محمد خشان: ذكرياتي عن ترشيحا

Tarshiha 1
ترشيحا Tarshiha

ها أنا أعود إلى ذكريات جاوزت ثلاثة أرباع القرن وهي تشعرني أحياناً أنني ولدت قبل نوح ولننطلق من الكوربا أي مدخل قرية سحماتا متجهين غرباً إلى ترشيحا، لن أعدد أسماء الأراضي وكروم الزيتون التي نمر بها ولكن لا بأس بذكر زيتون العرب وزيتون السوس والدبش والقواطيع من جهة الشمال وكروم زيتون عند مدخل القرية تليها خلة القسيس وزيتون بوليا والجزيرة ومنها إلى الجسر وإلى يمينه وادي الخرب وإلى شماله أرض سهلية هي امتداد لمرج سحماتا ثم نذهب صعداً كما كنت أذهب في كل مرة وبعد طلعة قوية تصل إلى رأس العقبة وقد تكون الفاصلة بين أرض سحماتا وأرض ترشيحا بعد رأس العقبة وإلى يسارك ليس بعيداً عن الشارع الرئيسي وتحت تلة حفر الإنكليز نفقاً بشكل زاوية قائمة من الداخل سمعت أنه أعدّ لتوضع فيه الذخيرة والعتاد أثناء الحرب العالمية الثانية وهناك نفق آخر في آخر أرض القرية من الجهة الشمالية ها نحن نتجاوز رأس العقبة وبعدها بقليل هناك طريق فرعي إسمه طريق التين نذهب فيه سيراً على الاقدام وقد يحلو لك السير على الشارع الرئيسي ماراً بمرج صلحا فتصل إلى مدخل ترشيحا الرئيسي إلى يمينك بركة ماء متسعة وإلى يسارك على مرتفع في أوائل البلدة مقهى له صورة في ذاكرتي وفي هذا المقهى كان لقاء في رمضان بين الشيخ أحمد المصري واحد اعيان ترشيحا، والمسؤول عن تسعير التبغ للمزارعين وهو موظف في شركة ديك- سلطي- قرمان. والتي تحتكر شراء وتسعير التبغ هذه وحدها تحتاج إلى أكثر من مقال. كان بلغ الشيخ أحمد المصري أن سليم مصطفى يجاهر بالإفطار في رمضان وهو شيخ ذو مهابة وسطوة خاصة أثناء ثورة 1936 فجاء من عكا ومن وراء الوجيه ضربه بالعصا على رأسه وهدده بالقتل قائلاً إذا أردت الإفطار فافعل ذلك في بيتك لا على مرأى من الناس. وبهذه المناسبة فأنا صليت في أواسط الأربعينات خلف هذا الإمام وقد زار سحماتا وقد رأى أن الناس عندما يبدأون بالصلاة يقولون بسم الله الرحمن الرحيم ويشددون على بسم الله فتظهر كالبسبسة وكأن كل واحد يريد أن يزايد على الآخر كما هي عادتنا في كثير من المناسبات فاحتج على هذا الأسلوب ووجه الناس كيف يصلون، ثم سأله أحدهم مسألة لم أسمعها لأنني كنت كطفل متأخراً عن الرجال ولكني سمعت السائل يقول وإلّا بقر الدير بزرع الدير أي أن فعلته لا مؤاخذة ولا إثم عليها لم أسمع رد الشيخ ولكني سمعت ضحكاً عالياً من الحضور.
كنت أفضّل ان آخذ طريق التين فهي أقرب وأونس وإن كنت سلكت أكثر من مرة الشارع الرئيسي وفي إحداها رأيت مجموعة من فتيان وفتيات اليهود يجلسون على المنحدر المقابل لمرج صلحا. لنعد إلى طريق التين ومنه تصل إلى أول احياء البلدة وهو المعروف بحارة الشقفان وكان والدي يرسلني وأنا في الحادية عشرة إلى حارة الشقفان يعطيني جلوداً للماعز يكون قد عالجها وأصبحت جاهزة لتصنع منها أحذية خفيفة ومريحة وتناسب الفلاحة نسيت إسم صانع الأحذية هذا. ومعرفتي بترشيحا قديمة قد أكون في السنة الأولى أو الثانية من عمري ولو كنت فوق ذلك ما فلتت من ذاكرتي أقول أخذتني والدتي إلى الطبيب أنور الشقيري وله عيادة في ترشيحا يأتي بعض أيام الأسبوع يعالج المرضى في ترشيحا والجوار وهو ابن مفتي عكا أسعد الشقيري وقد رأيت أسعد الشقيري في قريتنا سحماتا بمناسبة صلحة إثر حادثة قتل وهو مفتي الفيلق الرابع الذي كان يقوده جمال باشا المعروف بالسفاح وهو قائد الجيش التركي الذي تقدم لمناجزة الجيش الإنكليزي عند قناة السويس وهي المعروفة حينها بالترعة وكنت وأنا صغير أسمع عن حرب الأتراك والإنكليز عند الترعة وكان جمال باشا يتجول في القدس بسيارته الحمراء والناس تتحاشى رؤيته خوفاً من بطشه.
