فصل من رواية “الكيتش 2011” للكاتب التونسي الصافي سعيد

Safi Said  kikah mag
الصافي سعيد Safi Said

 

الفصل الثاني عشر

بعد نحو ثلاثة أسابيع من مباشرة عملي في إسطمبول، كان علي أن أسافر إلى الموصل. كنت أرى نفسي كما لو أنني أتدحرج إلى الهلاك ولكن بلا مقاومة. الأحرى أن أقول كنت راغبة في تلك الرحلة حتى وإن كانت مرهقة وذات مخاطر عالية.. مصعب هو الذي اختار أعضاء الفريق الذي سيسافر إلى الموصل.. أخبرني قبل موعد السفر بيومين فقط.. قال لي حين زارني في شقتي:
– سيكون قائد الفريق باشكير آغا. وستذهب معك مرام حسن والصحفي حبيب رودباري والكاميرامان سفيان التونسي.. ستجدون كل شيء جاهزا.. وأنا على يقين أنكم ستقومون بعمل جيد وجبار. إني أعتمد على ذكائك وشجاعتك.. صمت قليلا ثم أضاف:
– ما ستقومين به سيجعلك نجمة في عالم الصحافة.. وغدا سيصبح رصيدا تاريخيا في مذكراتك.. إنه المادة الأولى والطرية لكتابة التاريخ..
كان بإمكاني في تلك اللحظة أن أقاوم ذلك العرض الذي كان في شكل مهمة. وبما أنني كنت راغبة في القيام بذلك، فقد اكتفيت بسؤال واحد:
– هل هذا الاقتراح من عندك أو من عند الشيخ رشدي العطار..
أجابني:
– في المحصلة، لقد تم اختيارك.. لا يهم إن كان مني أو من الشيخ العطار.. وفي كل الأحوال علينا أن نحترم التراتبية التي يفرضها تقسيم العمل داخل شركتنا.. الشيخ العطار هو كما تعرفين رئيس مجلس الإدارة، وأنا المدير التنفيذي.. وكريم كروان، عضو مجلس الإدارة ونائب مدير تنفيذي.. أظن أن هذا قد أصبح واضحا..
هكذا انتهى الحوار بيني وبين مصعب. ولم أر أن أمورا كثيرة قد تغيرت في الفترة الأخيرة إلا حين وصلنا إلى الموصل. ورغم أنني متابعة جيدة للسياسة العربية إلا أن ما حصل قبل نحو ثلاثة أشهر من صعود ملك جديد في السعودية، قد فرض ذلك التغيير في التراتبية وتقسيم العمل والمهام.. كان هناك من يعتقد منذ بدء الربيع العربي أن قطر سوف تلعب طويلا وسوف تحلق في سماء العروبة كما لو أنها قائدة لهذا الربيع.. ولكن في النهاية سترث السعودية كل شيء.. بدا لي أن فكرة الكازينو التي كان يتحدث عنها زوجي السابق مراد عباس صحيحة. فهو الذي كان يقول لي: انتبهي لا أريد أن تخطئي.. اللاعبون كثر، ولكن الكازينو هو الرابح الوحيد والكبير!..
وصلنا إلى مطار “ديار بكر” في المساء. وهناك وجدنا سيارتي تويوتا رباعيتي الدفع في انتظارنا.. كل سيارة بها سائق وحارس. باشكير وسفيان التونسي ركبا في سيارة.. وأنا ومرام وحبيب ركبنا في سيارة ثانية.. وكان لا بد أن نذهب من “ديار بكر” إلى “ماردين” لننام ليلتنا هناك.. الساعات الثلاث التي قضيناها على الطريق كانت مرهقة، لأن اللهفة للوصول إلى ماردين لم تكن تتناسب مع السرعة.. ذلك أن الجو كان باردا جدا وعاصفا.. ثم أن الطريق المنعرج بين الهضاب والجبال جعلنا نتذمر منه.. بالإضافة إلى ذلك فقد كنا نضطر أحيانا للتوقف في عرض الطريق حتى تمر بعض الأبقار. كان من الممكن أن أسأل حبيب ما إذا كان رعاة البقر لا يخافون من هجوم الذئاب في هذا الوقت المتأخر، ولكنه قال لي متطوعا: هذه الأبقار مسروقة.. إنها ذاهبة إلى المسلخ.. سوف تصل قبلنا إلى سوريا..
بعد قضاء ما تبقى من ليلتنا في ماردين في فندق أقيم على قمة جبل، انطلقنا باكرا نحو القامشلي، نقطة الحدود بين تركيا وسوريا.. آنذاك قال لنا السائق بلهجة مطمئنة..
– الآن سندخل إلى الأراضي السورية.. وسوف نمر على طريق جبلي تحت سيطرة جبهة النصرة.. ليس ثمة ما يقلق رحلتنا. إنشاء الله سنصل إلى الموصل في أقل من ثلاثة ساعات..

kitsh
غلاف الرواية

وبعد نحو ساعتين بطيئتين جدا وصلنا إلى مدينة سنجار التي لا تبعد كثيرا عن الموصل. تركنا الحسكة على الغرب ثم انحدرنا شرقا نحو سنجار.. توغلنا أكثر نحو الشرق، فلاحت لنا الموصل من بعيد كما لو أنها تنتظر من بعيد موكب هارون الرشيد.. كنا نطرد الخوف أحيانا بثرثرات تافهة وسخيفة أو بضحكات هستيرية، ولكن ليس الخوف فقط الذي كان يوحدنا، بل يجب أن نقول، أن شعورنا بالفخر والتميز ونحن نسير في أرض داعش التي لم تهزمها جيوش ستين دولة مجتمعة هو الذي كان يوحدنا ويبعد علينا الخوف. ازداد فخرنا كلما توقفنا عند حاجز ما. فما إن يظهر الحارس بطاقته مع كلمة السر حتى تفتح الطريق أمامنا.. وبالتأكيد لم تكن تحت العناية الإلهية وإنما كنا تحت العناية الدولية التي تحتاج إلى أكثر من رحلة مرهقة لكي نستطيع فك شيفرتها!..
