متبعة تاريخ المسرح منذ عصور التنوير الأوربي، باستجوابها سلطة النظرية الشعرية، وقصتها التي تعكس التأثير المتزايد للأرسطية، كما هو مبين من قبل “الثورات الأرسطية الثلاثة” التي اتبعت من منتصف القرن الثامن عشرة: تقديس النص على حساب الأداء الذي اصبح الضحية الأولى للشعرية، و(الممثل) الذي صار مجرد منفذ للتعليمات التي يضعها المؤلف قبل اخراج النص، وهذا ما يشكل مفارقة كبيرة، لا سيما ان أرسطو يؤكد بهذه الطريقة على أولية النص حصريا، قبل أي عنصر آخر في العرض.
وأخيرا، تتطرق لورنس دوبون إلى بريشت نفسه (الأرسطي رغم عنه) بموجبها، الذي يؤكد على (ديكتاتورية الخرافة) معتبرة اياه (الصورة الرمزية الأخيرة للأرسطية). أما الخاتمة فتبدو قاسية وخلاصتها (إذا كان الدراماتوج غير أرسطي) فإن ما يحققه برتولد بريشت في (مسرحه الملحمي) لا يتقاطع بكل تأكيد مع الحبكة، ولا يتركها تحول أو تغير المكونات الشعرية بشكل عميق. ولكن المهم لا يكمن هنا وإنما في بعض عدم العدل الذي يمكن أن يكون في صيغ التأكيد وباللغة الاستفزازية المتعمدة، وفي المظاهر التي تجبر على اعادة النظر في عدد من الأدلة والافتراضات التي (تمنع التفكير بالمسرح بطريقة مختلفة).
بعيدا عن عملية تصفية الحساب مع أرسطو وورثته، تدعونا فلورنس دوبون من خلال كتابها هذا، الى النظر بطريقة مختلفة إلى المسرح، والتغلب على أولوية النص، والعثور ثانية على جميع العناصر التي قللت من شانها النظرية الشعرية، ابتداء من الموسيقى إلى الرقص مرورا بالتعبير الجسدي والمشاعر والعواطف، وباختصار، العثور على بُعد اللعب واهميته في صناعة العرض بالدرجة الاساس، واشياء أخرى من السرد. ثم (أليس هذا ما تذكرنا به ” الكوميدية الرومانية ” و ” الكوميدية البالية ” في عصر لويس الرابع عشرة، وحتى المأساة اليونانية ؟!)
وسواء اتفقنا أو لا نتفق مع طروحات لورنس دوبون، فهي حتما ستدفعنا وترغمنا على مساءلة عمق مفاهيمنا المسرحية، وآلياتها التي تأسست ومنذ زمن طويل، على اطروحة فلسفية واحدة، مارست ولازالت تمارس علينا نفوذا واسعا ومستديما. ولهذا اننا عندما نقرا الاجزاء الثلاثة للكتاب، حتما ستنفتح مسارات تفكيرنا اكثر فأكثر على نوع من الاطروحات المشاكسة المخالفة. وفي النهاية، ليس من السهل ان لا تكون احد اتباع أرسطو، مثلما تقول فلورنس دوبون نفسها.

(*) مقابلة مع جان فابر في ( Corpus Jan Fabre, L’Ache, 2005, p. 244.)

كاتب ومخرج مسرحي، باريس
muhamadsef@hotmail.com