أعود وأقول ان الطبيب أنور الشقيري والذي عالجني وروت لي والدتي أنه ظهر إلتهاب في فمي وأعطاها مرهماً ثمنه قرشان. هذا الطبيب الذي كان يعالج الثوار في الجبال في ثورة 1936 أردي قتيلاً واتهم الثوار بقتله وأظن أن يد اليهود والانكليز ليست بعيدة عن هذه الجريمة وقد تكون نفذت بأيدي عربية وسمعت أن والده قال في تأبينه اللهم أحمدك ولا أشكرك لأنك القائل “لئن شكرتم لأزيدنكم”. كما أني أعرف أخويه المحامي اللامع أحمد الشقيري والذي أصبح رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية وقد زارنا ونحن في مدرسة مبرة الملك سعود في بيروت بإدارة أبو ماهر اليماني وتجول بيننا يسألنا عن قرانا وأهلنا وقد قال هذه ليست مدرسة هذه كلية حربية. كما انني أعرف الأخ الثالث وهو عفو بيك الشقيري كان موظفاً في الأونسكو وقد زرته مع خالي حسين بلشة في بيته في منطقة البرج وأهالي عكا كما عرفت الكثيرين منهم يرونه مترفعاً.
والمرة الثانية مررت فيها بترشيحا متجهاً إلى عكا مع والدتي لزيارة والدي في سجن عكا في ثورة 1936.

محمد خشان الادب العربي اليوم 77
محمد خشان

وفي السابعة من عمري دخلت الصف الإبتدائي الأول سنة 1941-1942 وإنني أذكر بتقدير واحترام وإعجاب أستاذي شوكت دلال لإخلاصه وأناقته وتفانيه وأنا أشاهد التلفاز وأرى ساسة وفنانين ولكن لا يقع أحدهم في نفسي موقع الأستاذشوكت دلال بمعطفه الأسود وحذائه الأسود اللمّاع وطربوشه الأنيق ونظافته هو من هذا النوع الذي يمكن أن تسميه نظيفاً ومع أنه أكبر من والدي عمراً بكثير إلا أنني لم أجد صعوبة أو عائقاً في تعليم الشيوخ كبار السن للأطفال الصغار بل كان أرأف وأحزم وأخلص من كثيرين ممن أعرفهم. إلى جانب شوكت دلال هناك الأستاذ الشاب وخريج المدرسة الأحمدية في عكا خالد القاضي من ترشيحا وهو لا يقل عن الأستاذ شوكت أناقة وإخلاصاً وهو الذي ودّعنا عند نهاية السنة في الصف الإبتدائي الثاني وبكى فبكيت ووصلت البيت ودموعي على وجهي فظنت والدتي أنني تشاجرت مع أحد الأولاد ولكن عندما أخبرتها أخذت تطيب خاطري ما هي إلا مدة وجيزة وتعود إلى المدرسة. أنا الآن أرى خبراء ومربين يجيدون الكلام أكثر من الإعلاميين يناقشون علاقة التلميذ بالمدرسة والمدرسة بالتلميذ ويقترحون حلولا لخوف الطلاب من المدرسة ويستمر النقاش ويستمر الخوف والهروب أما نحن فكنا نبكي لأن المدرسة إنتهت. تزوج الأستاذ خالد القاضي قبل النكبة بسنتين تقريباً وأنا أعرف البيت الذي سكنه وعروسه، أنا لا أنسى أنني كنت مرة في ترشيحا وعائداً إلى سحماتا وعند رأس العقبة وهي آخر أراضي سحماتا مسافة حوالي كيلومترين سمعت صوت الأستاذ خالد القاضي وهو يقول راس روس والتلاميذ يرددون وراءه أنا سمعت صوت الأستاذ واضحاً اكثر من صوت التلاميذ، كانت والدتي مارة بالقرب من المدرسة ورأته ينزل القصاص بالتلاميذ في درس التاريخ وأخذ يتذمر ويشرح لوالدتي كسل التلاميذ وإهمالهم. وقد استمر في التدريس في سحماتا حتى إغلاق المدارس أثناء حرب 1948 وها انا اكتشف ان أستاذي المخلص والأنيق خالد القاضي أبو أنور لم يكن يدّخر مالاً فافتتح عيادة لمعالجة المرضى خاصة الذين يصابون بالرمد الربيعي حيث تحمر العيون وتنهمر الدموع مع ألم يستمر بضعة ايام، أخذت بيد جدي إلى عيادة أبي أنور وفي العودة مررنا بالقرب من المقبرة فقال هل تقرأ القرآن لستك (جدتك) قلت: لا قال: كل يوم جمعة تأتي وتقرأ قرآن لستك وتأخذ عشرة قروش فينالك أجر وأجرة.
أعود وأقول كانت النكبة وعرفت أن أستاذي خالد القاضي كان نصيبه بل اقتاده من اشرفوا على توزيع اللاجئين إلى كمب النيرب في حلب.وأنا تلميذه القي بي في بعلبك في اقصى الشرق من لبنان.
هكذا إذاً من ترشيحا على الحدود اللبنانية مباشرة يلقون به إلى آخر الدنيا إلى حدود تركيا كنت أسأل عنه وعرفت أنه توفاه الله في بلاد الغربة رحمك الله يا ابا انور وجزاك عن إخلاصك وتفانيك جنات النعيم وانت الذي كنت تعلمنا مادة التربية الدينية وقد حفظنا غيباً حتى جزء تبارك مع شرح كثير من السور كما كانت صلاة الجمعة واجبة علينا بتشجيع من أستاذنا نستعد لها بأثواب نظيفة وإذا امتلأ المسجد كنا نحن الصغار نصلي على السدة وهي أضيفت إلى المسجد في ثورة 1936.