ولكن الموصل ليست مجرد مدينة كبيرة ومترامية وذات كثافة سكانية وغنية بثرواتها وتجارها وتقاليدها.. إنها توجد عند عقدة الطريق بين العرب والفرس والأتراك، وهي تستلقي على ضفاف نهر دجلة منذ آلاف السنين.. فقبل نحو ثلاثة آلاف عام وما يزيد، كانت عاصمة للأشوريين. ثم استولى عليها الكلدانيون قبل ميلاد المسيح بسبعة قرون.. وخلال تلك القرون امتلأت بالحصون والقلاع حتى جاء عصر الإسلام فأضاف لها رباطات كثيرة. لم تسلم الموصل في كل حرب كبيرة بين شعوب تلك المنطقة من الدمار. الكل كان يريد السيطرة عليها لأنها مفترق الطرق والتجارة والمياه.. حكمها الفرس والروم ووصلت إليها حتى جيوش الإغريق.. ثم استسلمت للعرب منذ زمن بعيد، لكنها لاتزال تناور من أجل أن تعيش في سلام بدا مستعصيا عليها عند كل احتكاك. الموصل التي لاحت أمامنا ونحن نهبط من القمم نحو السفوح، هي الموصل التي بناها العرب، وهي الساحل الأيمن لنهر دجلة. أما الموصل القديمة والتي تقع على الساحل الأيسر، فهي تعرف بنينوى. يقال أن الأكاديين هم الذين أطلقوا عليها ذلك الاسم الذي يعني الخصب والتواصل.. أعتقد أن العرب قاموا بترجمة الكلمة.. فالخصب والتواصل هما الميزتان الكبيرتان لأرض الموصل. دخلها العرب المسلمون من تكريت.. وجاءت قبائل تغلب والنمر من جنوب الأنبار. توسعت في عهد الأمويين وعاد ‘ليها بريقها التاريخي القديم.. في العهد العباسي دارت فوقها حروب لا تمحى من الذاكرة. بعد ذلك عادت إلى السلام. انضمت إلى إمارة حلب في عهد أبي فراس الحمداني. وأصبحت أهم مصدر للغذاء إلى بغداد.. سيطر عليها السلاجقة الترك لفترة فعاشت نحو ثلث قرن تحت الخراب والخوف، رغم ذلك فقد شاركت في رد الصليبيين.. وفي عهد عماد الدين زنكي الأيوبي عاد النظام إليها وكذلك التجارة والزراعة والعلم. لكن المغول حين هجموا عليها من الشمال والشرق أذاقها كل أنواع العذاب والإذلال. دارت أبشع أنواع الحروب في ذلك العهد، كما لو أن ما يحدث الآن ما هو إلا نسخة كربونية عن تلك الحقبة السوداء. استباحها المغول فقتلوا أهاليها وشردوهم نحو الجبال والصحاري، ولم يسلم أزيديو سنجار من بطشهم.. بعد نحو قرنين من حكم المغول، ظهرت دولتان على أرض الموصل. عرفت الأولى بدولة الخروف الأسود، والأخرى بدولة الخروف الأبيض.. لم يفهم أحد من الأهالي في ذلك الزمن مثل هذه التسميات.. بدت لهم من نسج المغول حين اختلفوا قادتهم من الجيل الرابع في الحكم. ثمة من قال أن الخروف الأسود يمثل المغول الذين ينحدرون من منطقة جنوب الصين وأن دولة الخروف الأبيض هي التسمية التي اختارها التتار، وهم مغول منطقة الشمال.. وفي نهاية قصة تلك الدولتين، اتضح أن حرب الخروفين كانت بين الفرس والترك.. أو بين الشيعة الفرس سادة آل البيت (العمامة السوداء) والسنة الأتراك.. فما إن سيطر الصفويون الفرس على العراق، حتى انتهت قصة الخروفين اللذين ظلا يتناطحان على الأرض العراقية طويلا.. بل لازالا حتى الآن، إن تاريخ العراق الدموي هو تاريخ الموصل مكثفا ومخثرا بالدم. من الأشوريين إلى البعثيين ثم إلى ما بعدهم، عصر الملالي والباشوات والعقلات والقبعات.. حين تفقد بغداد قوتها وأبهتها تصبح ممزقة بين البصرة والموصل، وقد تكون بغداد أقيمت كعاصمة لحسم ذلك الصراع القديم والمتجدد، ولكنها حين أصبحت مجرد مربع أخضر للسياسيين المتآمرين والمتحاسدين والمتخاصمين باستمرار، عادت كل من البصرة والموصل إلى ذلك الخصام الدموي اللعين..
وللحقيقة لم افهم حكاية داعش، أو على وجه الدقة لم أبدأ في تهجي شيفرة داعش إلا بعد وصولي إلى الموصل بنحو ثلاثة أيام.. استوقفتني سيدة في إحدى المحلات التجارية وكانت غارقة في رداء أسود، لا يظهر منها إلا وجهها النحيف والأبيض، أدركت أنني لست من سكان الموصل من خلال لباسي (بطلون جينز، وجاكيته طويلة إلى ما تحت الردفين وحذاء رياضي ثم فولار زهري على رأسي) فتشجعت للكلام معي.. ابتعد باشكير الذي كان يرافقني مع الحارس، فسألتني:
– هل أنت سائحة؟
قلت لها:
– أنا صحفية.. جئت لأتعرف على مدينتكم..
قالت وهي تدعو لي بالتوفيق في مهمتي..
– هل ستطول إقامتك هنا؟
– ليس لدي أية فكرة..
قالت بشيء من الأسف..
يؤلمني أنني لا أستطيع استضافتك..
تملكني خجل من كلامها، فقلت لها وأنا أشكرها..
– لا بأس، لا بد أن الأمور ستتغير.. يا..
-أنا اسمي زينب.. طبيبة أطفال. ورسامة.. عيادتي هدمت ثم نقلت للعمل في إحدى المعسكرات البعيدة.. أما مرسمي فقد دمر وحرقوا جميع لوحاتي.. وعقابي هو أن أعمل كطبيبة في أحد المعسكرات بلا مقابل أربعة أيام في الأسبوع..
خلال حديثنا القصير، كانت زينب تنظر مذعورة في جميع الاتجاهات.. وحين رأت فرقة من شرطة النساء تركتني واختفت في الزحام.. بلا اعتذار..
*** *** ***
يشبه حاكم بغداد في كل العصور عازف الأكورديون. إن كان متمكنا من النوتة والسيطرة على جناحي تلك الآلة الموسيقية وقادرا على النفخ القوي لتوليد الأصوات والنغمات، فإنه سيكون قادرا على عزف سمفونية العراق.. وإن لم يكن متمكنا من ذلك، فإن الناس لن يحضروا إلى نشيد سمفوني قوي ومتماسك، وإنما سيستمعون إلى مناحات وأصوات حزينة ومتداخلة.. يعلق العازف هذه الآلة على صدره بحمالتين توضعان على الكتفين ثم يمسك الآلة من الجناحين اللذين يتحركان بوساطة منفاخ يدفعه العازف ويسحبه بيده اليسرى، وتحرك اليد اليمنى لوحة الأزرار اليمنى المخصصة للألحان الرئيسية فيما يستخدم يده اليسرى لتحريك لوحة أزرار الأصوات المنخفضة. وهنا يحدث الانسجام الصوتي.. هذه الآلة الموسيقية هي حديثة جدا بالمقارنة مع آلات أخرى. اخترعت قبل قرنين فقط، ولكنها لم تشتهر إلا أثناء الحرب الأولى، حتى لتبدو كما لو أنها اخترعت من أجل حاكم العراق الحديث. فهذا البلد يقع بين قوتين جامحتين هما إيران وتركيا.. وكانت أرضه منذ عهود طويلة ساحة حرب لكل غزاة العالم القادمين من الشرق أو من الغرب.. ولربما لم يؤسس العباسيون عاصمتهم بغداد في المنطقة الوسطى من هذه الأرض إلا لكونهم كانوا على وعي، بأن حاكم بغداد عليه أن يعزف بكلتا يديه نحو الجنوب ونحو الشمال لكي يحتفظ العراق بانسجامه. وطبقا لذلك فإن ما يحدث الآن في الموصل هو نتيجة خلل قام به حكام بغداد خلال عزفهم المختل.. ارتفعت الأصوات المنخفضة ثم انخفضت الأصوات الأساسية العالية.. فحين أصبحت البصرة ومعها الكوفة وكربلاء أكثر حضورا، راحت الموصل والفلوجة ومنطقة الأنبار تختفي أو تتهمش.. ولم ينتبه حكام بغداد إلى ذلك الخلل الهارموني، إلا حين خرجت الموصل عن سيطرتهم وبدا لهم أن لوحة الأصوات الرئيسية قد أًصبحت معطلة تماما.. وهكذا لن تجد بغداد انسجامها إلا إذا أعادت الانسجام بين البصرة والموصل.
كنت أفكر في تلك المعادلة الموسيقية التي يعزفها الأكورديون، التي لطالما استهوتني نغماتها حين كنت صغيرة وأنا أستمع إليها في بيت جدي، وكذلك أمام كنيسة – سان سيلفستر – المقامة في حينا وكذلك في المدرسة أثناء الاحتفال بقدوم العطلة المدرسية.. حين جاء باشكير آغا ليقول لي وهو على غاية من الانشراح..
– لقد تحدد موعد لقائك مع خليفة المسلمين أبو عمر العدناني..
أضاف قبل أن أسأله متى ذلك:
– سنبقى جاهزين.. لن نغادر البيت حتى يحين موعدنا.. سوف يرسلون من يحملنا إلى مكان الخليفة..
