“سراب الأرض الموعودة” مقاطع من رواية للكاتب العراقي سليم مطر

إلى صديقي الراحل حسين الموزاني
نعم، قد يمكننا أن نتصبر بالحلم على لهيب جهنم
ولكن حينما يتبدد الحلم تحرقنا نيران الخيبة

هذه مقاطع متفرقة من الفصل الأول من رواية قيد الإنجاز

سليم مطر 8
سليم مطر Selim Matar

بدأت مغامرتي مع زيارتي الأولى لبلادي في أيلول عام 2007، بعد غياب أكثر من 25 عاما في المنفى، أو قل في بلجيكا التي أصبحت بلادي. قبل نهاية الأسبوع الأول في بغداد تعرضت لنزلة برد حادة والتهاب حنجرة وحمى عالية، بسبب صدمة لقاء أهلي، إخوتي وأخواتي وأصدقائي واكتشاف خرمشات العمر علينا وعلى بلادنا، بعد عقود حروب وحصار وفقر وهجرة. أشد ما عذبني اندثار الكثير من مرابع طفولتي في حارات بغداد ومقاهيها ومكتباتها وسينماتها. الخراب في كل مكان فبدت بغداد وهي تحتضن نهر دجلة بمياهه المتوهجة القانية، وقامات نخيلها الشامخة الخضراء، مثل حسناء وديعة فاتنة لكن جذام الزمن قد أصابها وحطم جمالها.
كم خجلت من نفسي وانا انتبه كيف أن سنوات غربتي جعلتني رغما عني أحس بأني أجنبي عن أهلي وبلادي. وأن حياتي في “بلجيكا” قد غيرتني من الأعماق وكأني سائح أوربي صدمتني معالم الشيخوخة على وجه مدينة طفولتي وشبابي الأول.
منذ دخولي في سيارة أجرة عبر الحدود الأردنية، شعرت بنغزات سكاكين في انحاء كياني وانا أفاجأ بالقوات الأمريكية هي التي تشرف على الحدود، إضافة إلى حواجزها ومعسكراتها المنتشرة في كل مكان.

***

فاتني أن أخبركم، بأني كنت حينها ومنذ أعوام أعيش أزمة كبيرة ما كفت عن التفاقم، مع زوجتي “مادلين” بعد حياة مشتركة أكثر من عشرين عاما أثمرت عن بنت وولد طيبين “ريم ونسيم” في أول سن الشباب. وحقيقة أنا ما أتيت لبلادي بدافع الحنين وحده، بل كنت مجبرا لأسباب علاجية. طبيبتي النفسانية هي التي ما كفت عن ترداد نصيحتها: تصالح مع نفسك.. تصالح مع ماضيك. طفولتك حيوان مفترس محبوس في أعماقك. وهاهو الآن يستثمر ضعفك بسبب عمرك وتعبك وخيباتك، كي يستقوي ويزأر في باطنك وينهش روحك. عليك أن تتصالح معه وتروضه مثل حيوان سيرك.
نعم، خيبات العمر والوطن هي التي أنهكتني. فأنا مثل ملايين المنفيين العراقيين بقينا لعشرات السنين نحلم بالرجوع إلى “الأرض الموعودة” بعد سقوط النظام لتحقيق جنتنا على الأرض. وكانت صدمتنا الكبرى بعد الاحتلال الأمريكي، أن بلادنا انحدرت أكثر وأكثر إلى أعماق الهاوية، واستحالت إلى جهنم؛ حرائق وتفجيرات ودماء وفساد وخراب. راحت الكوابيس تجتاحني وأشاهد نفسي غريقا في بحر متلاطم، قد ابتلعت مركب نجاتي المنتظر أمواج عاتية. خيبتي ونكستي وإحباطي وهزيمتي وضياع حلمي، حطمني وأضعفني. حتى زوجتي وأبنائي دون أن يدركوا، ما عادوا يتحملون غيوم حزن وغضب تلبستني ولوثت كياني وصوتي وأفكاري وسلوكي. وها أنا أعود إلى بلاد الخيبة والخراب، بلاد الطفولة المعذبة والماضي الحزين، بلاد الحاضر الأليم، اعتمادا على مبدأ:
“وداوني بالتي كانت هي الداء”.