في إحدى المرات كنت ذاهباً إلى ترشيحا ومعي قطعة قصيرة لا تتعدى الشبر من قضيب حديد كنا نذهب إلى الحدادين المعروفين بالخرسان فيجوّفون هذه القطعة ونحن نربط مسماراً بخيط ونعلقه بها نضع في هذا التجويف طعم من أعواد الكبريت ثم ندخل المسمار والذي يكاد يكون باستدارة الثقب ونضرب هذه القطعة من جهة المسمار بالجدار فيخرج صوت كصوت المسدس، شاهدت امامي في رأس العقبة ولدين في مثل سني كنت أرقبهما قبل أن أصل إليهما معهما دابة وكيس ملقى على الأرض الواحد لا يستطيع أن يرفع الكيس وإن تعاونا على رفعه ما أن تحس الحمارة بالكيس حتى تتحرك إلى الأمام بشطارة وهما يعيدان التجربة، وصلت وسلمت وسألت فقالا: إن الدابة جفلت لأنها رأت أفعى تعترض الطريق وهذه الأفاعي لا يطيب لها الإستراحة إلا عرض الشارع حاجز مخيف! سألت الولدين أين ذهبت الحية قالوا تحت ذلك الحجر والطريق إلى يمين القادم من سحماتا ترتفع عن الشارع أخذت عصا صغيرة وبقي مع الولدين عصا وقلت لهما أنا سأحاول اخراجها من تحت الحجر فإذا نزلت نحوكم عاجلوها بالضرب صعدت وأمسكت بالحجر من حيث المقدمة وشددته فإذا هو يرتفع بسهولة وإذا الأفعى تحته وقد استدارت كإكليل أسود وسقط قليل من التراب الذي حول الحجر عليها عاجلتها بالضرب على رأسها فوالله لا أدري كيف قتلتها هذا ضرب الخائف!، ألقيت بها من فوق أخذها الولدان بعد أن نزلت وأمسك احدهما الدابة ورفعنا كيس البرغل عليها قد يكون فيه حوالي مديّن من البرغل ربطا الأفعى من ذنبها بخيط بذنب الحمارة تجرها ورائها. سرت معهما إلى مفرق طريق التين تابعا طريقهما عبر الشارع الرئيسي وأنا تابعت طريقي إلى ترشيحا عبر طريق التين الكروم حيث الطريق اشجارها صغيرة ولم تعجبني بل أثارت استغرابي طريقة حرث الكروم فالأتلام عريضة وغير منسقة كأنها حراثة فلاح غشيم أو شغل سخرة ولا اذكر ثمراً على التين قد يكون ذلك في آخر الموسم نظرت فإذا إمرأة قريبة مني تسير الهوينا وكأنها لا تسير بين اشجار التين إمرأة سوداء نحيلة مكشرة مكشوفة الرأس ترتدي فستاناً قصيراً يصل إلى الركبة أو بعدها بقليل وهواميل الى الأخضر وقد مدت بوزها أو زقمها كهؤلاء الذين يملأون الشوارع يدخنون الأرجيلة أو النارجيلة كما يحلو لك. لا أدري ما الذي أتى بها إلى أرض قفراء وكتل التراب بعد الحراثة كبيرة قد تتعثر بها تأملتها ولم أر حذائها أو كندرتها فقد تكون حجبتها كتل التراب الأبيض لو كنت مشرّعاً أو قاضياً لشرّعت وقضيت وأفتيت بأن تضع هذه المرأةعلى رأسها حجاباً وعلى وجهها نقاباً وأن يلقى عليها جلباب فوق جلباب ظلمات بعضها فوق بعض، ما هكذا تكون النساء! عودي إلى بيتك يا امرأة. وقد يشكرني على فتواي هذه دعاة الفضيلة الواقفون في وجه الإنحلال والرذيلة الذين يحفون أو يحلقون شواربهم ويستطيلون لحاهم وثيابهم وإن من يدقق يرى أن نظرتهم إلى المرأة لا تختلف عن نظرة من يقفون وراء عارضات الأزياء وملكات الجمال وإن أصبح لكل فاكهة ملكة جمال، والجميلات هؤلاء ليس شرطاً أن يكنّ محظوظات وسعيدات دقق النظر فقد تلمح رجلاً وراء السرب يدفعهن ليكنّ في الوقت المناسب والمكان المناسب والأمور تحسب بجزء من الثانية. أعود وأقول أن نظرة من يختارون ملكات الجمال وعارضات الازياء وبطلات الافلام لا تختلف في الجوهر عن نظرة الفقهاء العقلاء كلاهما يرى أن المرأة مخلوق جميل وثمين، فالفضلاء يرون إخفاء هذا الجمال وستره كمن عنده كنز فلا يعرضه في الطريق ومعدو الملكات والعارضات يرون كذلك ان المرأة شيئ جميل وثمين ولأنه كذلك يجب أن يطّلع الناس على جمالها وما وهبها الله من محاسن فلماذا تخفيها وهي هبة من الله وعبر التاريخ وجدت الفئتان ولا تزالان وستبقيان.
أعود وأقول ان على هذه المرأة أن تحمد الله وتشكره لأن الأمريكان لم يروها ولو رأوها لنقلت سراً إلى قواعدهم ولأخذوا عينات من دمها وجلدها وشعرها وتركوا لمختبراتهم المتقدمة أن تعمل ليل نهار ليعرفوا سر هذا المخلوق العجيب ولدارت ماكينة إعلامهم تصدّع رؤوس الدنيا أن أمريكا وجدت مخلوقاً من كواكب أخرى وقد لا يكون من مجرّتنا(مجرة باب التبانة).