ناديت في الحين على سفيان وكذلك على حبيب لأخبرهما بأننا لا بد أن نكون جاهزين.. طلب حبيب أن نجلس معا لنعد محاور الأسئلة.. ونقسم العمل فيما بيننا.. وقبل أن نبدأ في إعداد محاور الأسئلة التي سنلقيها على أبو عمر العدناني، كان لا بدّ أن نلقي نظرات سريعة على القنوات التلفزيونية. كان الحدث الأكثر فاجعة في جميع نشرات الأخبار هو الانفجار الذي حدث بأنقرة بالقرب من ضريح كمال أتاتورك. لقد أودى بحياة جنود وضباط كثيرين.. ثم وزعت الاتهامات على الجانبين: حزب العمال الكردستاني P.K.K وداعش.. الفاجعة الثانية كانت انفجار في سوق خضار ببغداد فاق ضحاياه الـ150 شخصا.. وضعفهم من الجرحى.. أما الخبر الثالث، فهو المتعلق بالقصف الروسي لبعض قواعد وغرف عمليات النصرة وداعش في وسط وشمال سوريا وساحلها.. ما تبقى من الأخبار: أوردغان يتوعد حزب العمال، أوباما يغمز إلى اتفاق بوقف إطلاق النار مع بوتين.. والسعودية تكثف من غاراتها على منطقة مأرب والعاصمة صنعاء..
في الصالون، عاد حبيب وستيفاني ليلتقيا من أجل إعداد أسئلتهما. تناقشا فيما لو رفض أبو عمر العدناني أن يكون اللقاء مصورا.. ورأت ستيفاني، أنه لن يرفض ذلك لأنه كثيرا ما يظهر وهو يخطب في صلاة الجمعة أو في بعض المناسبات الدينية.. أما حبيب رودباري فرأى أن يجهز نفسه لأية مفاجأة لأنه من الممكن أن يستبدل أبو عمر العدناني ببديل له.. وقال مازحا:
– ضعي نفسك مكانه.. أنا مثلا لو كنت مكانه لأرسلت شخصا آخر ليجيب عن أسئلتنا..
– تقصد أن يرسل بديلا له.. شخص يشبهه ويتحدث مثله..
– ولنفترض ذلك! كيف سنعرف إن كان الذي سنلتقي معه هو ابو عمر العدناني الحقيقي أو بديل له..
فعلا، نحن ذاهبون إلى رجل لا نعرف عنه إلا النزر اليسير.. عاش ومات الملاّ عمر زعيم الطالبان، ولم يلتق بأي صحفي، حتى قيل أنه مجرد نسج خيال.. فالملا عمر ما هو إلا بن لادن آخر. كانت القاعدة توحي بأن هناك زعيما أفغانيا هو الملا عمر، ولكن ثمة من شكك في ذلك إلى حين اصطاده الطيران الأمريكي في إحدى وديان قندهار.. انتهى بن لادن ثم من بعده الملا عمر، لأن الأمريكيين لم يعودوا في حاجة إليهما.. واليوم تكثر الإشاعات بين الحين والآخر حول مقتل أبو عمر العدناني.. وقد يكون قتل فعلا في إحدى الغارات، ولكن داعش لا تريد أن تفصح عن ذلك حتى لا تنهار هيبتها.. أو لأن الأمريكان لا يريدون أو لا يملكون الدليل القاطع على مقتله.. صحيح انه ظهر في مناسبات عدة.. ولكن من يؤكد للناس أن ذلك الشخص الذي يقال أنه أبو عمر هو أبو عمر نفسه..
حسب باشكير آغا الذي عمل إلى جانبه كحارس شخصي لمدة نصف عام، ثم كلف بمهمات أخرى خارجية بين الموصل وإسطمبول، فإن أبو عمر قد أصبح أكثر حيطة من ذي قبل.. أي قبل نحو عام. فهو يتوقع اغتياله في أية لحظة ويستبدل حراسه في كل أسبوع أو أسبوعين. كما يستبدل أماكن نومه وعمله باستمرار ويضطر أحيانا إلى التخفي حتى في ألبسة رياضية أو رداءات نسائية. أما الأشخاص الذين يعرفون مكانه فهم بعدد أصابع اليد ولا يملكون أية وسائل اتصال فيما عدا جهاز صغير يربطهم بمركز الحراسة مباشرة..
سألت حبيب عن مرام التي رافقتنا من إسطمبول إلى الموصل، فقال بأنه لم يرها منذ ما قبل البارحة.. ثم أعرب عن شكوكه ما إذا كانت مرام تنام في نفس البيت الذي ينامان فيه وقال:
– أظن أن مرام تغادر البيت في الليل ثم تعود إليه في الصباح..
سألته باستغراب:
– كيف عرفت ذلك؟
حكى لها ما شاهده بأم عينه وهو جالس في الصالون بصدد قراءة رواية “لأليف شافاك”، قال:
– رأيتها مرتدية عباءة سوداء كانت تغطي حتى وجهها، ولكني عرفتها من مشيتها. جاءها رجل ومعه امرأة أخرى محجبة ثم اصطحباها معهما.. سمعت بعد ذلك محرك السيارة حين انطلق السائق بقوة..وقد طال جلوسي في الصالون حتى ساعة متأخرة من الليل، لكنها لم تعد.. سكت حبيب دون أن يضيف شيئا وتركني معلقة على أسئلة كثيرة.. آنذاك صدقت ما قاله لي مصعب الصراف بأن مرام حسن تعرف أبو عمر العدناني جيدا.. وقد تلقت تدريبات كثيرة، وهي كانت تشرف على كلية لتدريب البنات عن القتال.. وأنها قد تكون تعرفت على أبو عمر العدناني منذ أن كانت في الرقة! ولكن مصعب لم يقل لي ما إذا مرام تعرفت إلى أبو عمر ثم جاءت إلى أسطمبول. أو أنها جاءت من حلب إلى إسطمبول ثم وقع تجنيدها وإرسالها إلى أبي عمر في الموصل.. ثم عادت إلى إسطمبول لمهمات أخرى..
قلت لحبيب:
– كيف تقيم هذه السيدة؟
قال:
– حين تكون في إسطمبول تبدو لي كعازفة بيانو.. والآن تبدو لي كجاسوسة.. كماتا هارتي.. هل أنا مخطئ؟
ضحكت لما قاله حبيب وفي نفس الوقت تذكرت ما قاله لي مصعب بلسانه نقلا عن مرام، قال لي: أنت ستلتقين برجل جعل كل العالم يقف على ذيله كالكلب.. إنه لا ينام أبدا في المكان نفسه أو في المكان الذي يعيش فيه. كما أن طعامه يتم إعداده في عدة أماكن مختلفة وغير متصلة ببعضها بعضا.. وله العديد من متذوقي الأكل حتى لا يتم تسميمه.. وهو لا يخرج أبدا إلا إذا كان مرتديا بدلة مضادة للرصاص.. ويشترك مع الفنان محمد عبد الوهاب والملياردير “هوارد هوغ” وصدام حسين وستالين في هوس مرضي، يسمى “بهوس الصابون”. إنه يغسل يديه كلما صافح أحد الأشخاص إذ يخشى أن يقع تسميمه عن طريق نقل مواد مسممة عبر الأصابع.. كما حدث لكاسترو ذات مرة وكما وقع تسميم شافيز مؤخرا.. ولكي يكون جاهزا باستمرار في كثير من المناسبات، فإن لأبي عمر أشخاصا يشبهونه شبها غريبا يحلون محله.. وقلة من الحضور من يكون قادرا على التمييز بين الصحيح والمزيف (كان ستالين يفعل ذلك باستمرار.. وكان يكشف أعداءه وسط المكتب السياسي بتلك الطريقة.. فتمكن من إعدامهم جميعا فيما عدا اثنان هما: كروتشوف الذي حل محله ونكل به تنكيلا لأنه كان يلتزم الصمت وكان يعتقد أن الشخص الذي يرأس الاجتماعات هو ستالين حتى لو لم يكن ستالين. والشخص الثاني هو بيريا رئيس الكا.جي.بي الذي كان يعرف أيهما ستالين الحقيقي وأيهما المزيف)..
أقنعت نفسي أولا بأن ذلك ليس مهما.. فحتى لو تحدثنا إلى شبيه أبي عمر، فإن الناس لا يعرفون إن كان الحوار معه أو مع شبيهه.. ثم حاولت أن أقنع حبيب فقلت له:
– ما الذي يهم.. ولنفترض أننا سنتحدث مع شبيهه. المهم أن ما سوف يقوله، هو ما كان يجب أن يقوله أبو عمر العدناني الحقيقي.. لا تتعب نفسك بهذا الإشكال!.. نحن لم نأت لا لكي نغتاله ولا لكي نتأكد من شخصه وإنما لكي نحاوره..