***

لم أكن أحسب أن يكون “التلفزيون” من معوقات التواصل مع الناس. فنحن، أنا وعائلتي في بلجيكا، قد تخلينا عن التلفزيون منذ أعوام، فأنا وزوجتي من المعتقدين أن هذه التقنيات الإلكترونية الجديدة مهما منحتنا من متعة وثقافة إلا أنها أيضا تبث فينا سموما بدنية ونفسية خطيرة. كم صدمت هنا وأنا أكتشف مذهولا مدى اجتياح “التلفزيون” حياة الناس. هكذا فجأة أدخل عليهم الاحتلال هذا العالم الخلاب بقنواته المجانية التي لا تحصى لتبث سمومها العنصرية والطائفية والخلاعية التي تخدر أبدانهم وتشتت أرواحهم. لقد ارتقت هذه الشاشة إلى مستوى إله مقدس يمارس سطوته على العباد ليل نهار دون انقطاع لحظة واحدة. تراه شغالا بأنواره المبهرة في كل بيت ومكان، وهم بحضرته يأكلون ويتسامرون ويقرؤون وينامون بل حتى وهم يصلون. كم ذهلت في أول مرة وأنا جالس مع بعضهم ذات ليلة، فسمعت من بعيد أصوات انفجارات. ظننت بادئ الأمر أني أتخيل لأنهم استمروا بمشاهدة التلفزيون وتقليب القنوات. فسألتهم للتأكد: “هل يسمعون الانفجارات؟” فردوا دون أي اهتمام وهم يحدقون متابعين المسلسل: “نعم.. نعم.. هناك مواجهات مع الأمريكان”. حينها فقط أدركت أن هذه الشاشة الشيطانية قادرة على أن تجعل الناس لا يفقدون فقط عقولهم، بل حتى أحاسيسهم. لكن لحسن الحظ أن انقطاع الكهرباء اليومي فرصة لتحررهم من هذه الآلة الجهنمية وتبادل الأحاديث الطبيعية معهم. لذا كنت أحاول أن أرتب أوقات زياراتي ولقاءاتي في ساعات انقطاع الكهرباء. فنجتمع حول الشموع ولهيب الجمر ونتبادل الحكايات والنكات والأغاني مثل أيام زمان.

***

وجدت نفسي في زنزانة مظلمة خاوية تماما من أي أثاث. أمضيت ليلتي أرتجف على أرضية باردة حتى جمدت أطرافي، وصوت بومة ينعق في الخارج. رحت أراجع حالي وأفكر بالمخاطر التي تحيطني من كل ناحية. كيف تركت نفسي هكذا أنقاد مثل مجذوب نحو جحيم وطن لم يمنحني الراحة طيلة حياتي. أين مدينتي”بريج” ونهرها وبحرها وعائلتي الطيبة وشقتنا الهادئة ومهنتي المحببة. أعترف الآن أن الشيطان ليس في خارجي بل هو في داخلي، شيطان الهزيمة والخيبة وتأثيم الذات. لقد تفاقمت محنتي وخيبتي بعد الاحتلال وأنا أشاهد غالبية رفاقي وأصحابي الذين أمضوا شبابهم في المنافي بانتظار الأرض الموعودة، فتنازلوا بسهولة عن مبادئهم وأحلامهم، ورضوا بما حصَّلوا من ملذات انتقامية سادية بمشاهدة جلادهم الدكتاتور ينهار ويذل ويقتل هو وعائلته وأنصاره. وجدت نفسي وسط أقلية لم يكن الانتقام غايتنا بل حلم إحياء بلادنا لتعود زاهية كريمة.
العديد من أصدقائي ورفاقي المرهفين الحالمين، دمرتهم صدمات الخيبة والخيانة. صديق عمري الرسام نديم، أباح لي باكيا كيف سيطرت عليه الكآبة وانطوى على نفسه فاقدا فحولته مع اجتياحه بكوابيس مرعبة يقوم فيها رجال مسلحون بقطع قضيبه. ظل يحترق بلهيب العار والغضب من وطنه وأبناء جلدته. حتى زوجته العراقية لم تعد تطيقه، ولا حتى أبنائه، فقررت المحكمة تطليقه وحرمانه من أطفاله. فغادر بلجيكا إلى جهة مجهولة وانقطعت أخباره. صديق آخر شاعر رقيق لجأ إلى الخمرة لينزف خيبة وانكسارا حتى وجدناه ميتا بها.
أما أنا بطبعي الثائر المتمرد فإن الهزيمة لم تفقدني فحولتي، بل بالعكس، فجرتها مثل بركان اجتاحني ومسخني إلى ثور هائج يريد الهرب من هذا العالم المخيب الخئون باللجوء إلى كهوف المرأة. لا أدري إن كنت أنا البادئ أم زوجتي، إلا أن الذي حصل أنها في نفس الفترة قد بلغت سن الأربعين، وبدأت تعاني من عوارض سن اليأس، فأصبحت كئيبة حساسة وباردة وشاحبة ولا تكف عن التوجع والنقد والشكوى. ولعل نضوج ابنينا واستغناءهما السريع عن رعاية أمهما، قد سارع في تفاقم أزمتها وغضبها من الزمن الذي عطل أمومتها. أما أنا، فرغم عمري الذي قارب الخمسين، وجدتني أعود إلى هيجان شبابي لأتسكع مخمورا محشوشا في الحانات والمراقص، بحثا عن أية امرأة تأخذني بين أحضانها وتدخلني إلى تنورها مثل طفل يود العودة إلى رحم أمه هربا من خيبات الحياة.
ها أنا أخيرا في تنور بلادي المنكوبة. هنا في وكر الذئاب. لا أدري كيف كنت من السذاجة لأصدق نصيحة طبيبتي النفسانية. كيف قبلت بزج نفسي بهذه الورطة بحجة التصالح مع تاريخي وذاتي. رغما عني وجدت نفسي أنحدر في هاوية بلا قعر سقطت فيها بلادي. لا أكف عن تدمير ذاتي والانتقام من نفسي. بدلا من الهروب والابتعاد عن الذئاب التي حطمت أحلامي، آتي بنفسي إلى وكرهم! رحت أبكي بحرقة وسط عتمة وعفونة ونعيق بوم وضفادع وصراصير.

كاتب عراقي، جنيف
s.matar@bluewin.ch