وإن كان فيها مليارات النجوم والكواكب قد يكون هذا المخلوق من مجرات أبعد بكثير وهذا ما سيكشفه البحث الأمريكي والذي سيبقى غامضاً لأن سرّاً كهذا لا يذاع ولا يباع وقد يصنعون تمثالاً من الشمع يشبه هذا المخلوق العجيب في صدر المتحف، والأميركان من هواة التحف القديمة وهم يلهثون وراء صنع تاريخ وأسطورة لهم، فأينما وجدوا تنكة قديمة أو خشبة عتيقة جلبوها إلى متحفهم وعلّقوا عليها بيانات ضافيات تشرح ملايين السنين الضوئية التي مرت عليها من الزمن الجليدي إلى الزمن البركاني إلى الزمن الفلاني حتى استوت على هذه الصورة. والاميركان حريصون جداً على هذه التحف هم يضعون لها الحراس بلباس مدنية خوفاً أن يندس اللصوص بين الناس ويؤمنون عليها بمبالغ طائلة خوفا من أن تسرق او تغرق مما يجعل شركات التأمين ترسل هي أيضاً حراساً وعيوناً ولله في خلقه شؤون. وأنت تجد في متاحفهم دليلا أو دليلة جميلة تكرر عبارات لا يمكنك اللحاق بها وهي وإن تكن تتكلم الأمريكية كما يقولون فقد تكون من أصل أسباني او يوناني ولا تزال لكنة لغتها عالقة في بلعومها أو زلعومها فإن فهمت كلمة فاتتك كلمات ويمكنك ان تسأل الدليل هكذا أفضل لأن العادة جرت في السنوات الاخيرة أن تخاطب المرأة بدون تاء التأنيث فتكتب إلى مديرة المدرسة مثلاً حضرة المدير المحترم أو المدير المحترمة وقد فتشت عن أصول لذلك في اللغة فوجدت إشارات ولمحات تحتاج إلى بحث مستفيض كي لا يقع القارئ في التباس. أمريكا أمة فتية وهي مستعجلة أن يكون لها تاريخ قديم والتاريخ لا يصنع بالاستعجال تريد أن تجمع بين قوة الشباب وحكمة الشيوخ ولكنه ليس سهلاً أن تجمع الماء والنار في إناء واحد.
وهناك زيارة بل مهمة بعثني فيها والدي قائلاً إذهب إلى حارة النصارى في ترشيحا وسمى لي النجار الذي صنع لنا أبواب البيت الجديد كان ذلك سنة 1942 ذهبت عن طريق التين المعروفة ثم جاوزت حارة الشقفان لا أذكر أنني سألت أحداً بل اتبعت وصف والدي وإلى شمال القادم من طريق التين تكون حارة النصارى وهي على مرتفع وتربتها بيضاء شاهدت رجلاً فأسرعت وسألته عن النجار فإذا هو النجار نفسه وأخبرته أن والدي أرسلني يستعجلك في صنع الأبواب فأعطاني موعداً قريباً وبعدها جاء الرجل وركّب الأبواب باب كبير قطعة واحدة تستطيع الدابة المحملة ان تدخل منه إلى الإسطبل وإلى جانبه وفي نفس الجهة الغربية باب من ذرفتين باب متسع وعال وبعده أيضاً ومن الناحية الغربية شباك يكاد يكون بسعة باب ولأن البناء من هذه الجهة( كلّين) أي كأن الجدار جدارين عرضه أكثر من نصف متر وكنت أجلس على هذا الشباك وأنا مرتاح، ومن الناحية الشمالية شباك آخر يرتفع قليلاً عن مستوى سطح التبان الملاصق للبيت. وهكذا أصبح لنا بيتاً جميلاً من الحجر الأصم وأبواب وشبابيك من اللون البني الفاتح أو أقرب للون العسلي هكذا نسيت إسم النجار في حارة النصارى وإسم صانع الأحذية في حارة الشقفان إذا قرأ من يعرفهم هذا المقال فسيعرفون عمّن أتحدّث . بارك الله فيهم وفي ترشيحا.
ومن ضمن زياراتي الكثيرة لترشيحا زيارة قمت بها مع مجموعة من طلاب المدرسة كان ذلك سنة 1944م وقد نقلنا أدوات المنجرة والمحددة والتي كانت موجودة في سحماتا لتعليم التلاميذ مهنتي الحدادة والنجارة وقد حال دون ذلك أن حكومة الإنتداب لم ترسل مدربين وأظن أن صغر سن التلاميذ حال دون ذلك فحتى ذلك الوقت كان الصف الأعلى هو الإبتدائي الرابع.نقلنا الأدوات وهي كثيرة أذكرمنها كور الحداد وأخشاب طويلة وأدوات كثيرة نقلت على الدواب بمرافقة الأستاذ أحمد سعيد أظنه من قرية الطيبة وأنا لا أحفظ لهذا الأستاذ أي تقدم أواهتمام سوى طلبه مني كل يوم تقريبا أن أخرج وأنا في الصف الإبتدائي الأول واحكي قصة سنمار والنعمان. بقيت هناك المدرسة الزراعية ومساحتها حوالي 12 دنما وفيها غرفة للدجاج تعرف (ببيت الجاج) ولكن في أيامي لم يكن هناك دجاج والغرفة لا أبواب ولا شبابيك لها فقد خربت ولكن بقي هناك تربيةالحمام بمستطيلات خشبية على طول حائط المدرسة وفيها فتحات دائرية كما سلمت صناديق النحل الذي كنا نقطف عسله كل عام.لا أريد ان أستطيل في الحديث عن المدرسة الزراعية فهي وحدها تحتاج لمقال طويل.ولكني ذكرتها بمناسبةالمحددة والمنجرة واثناء سوقنا للدواب محملة بالادوات لاحظت ان احد الحمير بليد مع أن صحته جيدةوقلت للأستاذ أحمد سعيد هذا الحمار دمه بارد فمازحني ضاحكا هذا دمه مثل دمك.