قال حبيب:
– كمال أتاتورك كان له أيضا بدلاء. ولكن بعد فترة وحين صار محبوبا بين الناس تخلى عنهم.. وكان أحيانا يتخفى في لباس الشيوخ.. وحين تعرض بيته للهجوم، خرج في عباءة نسائية بعدما ألبس لطيفة خانم بدلة عسكرية وكاسكيت وأوقفها على الشباك خلف ستائر بيضاء شفافة فوق صندوق من البرتقال جلبه من المطعم، لتظهر طويلة وشبيهة له.. ولما أفلت من الذين جاءوا ليلقوا عليه القبض عاد ليداهمهم من الخلف بعد أن جلب لهم كتيبة مقاتلة من إحدى المعسكرات..
بعد ذلك روى لي ما كان يفعله صدام مع بدلائه. حين فرض الأطباء على صدام تمارين رياضية لتخفيض وزنه بسبب آلام حادة في ظهره. أرسل بدلاءه إلى الركض يوميا حتى ينخفض وزنهم. أما هو فقد فرض على نفسه حمية صارمة. بعد فترة اكتشف أن وزنه خف بنحو 12 كلغ فأصبح يبدو أكثر طولا وأكثر شبابا. أما بدلاؤه فقد ظل وزنهم كما هو بدون نقصان.. آنذاك طالب جميع وزرائه وضباطه بتخفيف أوزانهم وسمى ذلك بحقبة الترشيق! نيرون كان يحب أن يحضر الألعاب الأولمبية ويشارك في افتتاحها في سباق العربات، ولكنه ما إن يحضر، حتى يتمارض جميع الرياضيين، وتصبح جميع العربات غير مهيأة للسباق خوفا من أن يصل نيرون في المرتبة الثانية فيعدم من سبقه.. كان يركض لوحده ويفوز بميداليات اليوم الأول ثم يبدأ سباق الرياضيين!..
كنا أنا وحبيب نتسلى بتلك الحكايات التي صاحبت حياة دكتاتوريين وطغاة في كثير من بلدان الشرق والغرب.. وكان يمكن أن نتحدث عن تشاوسيسكو الذي لا يركب طائرة أو قطار إلا إذا كان معه رئيس السكريتاتا وقائد الجيوش ونصف دزينة من الوزراء. فهم ترسانته ورداءه الواقي من كل غدر أو انقلاب.. وتطول القائمة من هتلر إلى بن لادن.. لولا أن باشكير آغا لم يهجم علينا فجأة ليقول لنا:
– موعدكم بعد صلاة الظهر مباشرة.. هل أنتم جاهزون..
هاتفت سفيان بأن يخرج من غرفته ويتفقد كاميرته.. وبطارية الإضاءة..
لكن باشكير آغا سارع إلى مقاطعتي:
– لا داعي.. كل شيء جاهز هناك. هناك سيتم التصوير. ثم يسلمونكم نسخة على سي.دي
قلت لباشكير آغا:
– والأجوبة، هل هي جاهزة أيضا..
ضحك ثم قال:
– الأجوبة حسب أسئلتكم يا ستيفاني.. لا أحد يتكلم في مكان خليفة المسلمين.. حتى نائبه أبو بشر القحطاني لا يستطيع أن يتكلم بالنيابة عنه..
ولأنني لأول مرة أسمع بهذا الاسم “أبو بشر القحطاني” كنائب للخليفة أبو عمر، فقد انتابني شعور بأن مرحلة استبدال الأحذية لمواصلة المسير قد تبدأ قريبا.. وربما لم يكن لقاؤنا هذا مع أبو عمر العدناني إلا لقاء الوداع أو لقاء الانتقال.. ارتسمت في ذهني علامات مضيئة ومثقلة بالأسئلة.. ثم قلت لنفسي: بعد اللقاء قد أخرج من الاستفسارات المزركشة إلى الحقائق البذيئة..
بسرعة قفزنا إلى ثلاث سيارات “رونج روفر” سوداء، رباعية الدفع. كل واحد منا في سيارة.. ثم سارت كل سيارة في طريق مختلفة.. لنجد أنفسنا في الوقت نفسه أمام بوابة ضخمة ومحصنة تحصينا جيدا بالمدفعية والحراسات وأكياس الرمل.
*** *** ***
رفعت الحواجز بسرعة، فدخلت السيارات الثلاث إلى سرداب طويل، ثم انفتح باب عريض وثقيل جدا في آخر السرداب.. واصلت السيارات إلى سرداب آخر.. أحسست أننا صرنا بمستوى أربع أو خمسة طوابق تحت الأرض.. بعد ذلك تركنا السيارات وتمشينا نحو درج لننزل ما بين 40 و60 درجا لنجد أنفسنا في النهاية أمام قاعة فسيحة ومضاءة بشكل قوي وجيد.. سلم علينا أكثر من شخص، أدركنا أنهم فريق التصوير والإخراج.. قادنا رجل في الثلاثين من عمره قدم نفسه على أساس أنه المخرج “مايكل”، وكان واضحا من شكله أنه أوروبي، إلى حيث سنجلس أنا وحبيب لإجراء المقابلة. طلب منا أن نجلس لترتيب الديكور. ثم أضاف:
– أنتما ستجلسان قبالة الخليفة.. وثمة خمسة كاميراوات ستتولى تصويركم..
بعدها تكلم مع المصورين لضبط الكادر. ثم نادى على أحد مساعديه ليتولى تجهيزنا بالميكروفونات..
وفي أقل من خمس دقائق على تجهيزنا وتثبيتنا على الكراسي، خيم صمت عميق، ثم سمعنا جلبة خلف القاعة.. أدركنا أن الخليفة قد وصل، قمنا لنسلم عليه.. كنت مصرة على أن أمد إليه يدي حتى لو ظلت معلقة.. وهكذا فعلت حين أصبح خليفة المسلمين أبو عمر العدناني أمامنا، فالتقط يدي وظل ماسكا بها وهو يبتسم متوجها إلى الكاميرا.. بعدها سلم على حبيب ببشاشة، وظل ينتظرنا حتى نجلس لكي يجلس هو..
وكان لا بد أن ابدأ بسؤال يحمل شحنة عاطفية لكي نتسلل إلى أعماق الرجل.. كان أستاذي في كلية الصحافة والاتصال “ريجس دوبريه” (نعم وهو صديق غيفارا لا غيره) ينصحنا دائما بإشاعة دفق عاطفي في البداية تجاه محاورك لكي تكسب وده.. وسيكون من الأفضل لو طرحت عليه في نهاية اللقاء أسئلة صغيرة حول حياته الشخصية لكي ترسم له صورة لا تمحى لدى القارئ أو المشاهد.. وطبعا لن أنسى دائما تلك النصيحة التي سمعتها من أحد الجنرالات وأنا أسأله: كيف يمكن لشخص خجول أن يتغلب على خجله أمام رئيس أو ملك أو قايد أو جنرال ؟.. قال لي الجنرال بادنتر: بسيطة.. عليك أن تتخيلي أنه يذهب إلى التواليت ويجلس ككل الناس لكي يدفع بالقاذورات ككل الناس..
كان سؤالي الأول للخليفة بعد الترحيب:
– لم نتوقع أبدا حسب ما قرأناه وشاهدناه وسمعناه عنكم وعن داعش، أنكم على هذا النحو من البشاشة والأريحية والتسامح.. إن الناس سيتساءلون بعد أن يشاهدوا هذا اللقاء ما إذا كانت هذه البشاشة حقيقية أم ربما هي ضرورة لتسويق صورة جميلة عنكم!..