كما علي أن أذكر السيد سليم مصطفى والمنتدب من قبل شركة ديك-سلطي-قرمان لتخمين أي تحديد سعر التبغ عند كل مزارع كان التبغ وهو يحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة بالإضافة إلى مرارته أقول كان التبغ يوضب في بالات مكعبة ومتقنه فيشير سليم مصطفى إلى بعض البالات ويطلب من المزارع فتحها فيراها وقد يتذوق تبغها ويحدد سعرها حسب الأقة والأقة نصف رطل والرطل إثنان كيلو ونصف أقول كان السعر في حدود اثني عشر إلى ستة عشر قرشا للأقة والتبغ الذي يرى سليم مصطفى أنه لا تتوفر يه مواصفات التبغ الجيد كان هذا التبغ ينقل إلى حاكوره واسعه في وسط القرية هي حاكورة دار الحج محمد قدورة وهناك يحرق ويتعالى دخانه إلى عنان السماء.كثيرون هم الذين كانوا يشترون التبغ ويفرمونه بواسطة آلة بسيطة تسمى الهاون ثم يهرب في الغالب إلى جهات يافا والقرى لاتعدم النبهاء ومن لاتفوت عليهم مزاجية تسعير التبغ ومنهم أبوفارس جميل عبدالله بلشة تذوق ابو سليم سيجارة من تبغ هذا الرجل وأعطاه سعرا عاديا وعندما ناقشه أبو فارس قال: تبغك لا يستأهل اكثر من هذا فهومتوسط الجودة فتناول ابو فارس علبة تبغ من جيبه وقال له: تفضل شوف هذا النوع من التبغ فقال أبو سليم هذا دخان!تعبيرا عمن إعجابه واستحسانه لهذا النوع فقال ابوفارس: إن هذا التبغ هو من الذي أعطيته سعرا متدنيا أنتقل من التبغ إلى زيارة قمت بها بعد ذلك بسنة أي سنة 1945/1946م الدراسية وفيها انتقل الأستاذ أحمد سعيد ليحل مكانه الأستاذ خليل الديماسي من عكا وكان هذا الأستاذ قد علم في القرية في أوائل العشرينيات علم جيل والدي وكان يحب التمثيل وقد قدمت المدرسة في أيامه في عشرينات القرن العشرين مسرحية لايزال الناس يذكرونها حتى اليوم وقد كتبت عنها في المذكرات. أعود وأقول في هذا العام اشتركت مدرستنا في مهرجان عكا الرياضي وكان اختيار التلاميذ يتم عن طريق إقامة مسابقات بينهم في العدو وغيره من الألعاب وقد كان من نصيبي ثلاثة ألعاب 200 م عدوا ولعبة الثلاثة أرجل مع زميلي خالد سعيد موسى وفي لعبة المواصلات أو التبادل كما تسمى الآن.
كان علينا أن نشتري ملابس بيضاء جديدة وحيث أن هذه البدلات لاتوجد في سحماتا فقد أرسلني والدي مع السيد جميل الحاج قدورة ابوالسعيد وكان ذاهبا إلى ترشيحا ذهبت برفقته وصلنا ترشيحا حيث السوق الطرق والساحات مرصوفة بحجارة سوداء كالتي رأيتها في بيروت دكاكين كثيرة دخلنا دكانا واشتريت منه بدلة وانا لاأذكر إذا كنت عدت مع ابو سعيد أو عدت وحدي وارجح أنني عدت وحدي.
هكذا كل ما تحتاجه من حداد ففي ترشيحا ومن نجار ففي ترشيحا وأخيراً كما سبق وذكرت في الثلاثينات عالجني الدكتور أنور الشقيري في ترشيحا هي ليست قرية بالمعنى المفهوم بل هي مدينة بما فيها من مرافق شركة بوسطات وسيارات وشباب يتخرجون من الجامعة الأميركية في بيروت وعدد سكان أكثر من عدة قرى كما اني رأيت وكيل القائم مقام اثناء تنظيف بركة سحماتا والمعروف بقيصر أفندي سمعت أنه جاء من ترشيحا إذا أضفت إلى ذلك المظهر الحضاري في المسكن والملبس.
في كل مرة كنت أذهب فيها إلى عكا كنت امر بترشيحا يليها مركز للبوليس عن شمال الذاهب إلى عكا ثم كروم زيتون تليها قرية معليا عن اليمين وبعدها قلعة جدين عن الشمال وهي تقع في منطقة حرجية وإن كان اليهود حوّلوا ما حول القلعة إلى أرض منبسطة حمراء تكشف القادم باتجاه القلعة. اشتركت سنتين في مهرجان عكا الرياضي فزت بسباق 200 متر بالدرجة الثالثة وفي سباق الثلاثة أرجل مع زميلي خالد سعيد موسى بالدرجة الثانية وفاز زميلي خالد يوسف قدورة بالدرجة الأولى في لعبة الاكياس.وفي هذه السنة الأخيرة في أيار 1947 إستغل اليهود انشغال البوليس في تهيئة عكا للمهرجان فوضعوا متفجرة في جدار السجن أحدثت كوّة خرج منها السجناء اليهود ينزلون منها إلى سقف السوق ومن سقف السوق هناك سيارات تنتظرهم يقفزون إليها وتطير بهم.
أقول إبتدأت الحرب مع بداية المدارس 1947 وتُرك الناس لمصيرهم لم يقدم أحد سلاحاً أو معونةً أو تدريباً هكذا كانت المؤامرة محكمة، فلّاحون أناس بسطاء طيبون يخضعون للإنتداب الإنكليزي ثلاثين عاماً عملت بريطانيا وهي دولة عظمى على إفقار الناس وبثّت بينهم الدسائس والخلافات بين قحطان وعدنان ومدني وفلاح وقتلت كثيراً من المرموقين وألحقت تهمة قتلهم بالثوّار، وكان الذي يسن القوانين في القدس إنكليزي يهودي إلى جانبه موظف عربي من كبار القانونيين فإن حاول العربي الإحتجاج على قانون أو سنّ قانون ينصف الناس أعاد عليه النائب العام اليهودي البند الثاني من صك الإنتداب والذي يقول: إن الدولة المنتدبة مسؤولة عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية وإقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي.

Tarshiha 3
أعود وأقول تدبّر الناس أمرهم واشتروا سلاحاً منه السيئ الذي يقتل صاحبه وسعر البارودة بين 25 و27 جنيهاً والبارودة الكندية (إم ذنين) كما كانت تسمى بمئة وعشر جنيهات ويرأس المسلحين في كل قرية شاب لديه خبرة وفي الغالب كان عسكرياً عند الإنكليز هكذا كان في قرية شعب حامية يرأسها أبو إسعاف وفي سحماتا حامية يرأسها طالب مرة وفي ترشيحا حامية يرأسها محمد كمال وقد حضر محمد كمال إلى سحماتا حوالي غروب الشمس وكان لقاء مع رجال القرية في ساحة المدرسة التحتا في وسط القرية وهو شاب طويل بائن الطول يلبس بدلة كاكي ويحمل رشاشاً صغيراً من النوع الذي كنا نسميه استنكن أو توميكن لا أدري ما دار بينه وبين الناس لأنني جئت حين كان محمد كمال خارجاً من الإجتماع. كما لا يفوتني أن أذكر أنه وقبل الحرب بسنوات قليلة حضرت سيارة شحن إلى الرحبة وسط القرية وكنا عندما تأتي سيارة كبيرة أو صغيرة نتجمع حولها ونأتي بقش أو عود رفيع ةنضعه في البلف الذي في الدولاب فينطلق منه هواء قوي ونحن نستمتع بذلك أعود وأقول جاءت شاحنة ولا أدري إن كان سائقها هو صاحبها ولكنه من ترشيحا رفع الغطاء عن مقدمة الشاحنة ليصلح شيئاً فيها وحوله عشرات الأولاد يتفرجون قد يكون في يده وعاء فيه بنزين فاشتعل فألقى به من يده فاحترق عدد من الأولاد وحيث البركة ملاصقة للرحبة فقد ألقى الأولاد بأنفسهم في البركة، وأسرع الناس لإخراجهم مات أحدهم وهو من آل القادري من عائلة سلمون هو إبن الشيخ مصطفى عبد القادر سلمون والذي كان يتقدم الناس في الجنازة وهو شيخ الطريقة القادرية في بلدنا وهو وقور ومحترم. تشوه بعض الأولاد ولا يزال أحدهم حياً وقد تشوه وجهه، أقول بعد دفن الميت ولم تتقدمه النوبة بأعلامها وأدواتها كما جرت العادة عند موت أحد من آل سلمون. ورفض الشيخ مصطفى أن ياخذ دية إبنه ولا نزال وفي الغالب محافظين على هذه العادة النبيلة فمن يأخذ ديّة كمن باع إبنه وكان لوالد السائق ولعله صاحب الشاحنة إبنة خطبها إبن عمها فرفض أبو البنت أن يزوج إبنته من إبن أخيه وتدخّل كثير من الاعيان والأفندية والوجهاء ولكن والد العروس بقي على موقفه فأخذ أخوه يضايقه لا أدري إن كان هو الذي اضطر أن يترك ترشيحا لمدة ثم جاء من يقول لأبي العريس هناك باب لم تطرقه بعد هناك الشيخ مصطفى عبد القادر لما لا يكون هو الوجاهة وهكذا كان وذهب الشيخ مصطفى إلى بيت آل العروس قال صاحب البيت تفضل يا شيخ ولكن الشيخ بقي واقفاً عند الباب وفتح فمه قائلاً أنا سامحتك وقبل أن يكمل قال الرجل: طلبك مجاب يا شيخ نجح الشيخ مصطفى في ما فشل فيه البكوات والأفندية سقى الله تلك الأيام.