ابتسم أبو عمر ثم مرر يده على لحيته بهدوء وهو يستعيذ من الشيطان، طالبا من الله التوفيق.. ثم راح يتكلم:
– الناس يعرفون عنا الصورة التي يريد أعداؤنا إشاعتها.. سيظل الناس ضحايا ما لم يسعوا بأنفسهم إلى الحقيقة.. إن الطريق إلى الحقيقة لا بد أن يمر بالعدالة.. لا حقيقة بلا عدالة وكذلك لا عدالة بلا حقيقة. ها أنا أمامكم. ماذا ترون أمامكم؟ هل أنا إنسان أم شيطان؟.. وعلى العموم حين يكون المرء قويا ومؤمنا لا يعود في حاجة أن يتوسل العدالة من الظالمين.. لن يتزعزع حلمنا لأننا نراه قريبا، ولا يقيننا الراسخ، لأنه يقين الرب القدوس.. وأنا أقول دائما للمجاهدين والفدائيين، كل التحام بيننا هو التحام مع الله.. لذلك فإن الجن وكثير من الإنس قد اجتمعت علينا وضدنا ولم تقدر على زعزعتنا.. إن صعاليك الأمريكان لم يعودوا يرهبوننا، فكيف للأوغاد الآخرين أن يتجرأوا على محاربتنا. قلنا لهم: هذه أرضنا. وهذا ديننا ونحن أحرار أن نقيم دولة الحقيقة والعدالة الإسلامية فوقها..
صمت الخليفة أبو عمر وحدق في حبيب بعينين حادتين متوقعا مصدر السؤال التالي، فبدأ حبيب بإسداء التشكرات إلى الخليفة على استقبالنا وإتاحة فرصة اللقاء معه ثم قال:
– إن مساحة دولتكم تمتد من نهر الفرات حتى نهر دجلة.. وهي تسيطر على ثروات عظيمة ومساحات شاسعة. لكن أغلب المراقبين لا يتوقعون لها الحياة.. إنهم يقولون عنها: شطحة من شطحات الصحراء العربية، ويصفونها بدولة السكاكين والأحزمة الناسفة أو بدولة الدراويش الجدد. وأحيانا يذهبون بعيدا فيقولون أنها دولة العصابات العابرة للقارات.. ولا شك أن هذا يزعجكم ويجعلكم عاجزين عن الدفاع عن مبادئكم.. ما رأيكم في ذلك؟
أصغى أبو عمر بكل انتباه إلى سؤال حبيب. كانت الجدية تبدو في أسنانه المصطفة إصطفافا جيدا. فابتسامته لا تدل على الأريحية، بل هي مجرد انفراجة بين شفتيه.. وأظن أنه بحث عن لهجة.. أو عن إيقاع لكلامه بعيدا عن أي مزاح..
– اصغوا جيدا يا أصدقائي، إذا كان الناس كلهم ضدك، فإنه من الصعب أن تجعلهم معك فورا.. أنا أدرك تماما أن هناك من يسخر منا ويتندر بنا، ولكن الجميع يهابنا ويحسب لنا ألف حساب، ويحاول أن يتفاوض معنا.. إذا كنا نحن مجرد عصابة، فلماذا كل هذه التحالفات الدولية وكل هذا الهرج والمرج الذي يبدأ من مقاعد الأمم المتحدة إلى غرف نوم الزعماء والرؤساء.. وإذا كنا نحن دولة السكاكين والأحزمة الناسفة، فلماذا تتمتع الموصل بالكهرباء التي لا تتمتع بها بغداد.. وإذا كنا نحن دراويش جدد، فكيف لنا أن ندير دولة مساحتها أكبر من دولة بريطانيا العظمى!.. صمت أبو عمر ساحبا نفسا من الأوكسجين ثم عاد يقول على إيقاع منخفض..
– انظر يا سيد حبيب. نحن ظاهرة استثنائية لأننا لا نشبه، لا من يحاول تقييمنا ولا من يحاول محاربتنا.. نحن ظاهرة لا يمكن إدراكها عن طريق المقارنة أو الاختلاف. لسنا جماعة إخوانية ولا نحن حشاشون جدد، ولسنا حزبا مثل الأحزاب. وإنما نحن شعب يريد أن ينهض على قواعد الله ورسوله.. هذه البلاد، أرض العراق والشام والتي تسمى داعش الآن، هي أرض التأسيس الإسلامي الأول، الطهوري، العارم بالمحبة والعدالة والمنفتح على الخير.. ليس بإمكاني اختزال نظام الاستثناء على عالم السياسة وحدها، ولكني أقول أن انبهاري بالعلوم والرياضيات لا يجعلني رجلا زاهدا أو درويشا.. لقد جربت أن أتمتع بالجمال كشكل هندسي، حين كنت شابا، ولكنني أنا الآن على قناعة تامة أن الجمال كله كمعنى وشكل ومحتوى ليس له من اسم سوى اسم الله الحي القدوس..
أقول لكم اليوم، وصلت فكرتنا إلى كل بلاد العرب، وأصبح لنا موالون وأنصار ومجاهدون.. والحقيقة أنه لأول مرة منذ ألف عام ينفتح العالم العربي على هذه الفكرة الجامعة والمانعة.. إنها فكرة إعادة بناء الدولة الإسلامية.. ظلت الجماعات الإسلامية المتحزبة لمدة قرن، منذ سقوط الخلافة العثمانية، وهي تحلم بوضع هذه الفكرة على الواقع لكنها لم تقدر لأنها اختارت طريق المساومة والارتهان وأسلوب الملائمة والتوافق.. ثمة شيء جوهري لم يدركه هؤلاء هو: ما أسميته بنظرية بناء الذات، القائمة على نوع من الأصالة الخالصة والتجربة والمغامرة والاستثناء.. فأنا أبو عمر العدناني، لو أردت أن أكون مثل هؤلاء لقمت بخيانة ذاتي وخيانة الذات الإلهية!..
كنت قد اتفقت مع حبيب أن يترك لي الأسئلة الأكثر إحراجا فلعل الشيخ أبو عمر يكون أكثر أريحية حينما تأتي الأسئلة من امرأة، لكنني رأيت حبيب قد دخل منذ سؤاله الأول في منطقة الإحراج.. لذلك صغت سؤالي كالتالي:
– شيخ عمر.. رفعتم شعار: داعش تتمدد. ولكن بعد فترة بدا كما لو أنكم اكتفيتم بمنطقة النهرين.. لم تتمددوا لا نحو دمشق ولا نحو بغداد ولا حتى نحو الجنوب.. هل هذه هي حدود دولتكم إلى وقت آخر.. لا بل أن هناك من يراها لم تعد تتمدد، بل هي تتقلص.
– هنا ربما سأجيبك بطريقة فلسفية.. ثمة فرق بين الوجود والفكرة.. إنهما مترابطان، ولكنهما متعارضان.. نحن الآن ربما في الحد الأدنى من الوجود البطولي.. ولكن فكرتنا أوسع من وجودنا.. وهنا تأتي التوترات والتعارضات وحتى الانقسامات والاختلافات.. لدينا شيء لا يقبل الانحلال أبدا.. ما نصبو إليه هو ما يصبو إليه مئات الملايين.. لا بد للزمن أن يكون جسرا بين وجودنا وبين فكرتنا.. كنا قبل عام على أبواب بغداد وكان بالإمكان الدخول إليها، ولكن تقديرنا كان يقول: أن حجم الخسائر والفضاعات سيكون كبيرا لدى أهلنا..
قلت لهم:
أتركوها.. ستسقط كثمرة ناضجة.. وبالنسبة لدمشق، كان تقديرنا أنها ستسقط بمجرد أن تسقط حلب، لكن حلب لاتزال على غيها.. لا فائدة من الهجوم على دمشق.. يجب خنقها في الشمال من جهة حلب وفي الشرق من جهة دور الزور، وبعدها سترى كيف يتناثر نظام دمشق. استطعنا أن نقطع طريق الدعم الفارسي الذي يأتي عبر بغداد إلى دير الزور. وهذا كان حاجة إستراتيجية لقطع الطريق أمام ما يعرف بالهلال الشيعي.. فعلا ما كنا نحسب أن موسكو ستتدخل بتلك القوة. قد يكون الروس قد قطعوا علينا الطريق نحو دمشق، ولكن ذلك الأمر لا يعدو أن يكون مؤقتا..
– وماذا عن تركيا.. إنها تبدو صديقة لكم.. كل شيء يمرّ عبر تركيا: المتطوعون والسلع والتموين والسلاح وتجارة البترول.. ما تقوله الصحافة، أنه لولا تركيا لما استمرت داعش ثلاثة أسابيع، بالكاد ستجد الوقت لكي تنسحب بلا خسائر.. آخرون يقولون أن داعش موجودة في جيب الغونكور التركي.. هل هذا التوصيف صحيح يا شيخ عمر؟
ذلك السؤال طرحه رجل تركي.. صحفي تركي لا غيره. هذا يدركه جيدا الشيخ عمر، لذلك استنتج في الحين أن الأتراك ليسوا متفقين في نظرتهم إلى داعش أو نظرتهم إلى سياسة أوردغان.. ثم أجاب:
– تركيا دولة قد تكون صديقة.. ولكن كل دولة مضطرة أن تلائم بين تعارضات مصالحها.. نعم إننا نبيع البترول إلى الخارج.. ولكن من قال أننا نبيعه إلى الدولة التركية!.. ثم ماذا تفعل بالبترول إذا لم نبعه.. هل نحرقه وشعبنا يحتاج إلى الأكل والتطبب والملبس؟ هل ثمة دولة واحدة لا تبيع بترولها.. ثم هناك مبالغات كثيرة حول ما يأتي من متطوعة وسلاح عبر تركيا.. نعم هناك متطوعة عرب ومسلمون من أنحاء العالم، ولكن أغلب مجاهدينا وفادئيينا هم من أبنائنا.. أبناء العراق وسوريا.. وفيما يتعلق بالسلاح، فأنا على استعداد لكي أبيع لمن يريد السلاح. لدينا فائض من السلاح.. نحن لا نحتاج إلى دبابات أو منظومات صواريخ.. حربنا حرب غير تقليدية.. ولا حاجة لنا بأي سلاح من شأنه أن يصبح عبئا علينا.. لقد استولينا في معركة الفالوجة والموصل على ما يكفي لتسليح ثلاثة جيوش متوسطة.. ماذا يفعل السلاح إذا لم يكن هناك من يقاتل به؟
خرقنا الشيخ أبو عمر بنظرة حادة حين فرغ من الإجابة ففهمت أنه يأمرني بسؤال آخر فقلت:
– ثمة من يقول أيضا أنهكم “وهابيون جدد” بأسماء أخرى. أي أنكم “صناعة سعودية – قطرية – تركية” مشتركة.. قاطعني الشيخ أبو عمر قائلا:
– نحن لسنا مصنع سيارات.. ولا نحن سيارة تصنع قطعها في أماكن كثيرة ثم يجري تجميعها في مكان آخر.. لو كنا هكذا لما انتهينا منذ فترة.. ولكن هل تعتقدين يا أختنا الكريمة أنه من الممكن أن نعيش مقطوعين عن العالم حتى لو كنا بضعة أشخاص. نحن مشروع كبير.. كبير جدا لم يكتمل بعد.. لا أحد بقادر على احتوائنا.. نحن دولة ناشئة وهناك دول نتعاون معها.. ثمة دول أخرى تفاوضنا وتتعاون معنا تحت الطاولة وفي الخفاء.. وثمة دول تخاف منا فتتقرب إلينا.. لدينا بالطبع أصدقاء.. وهؤلاء الأصدقاء مختلفون في حجم التعاون.. ثم هم مختلفون في تقدير مشروعنا.. هناك من يرى تعارضا بين مشروعنا ومشروعهم. وهناك من يتوقع حتى الصدام في المستقبل.. في عالم السياسة لا شيء نهائي. ومن يعتقد أننا رهينة لدى البعض أو صنيعة البعض الآخر، فهو مخطئ.. أبو عمر العدناني قد يموت الليلة أو في الليلة التي تليها، ولكن هناك ملايين يؤمنون بما يؤمن به أبو عمر..
– وإسرائيل يا شيخ عمر.. علاقتكم بإسرائيل مشوشة وغير واضحة.. وكثير من المتعاطفين معكم يؤاخذونكم فيما ما يمكن أن يسمى بهذه العلاقة المشبوهة.. كيف لدولة إسلامية تطالب بالعدالة والتحرير من الطغاة أن تتعاون مع كيان صهيوني مثل إسرائيل.. هل هو تحالف الضرورة، أم هو تحالف الإيمان: دولة إسلامية مع دولة يهودية؟ (كنت أنقل إليه ما يفكر فيه أغلب الناس).
عبر الشيخ عمر عن تجهمه لهذا السؤال، من خلال تعقيد بسيط لحاجبيه.. عرفت أنه متجهم وعابس وليس متعجبا فقط من خلال لهجته الحادة.
– إذا كان بلدي محتلا، فهل علي أن أذهب لتحرير بلد آخر؟ في الماضي أعتقد الإخوان المسلمون أن تحرير القدس يمر عبر أفغانستان. حتى الفلسطينيون ذهبوا إلى أفغانستان لأنه كان محتلا من السوفيات.. هل علينا أن نترك العراق لإيران ونذهب لتحرير القدس كما تقول الدعاية الفارسية.. قد يأتي يوم تتعارض فيه المصالح والمساحات ولكن الأولويات اليوم تفرض علينا أن نحمي دولتنا الإسلامية إلى حين يشتد عودها ويتصلب.. بيننا وبين إسرائيل ما يمكن أن نسميه بالمرحلة الخرساء.. لا بد أن تتضح الأمور وسيعرف العالم أننا لا نتعاون مع إسرائيل لا بأكثر ولا بأقل مما يتعاون معها الآخرون .. لا بل أصارحك القول: إذا كانت إسرائيل لها علاقات مع بعض أصدقائنا، فلا يعني ذلك أن لدينا سلاح أو مدربين أو ضباط إسرائيليين..
– ولكن لديكم علاقات تجارية ومدنية.. يقال أن معظم الأدوية تأتي من هناك.. وأن بعض كوادركم يعالجون هناك؟..
– نحن لا نعرف إلى أين يذهب النفط الذي نبيعه.. حتى النفط الإيراني يصل إلى إسرائيل ولكن عبر شركات أخرى. كذلك الأدوية. فهي تأتينا عبر شركات أغلبها عربية وتركية واذربيجانية وحتى فرنسية. أما ضباطنا الذين ذهبوا إلى العلاج هناك، فنحن لا نعلم بذلك.. قيل عني أنني زرت إسرائيل مرارا وتكرارا.. فهل علينا أن نصدق كل ما يقال.. نعم ذهبت إلى “أربيل” للعلاج قبل نحو نصف سنة، ولكني لا أصدق أن من كان يعالجني هم من الإسرائيليين، إلا إذا كان الإسرائيليون أصبحوا يتكلمون بالكردي؟
صمت قليلا ثم عاد ليقول:
– ما جدوى النقاش في أمور لا ترتكز على الجزم.. إنهم يقولون كل شيء دون تفكير أو دراية.. هذا استغباء للبشر.. يعتقدون أنفسهم كما لو أنهم منقذون للقدس.. مسألة القدس لاتزال جذابة عند هؤلاء. ولكني أتحداهم أن يكونوا صادقين. إسرائيل موجودة مع أمريكا في بغداد. وعلاقتنا بأمريكا ليست أفضل من علاقات بغداد أو طهران بإسرائيل وأمريكا.. سوف يتمزق رداء القدس قريبا ويظهر مرشدهم مع مرجعهم عاريين!..
ونظر إلى حبيب لأعطيه فرصة طرح سؤال كان على قدر كبير من الحساسية.. فمهد إليه جيدا ثم أطلقه في الأخير كرصاصة طائشة. قال:
– شيخنا الجليل.. أنت قائد وخليفة الدولة الإسلامية. تعرف جيدا أن تاريخ الدولة الإسلامية كان مليئا بالتسامح والتعدد.. ومهما قرأنا من نكوصات وارتدادات عنيفة. فإن الأقليات غير المسلمة قد عاشت في سلام داخل الدولة الإسلامية.. كانت الدولة العباسية رحبة ومتعددة ومتسامحة، بل ثمة من وصفها مؤخرا بأول الدول العلمانية.. كذلك كانت دولة الإسلام في الأندلس. ورغم جبروت الدولة العثمانية، إلا أنها احتوت التعدد والتسامح.. كل هذا أقوله لكي أسألكم: ماذا فعلتم باليزيديين؟ هل ضاقت دولتكم بهذه الديانة القديمة!..
سدد الشيخ عمر نظراته بعيدا ثم رفعهما نحو السقف، بعدها انطلق في إجابته:
– الايزيديين هم موجودون في قراهم وبيوتهم. شخصيا أحد حراسي من الايزيديين.. ستتفاجأون أكثر لو قلت لكم أن السيدة مرام الحرة التي رافقتكم من اسطمبول إلى هنا، هي من الطائفة الايزيدية.. إنها من بعشيقة ثم انتقلت مع عائلتها إلى حلب. والايزيديون يتكلمون في عمومهم اللغة الكرمانجية، إحدى لغات الكرد، وثمة منهم من يعتبرون أنفسهم عرب. ديانتهم غير تبشيرية، قريبة من الإسلام أو هي إسلامية منحرفة. موحدون لكنهم يعبدون الشمس. وعموما فهي خليط بين الإسلام والزرادنشية والمانوية.. وهذا لا يزعج الدولة الإسلامية في شيء. أما أن يستخدمهم الفرس لإثارة البلبلة وتشويه دولتنا، فذلك لسنا مسؤولين عنه. لقد تعرض الايزديون عبر تاريخهم إلى أكثر من 70 حملة إبادة شنت ضدهم من الفرس وغيرهم.. وقد أرادوا أن ينسوا كل تلك الإبادات ويلصقوا بدولتنا عارا لم نرتكبه أبدا.. إذا هرب الايزديون إلى الوديان والجبال، فلأن الآخرين يريدون استخدامهم لتشويه الدولة الإسلامية. اذهبوا إلى سنجار في طريق العودة، وسترون الايزيديين يعيشون في سلام.. أقول لكم بكل صراحة أن الفرس هم من صنع مأساة اليزيديين منذ زمن بعيد. منذ أن أرسلوا رجلا يدعي يزيد بن أبي أنيسة من فارس إلى البصرة زاعما أن الله سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا يتكون من جملة واحدة ينسخ بها الشريعة الإسلامية (أعوذ بالله).
بعدما أكمل الشيخ استعاذته، رأيت أن سؤال الشحنة العاطفية قد حان وقته لأن اللقاء قد أوشك على نهايته.. قلت للشيخ عمر:
– هل لديك أبناء يا أبا عمر..
– نعم ثلاثة أبناء وبنت.. ولدي زوجة واحدة.. إنكم لا تصدقون ذلك..
ضحكت فضحك حبيب ثم شاع جو من الضحك حتى طال المصورين والحراس..
*** *** ***
قال لي حبيب ونحن نهم بركوب سيارة الرونج التي وجدناها في مكان آخر غير الذي نزلنا فيه للعودة إلى البيت، وقد بدأ الغروب يقترب ليلامس مدينة البصرة.
– لقد أنجزنا سكوبا صحفيا نادرا جدا، لا يضاهيه إلا سكوب سلمان أوغلو مع كمال أتاتورك حين كان لايزال في فيلا تشنكايا بأزمير، وهو يتصيد لحظة القفز إلى السلطة لتدمير ما تبقى من الهيكل العثماني..
(قلت لنفسي: تبا لكمال أتاتورك.. الأتراك يستحضرون أتاتورك حتى حين يذهبون إلى الحمام.. حتى حين ينامون مع زوجاتهم.. كمال أتاتورك لايزال يقبض على أرواحهم ويشاركهم حتى في تحبيل نسائهم).. ثم قلت لحبيب حين وصلنا للبيت وجلسنا لوحدنا في الصالون..
– نعم.. إنه سكوب عظيم.. سبق صحفي ستكون له تداعيات خطيرة!..
في الحقيقة كنت راضية عن نفسي وفي الوقت ذاته غاضبة.. فغالبا ما ننتبه إلى بعض التفاصيل حين يفوت الأوان.. ثم نكتشف بعض الثغرات.. بعد ذلك نبدأ في تبخيس العمل الذي قمنا به لأنه كان من الممكن أن يكون أفضل.. وكان من الممكن أن نسأل أكثر لكي نستفيد أكثر.. إن مسألة الإشباع بالنسبة للصحفي عويصة جدا.. القليل جدا من الصحفيين من يشعر بالإشباع أو بالرضا التام. فحالما ينتهي من عمله حتى يقول لنفسه: كان يمكن أن يكون أفضل لو تباطأت أكثر أو أسرعت أكثر هناك أو بحثت أكثر هنالك.. وهذا ما حدث معي طوال تلك الليلة.. فقد وجدت نفسي كما لو أنني قمت بمهمة ناقصة أو بعمل فيه كثير من التواطؤ.. ورغم أن لا أحد فرض علينا الأسئلة.. ولا أحد طلب منا أن نقدم أسئلتنا مكتوبة كما يفعل بعض السياسيين، ولا أحد أشعرنا بضيق الوقت.. إلا أنني، على الأقل من ناحيتي، فإن كثيرا من الأسئلة كان علي أن ألقيها ولم أفعل.. هل نسيت؟ هل كنت أتحاشى غضب أبو عمر؟ هل كنت تحت أشعة الانبهار؟ هل أكون قد تواطأت مع انبهاري وإعجابي بنفسي وأنا أجلس أمام أخطر رجل في العالم.. ثمة أسئلة أكثر إثارة لم أتعرض لها مثل ذبح الأجانب، وحرق الأسرى وسبى النساء واستخدام الأطفال في عمليات الانتحار وتجنيد المراهقين وتناول حبوب الهلوسة، وتحطيم الآثار.. أو مثل علاقات تنظيم داعش بالأردن وبقطر وبالداعشات الأخرى الموجودة في ليبيا وسيناء.. أو مثل أفلام الدعاية المرعبة ذات الحبكة الهوليودية التي تبثها داعش عبر الأنترنت.. كذلك عن أسلوب الحكم والخلافة في الدول الإسلامية وكذلك عما يسمونه بالديمقراطية التشاورية أو عن الخلافات والصراعات الداخلية بين الولاة والأمراء والقضاة.. وحتى بين القبائل والجنسيات. فأبناء القبائل العربية الكبرى منقسمون، والأنصار القادمون من الخارج مختلفون والأمراء والقضاة متصارعون.. كل ذلك لم نتعرض له في لقائنا مع الشيخ أبو عمر العدناني..
جاء سفيان وانظم إلينا في الصالون، خرج من بيته معكر المزاج، بل كان غاضبا لأنه لم يتمكن من تصوير اللقاء. وحتى من حضور اللقاء. قال لنا أنه وضع في غرفة ليجد نفسه مع ثلاثة من الحراس أشبعوه شايا وأسئلة ونظرات.. قال أيضا أن أحد التونسيين كان من بين الحراس الثلاثة، قدم لي نفسه بكنية (أبو هدى المدائني) من منطقة الساحل، لكنه لم يكن مستعدا أبدا أن يتحدث معي في أي شيء عن تونس، كما أنني لم أتجرأ على دفعه إلى الحديث عن تونس.. قلت لسفيان وأنا أحاول أن أخفف من غضبه:
– سوف نطلع على الحوار حين يصلنا غدا من ديوان الخليفة..
تساءل سفيان:
– هل احتفظوا بالحوار؟ ثم أضاف مستغربا..
– يمكن أن يحتفظوا به إلى الأبد..
– ماذا تقصد؟
– كأن يتخلوا عن بثه.. أو يرسلوه مباشرة إلى اسطمبول.. أو يقع بثه عبر وسائلهم الخاصة على اليوتوب..
هذا الذي لم أفكر فيه أبدا، طرحه أمامنا سفيان دفعة واحدة إلى حد أثار خوفي وغضبي.. إلى حد سمعت رأسي يتصدع كمن يفقص بيضة.. وقلت لسفيان بلهجة متوترة:
– ستوب.. ستوب.. لماذا كل هذا التشاؤم.. ألأنك لم تقم بتصوير المقابلة؟
تدخل حبيب بهدوء حين رآني متوترة:
– ستيفاني.. غدا صباحا، سنعرف كل شيء.. لا أعتقد أنهم سيبثون اللقاء على اليوتوب.. لماذا نطرح احتمالات بشعة في مثل هذا الوقت!..
آنذاك رأيت أن أصعد إلى غرفتي وأبحث عن حبة منوم لكي أقاوم طرد الأشباح والهلوسات التي رأيتها تقترب مني.. لم أتمكن من مراودة النوم إلا عند الفجر حين بدأت المآذن تنادي على المصلين.. كان صوت المؤذن لجامع أبي ذر الغفاري الذي يجانب إقامتنا بعدة أمتار يكاد يخترق جدران الغرفة، حتى حسبت في لحظة ما أن ستائر الغرفة كانت تتراقص من صدى صوته.. وحين قمت لأقبض على الستائر، وجدت أن الواجهة البلورية كانت غير محكمة الغلق، وكانت نسائم الفجر تعبث بها.. أغلقت الواجهة جيدا ثم عدت إلى الفراش.. آنذاك أوشكت أن أنسى كل شيء، بعدما توصلت إلى فكرة مفادها أن يكون هذا الحوار طريقة لتأجيج الصراعات بين أبي عمر وبين أركان دولته.. أو أن يكون قد أرسلونا إلى هنا لكي نسرع في حسم الصراع الدائر بين الخليفة أبو عمر ونائبيه أبو بشر القحطاني وأبو يحي القرشي وكذلك بوالي الرقة أبو نصر الأموي.. بعد نحو أربع ساعات من النوم، تخلصت من أفكاري الحزينة ثم اندفعت إلى الحمام لأنزع كل ما تبقى من بودرة على وجهي الذي بدا لي أكثر نظارة رغم تلك الليلة التعيسة بسبب تخمينات ملعونة.. هكذا في الليل تكبر أكبر التخمينات لتصبح كوابيس وأشباح.. ولو أن ما طرحه سفيان كفرضية، قد طرحها في النهار، لما فكر أحد في أرجحيتها. أما وقد قالها في الليل.. في ساعة متأخرة من الليل، فقد أصبحت قريبة جدا من الحقيقة من فرط ثقلها حتى لنكاد نشعر أنها مصيبة قد وقعت على رؤوسنا!..
بعد أن أحضرت قهوة مع بعض الكعك من المطبخ، سحبت من حقيبتي بعض المجلات التي تتحدث عن الخلافات والصراعات داخل تنظيم الدولة الإسلامية.. كنت قد قرأت الكثير عنها في صحف فرنسية وانكليزية واحتفظت ببعض القصاصات لمراجعتها عند كتابتي للروبرتاج عن زيارتي للموصل.. تيقنت أن أبو عمر العدناني هو الذي أسس جيش المجاهدين في العراق بعد الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003. وكانت له كنية ثانية هي أبو مريم الأنباري. وقد انظم إلى تنظيم الإخوان في البداية ثم ذهب إلى أفغانستان ثم عاد من هناك بفكر راديكالي يتمحور حول تكوين دولة تشبه دولة الطالبان. خرج عن الإخوان وراح يهاجمهم ويتهمهم بالتواطؤ والعمى الفكري. كان يعيش متخفيا عن عيون نظام صدام حسين، لكن الأمريكان كانوا يعرفون هذا الرجل منذ أن كان في أفغانستان ثم كانوا يعرفون أنه موجود في العراق منهمكا في بناء تنظيمه الخاص (وربما على هذا الأساس كان بوش يتهم صدام حسين بالتعاون مع تنظيم القاعدة).. دخل من إيران إلى العراق واختفى إلى أن ظهر مع “الصحوات”، اعتبر أن “الصحوات” مؤامرة أمريكية للقضاء على المقاومة وإدخال العراق في حرب أهلية على أساس مذهبي، فبدأ يكتسب شعبية متزايدة في أوساط المقاومة والأيمة السنة. في ذلك الوقت كان مصعب الزرقاوي قد نال استحقاق النجومية في مقاومة الغزو الأمريكي ثم نال استحقاق الشهادة، فأفضيت الساحة لأبي مريم الأنباري الذي غير اسمه إلى أبي عمر العدناني.. كثرت الاتهامات صوبه فقيل أنه مغرور ومعقد ومعتد برأيه ومنقاد إلى الدم وممتلئ بالغيرة ومتقلب المزاج والفتاوي.. ثم قيل أنه من ضباط المخابرات العراقية في عهد صدام. وأنه خرج من السجن بعد اتفاق مع الأمريكان لضرب “قواعد الزرقاوي”. تعاون الرجلان في البداية وقال ذات مرة أبو عمر “أن الزرقاوي هدية أنزلها الله من السماء لشعب العراق”. ثم ما لبث أن اختلفا حول مسائل كثيرة حول من يجب تكفيره من الشيعة ومن النظام.. هل يجب تكفير كل الشيعة أم سادتهم وعلمائهم فقط.. وهل يجب تكفير كل النظام أم شرطته وجيشه فقط؟ وحين مات الزرقاوي بلغ الخصام شده بين الزرقاويين والعدنانيين ولم يستطع أيمن الظواهري أن يصلحه. وجاء إعلان دولة العراق الإسلامية ليحول ذلك الخصام إلى صراع دموي بين أنصارهما.. مات في ذلك الصراع اثنان من رجال أبو عمر العدناني، كانا أكثر راديكالية منه وهما أبو حمزة وأبو عبيدة، فأتهم أبي عمر بقتلهما لكي يتخلص من الرجال الذين يزاحمونه على القيادة.. وحين انتشرت الحرب في سوريا، رأى أبو عمر أن يمد علاقات مع جبهة النصرة، فأرسل صديقه وقد عرف في البداية تحت كنية “أبو أوس” إلى سوريا للسيطرة على تنظيم النصرة عن طريق التوحيد، أو عن طريق التسلل والتغلغل داخل التنظيم من أجل التخلص من كل الذين لا يبايعونه ويبايعون تنظيم الدولة.. وهكذا بعد فترة قصيرة تم الإعلان عن دولة العراق والشام الإسلامية.. وهي ليست إلا تركيبا إيديولوجيا بين أفكار القاعدة القديمة والقاعدة الجديدة واندماجا بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق التي يتبناها جيش المجاهدين والدولة الإسلامية في سوريا التي تتبناها جبهة النصرة..
حين أكملت قراءة ما جاء في “الغارديان”، وجدت أن هناك تضاربا في المعلومات والأسماء والتواريخ.. ولكني خرجت بقناعة هي: أن داعش مليء بالدسائس والزعماء والتدخلات، وأن أبو عمر العدناني قد لا يكون إلا خليفة مؤقتا إلى أن يحين موعد رحيله..
نزلت من غرفتي نحو الصالون، فإذا بي أجد باشكير آغا في انتظارنا، أنا وحبيب.. بعد لحظات جاء حبيب وعندها سحب باشكير من حقيبة صغيرة يحملها تحت إبطه، حزمتين صغيرتين من الكتيبات والمنشورات وبداخل كل حزمة قرص مدمج ثم ناول كل منا حزمة قائلا:
– لقد أتيت لكل منكما بنسخة من لقاء الخليفة أبو عمر.. ثم أضاف:
– النسخة الأصلية سيتم إرسالها مباشرة إلى اسطمبول. لقد طلبها كل من الشيخ مصعب الصراف والشيخ رشدي العطار بإلحاح..

 

 

للحصول على الرواية في بيروت الاتصال بمكتبة بيسان :
الحمراء – شارع المهاتما غاندي
مقابل المركز الثقافي البريطاني
ص.ب: 5261-13، بيروت – لبنان

00961-1-351291:تلفكس
00961-3-653073:خليوي
info@bissan-bookshop.com
وللحصول على الرواية في تونس الاتصال  بدار النشر سوتيميديا للنشر والتوزيع
85 شارع بالفي -تونس صندوق بريد 570 تونس حشاد
الهاتف 31400756
97126757
البريد الالكتروني: contact@sotumedias