أعود وأقول لم أر غير محمد كمال يزور القرية للتنسيق بين المقاتلين وتركت كل قرية تتدبّر نفسها بنفسها، والذي رأيته وخلال عام في الصراع مع اليهود أن لا أحد يمتلك من الذخيرة أكثر من جنادين هما ذخيرة المقاتل وما فيهما من رصاص لا يكفي لقتال يوم واحد ثم تصبح البندقية بلا فائدة هكذا تركنا لمصيرنا في مواجهة عدو عدد جنوده أكثر من عدد جنود الدول العربية مجتمعة وبما يملك من أسلحة طائرات ودبابات ومدفعية وجنود إشتركوا في الحرب العالمية الثانية عدة متفوقة ومؤامرة محكمة يحوكها الغرب منذ أجيال فكانت النكبة لأجد نفسي وقد حمّلت مع أهلي وآلاف الناس مثلي وألقي بنا في بعلبك، أنا الذي قريتي تبعد عن لبنان حوالي خمس كيلومترات أرمى في أقصى الشرق من لبنان وأستاذي خالد القاضي من ترشيحا يلقى به في أقصى شمال سوريا في كمب النيرب وأرض ترشيحا تلامس الأراضي اللبنانية هي نكبة وتشريد وإبعاد مخطط له. إفتتحت الأنروا مدارس إبتدائية ومن الذين علّموا في مدرسة القسطل في غورو ممن تعيهم الذاكرة الأستاذ بدر الدين الجشي رحمه الله وعلي الجشي من ترشيحا والأستاذ مراد والأستاذ إبراهيم العكي بن أحمد العكي وأخو الأستاذ فايز العكي مدير مدرسة الأنروا قرب المخيم وقد توفي قبل أشهر والأستاذ داوود من يافا وأستاذان من آل رنو ثم ها أنا أنهي المرحلة المتوسطة ثم إلى بيروت حيث أفتتحت في برج البراجنة مدرسة جديدة كان ورائها مجموعة من الشباب الوطنيين وعلى رأسهم أبو ماهر اليماني والذي أصبح مديراً للمدرسة، ومع أني وصلت مساءاً إلا أني كنت مرتاحاً فأنا مزود بمعلومات من والدتي ان في برج البراجنة إبنت عمّها الحاجة شيخة الحاج أسعد بلشي وهو مختار سحماتا في أيامه وهي متزوجة في ترشيحا أستقبلت إستقبالاُ كريماً منها ومن زوجها الوالد والصديق والأخ الكريم أبو محمد كامل عبد الرازق ويجاورهم أبو حسين علي الحاج أسعد بلشي أخو إم مصطفى زوجة كامل عبد الرازق استقبلت وكرمت كقريب رحمكم الله جميعاً فقد كنتم أهلاً في الغربة وليس بعيداً عنا بيت أبو محمد يوسف صالح قدورة كنت أسهر وأنام أحياناً عندهم كأنني عند أهلي وأم محمد تغسل ثيابنا دون تذمر بل بطيبة وابتسامة كأننا أولادها.
ماذا يفيد الكلام وقد تقطعت بنا الدنيا وفي أحسن الحالات حضرت جنازة بعضهم إن الأذى الذي لحق بنا من الأخوة العرب وعبر عقود طالت واستطالت أقول أذى لا تنفع معه المسامحة وماذا يفيد العتاب مع الأعراب وهم دائما يغدقون علينا المليارات الكاذبات، كان هناك مقهيان أحدهما يعرف بقهوة التراشحة والآخر يعرف بقهوة العكاكوة وكثير من اهل ترشيحا تعرفت عليهم في قهوة العكاكوة لصاحبه ابو زهير بكير. وهناك رجل آخر إسمه أبو سليمان زرت المقهى منذ اسبوعين وجلست وتحادثت مع إبن ابو زهير رحمه الله وحدثني عن خالي حسين بلشي وعن حساسيته وذوقه وخالي هذا كان يعيش في عكا منذ صغره وام مصطفى تُعرف عند أهل ترشيحا بشيخة حامد قد يكون زوجها الأول ولها منه ولد إسمه مصطفى كان في مثل سني وهو شهم وذو حماسة وغيرة.
كنت يوما جالسا في مقهى العكاكوة وهو المعروف بقهوة القسيس وكنت حينها في كلية التجارة ومعي دفاتر كبيرة وكتب كثيرة جلست إلى طاولة منفرداً وطلبت فنجان قهوة رأيت شاباً أنيقاً ووسيماً قام من بين رفاقه وتقدم نحوي ومعه ورقة وقلم ورسم عليها ما يشبه الدائرة ثم قال لي: ما هذه؟ نظرت إليه نظرة لا أدري كيف كانت ولكن الرجل عاد مكانه وأسفت على أناقته وسخافته ولكن الأمور لا تمر عندي هكذا، رويت لمصطفى ما حدث لي قال هل تعرفه قلت طبعاً إتفقنا على موعد أكون فيه في المقهى جاء مصطفى يقفز قفزاً وسألني من هو فأشرت إليه كان مع مصطفى دفترا وقلماً تقدم من الشاب وحدّق فيه بنظرة غضب ورسم خطاً على الورقة وقال بصوت قوي وعال ما هذه؟ نظرت إلى الرجل فإذا وجهه اكثر اصفراراً من الليمون تركه مصطفى ومشى. هذا شاب قام بحركة سخيفة فعرض نفسه للإهانة على مرأى من الحاضرين وهم بالعشرات كان بيني وبين أبو محمد كامل عبد الرازق علاقة الأب بإبنه والصديق بصديقه هو أكبر سنا من والدي وهو رجل تهابه الناس ورأيته مرة يتناول الغداء إلى جانب بيته مع مجموعة من الرجال منهم محمد كمال رئيس حامية ترشيحا وأبو محمد رجل لا تستطيع أن تخدعه وإن ظننته أنه غير عالم بما يجري حوله فأنت مخطئ جاء قريب لام مصطفى من حلب وأعطاه ابو محمد غرفة مجانا فتح دكان حلاقة وكان هذا الشاب يكيد لي وأنا لا أعرف كان يتحدث عني بالسوء أمام أبو محمد فقال له الان تقوم وتأخذ أغراضك وتخرج من الغرفة اقول لا احد يجرؤ أن يتدخل في شؤونه، جئت بعد انتهاء الدروس حوالي الساعة الرابعة فلم أجد الشاب ولم يخبرني أبو محمد لماذا طرده علمت ذلك فيما بعد من زوجته إم مصطفى أتمنى أن يكون مصطفى بخير وعافية وأكيداً سأبحث عنه، كما أذكر موقفاً فيه شهامة وكرامة لمدير مخيم برج البراجنة أبو سليم وأظنه إبن سليم مصطفى الذي كان يسعر التبغ في قريتنا وغيرها، كان المطلوب في المعاملات الرسمية ان نختم الصورة من مدير المخيم كان مكتبه على أول الطريق للداخل إلى المخيم الأرض منخفضة وكان سبق وصولي مطر جعل الوصول الى المكتب صعباً وجدت ابو سليم خارج المكتب في الجهة المقابلة فما أن علم بطلبي حتى مشى في الماء مع أني قلت له يمكن أن آتي في وقت آخر ولكنه رفض وقال قد تكون بحاجة إليها الآن هناك رجال جديرون بالاحترام. كما أن هناك سيدة فاضلة أخرى هي السيدة روندة قدورة أم عبد الهادي نسيت اسم زوجها فأنا لا أتحدث عن زيارات عابر سبيل بل عن جوار وصداقة ونسب وعلاقات بيع وشراء ومعاملات علاقات انسانية كاملة وهل انسى أن الباص الذي نقلني وأمي إلى عكا لزيارة والدي هو باص الدلاعة وفي السنوات الأخيرة كان أحد شباب القرية جابيا في شركة الباصات ولا أنسى أنه كان مكتوبا وقريبا من السائق ممنوع التكلم مع السائق ولا تخرج يدك من الشباك وفي مؤخرة الباص باب يفتح وهو ذو ذرفتان ومكتوب عليه باب للهرب كما كانت تؤلف حوله الاغاني أذكر من بعض كلماتها يا باص الدلاعة إدعس ع 99 أو هكذا.
كما لا أنسى شابا اسمه يوسف كان يصغرني وأنا في المدرسة كبر وعمل في إحدى شركات الطيران وتزوج وأنجب أولادا وقد رايته منذ حوالي خمس سنوات ولا يزال كما أعرفه بيته قريب من بيت كامل عبد الرازق. ذهبت مرة إلى مقهى التراشحة وهو يقابل منتصف الطريق أمام المخيم تقريباً وإذا كان صاحب المقهى هو شاكر كما اذكر وهو أخو كامل عبد الرازق فأنا أشهد لذاكرتي بالتوقد وإن كانت كشهادة أم العروس. في إحدى زياراتي لترشيحا وهي كثيرة مررت في سوق كثير الدكاكين بينها دكان كندرجي يعمل فيه اثنين أو ثلاثة وسمعت المعلم يقول لأحدهم شو بدك تتعلم الصنعة هيك يظهر أنه ألحق أذى بيده بضربة غير محكمة، ثم أكملت الطريق فرأيت مدرسة بنات فتعجبت من ذلك لأن في قريتنا الصبيان فقط هم من يذهبون إلى المدرسة لا أدري إذا كان القرار من إدارة المعارف، ثم قرأت قبل ثلاثين سنة تقريبا كتابا عن الدكتور نقولا زيادة أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية كان يعلم في ترشيحا في أوائل العشرينات من القرن الماضي وإنه كان يتجول حول ترشيحا ووصل مرة إلى مشارف سحماتا وهناك صديق عزيز علي من بعلبك هو الأستاذ رامز حيدر وهو كاتب وشاعر كأخيه طلال حيدر، وأثناء الحرب الأهلية كان في بيروت وكان صديقاً للأستاذ نقولا زيادة وقد حدثني كثيراً عنه ومع أنه استضافه مرات كثيرة إلا أن نقولا لم يعزمه ولا مرة وقال إنه يهتم بنفسه فقط ولا يشغله شيئ آ خر. ثم تدور الأيام وأذهب إلى نيويورك قبل ثلاث سنوات وهناك تعرفت إلى الآنستين المثقفتين إيمان معيكي وماجدة معيكي وإلى الأستاذ كرم طنوس كنا ذاهبين لتناول العشاء في بروكلين في مطعم السيدة راوية بشارة التقينا في كنيسة السلام وفوجئت بالمطران الجليل والوطني العظيم عطاالله حنا كانت أمنية لي أن أراه وأن أقبل يده، كما لا أنسى الآنسة ميشلين خوري من فسوطة فهي بطيبتها وانسانيتها تشعرني كأنني لا أزال في سحماتا. وفي فسوطة أهل وأصدقاء منهم زميلي في المدرسة والصف وديع مبدى سمعان شكرا يا ميشلين على الصور الجميلة، وها أنا أختم بعض ما أعرفه عن ترشيحا ومسك الختام هو تحياتي وتقديري واحترامي للأستاذة المثقفة والراقية رنا بشارة شكرا لك وللسيدة الوالدة على الزعتر الذي وصلني مع الآنسة نماء الورد حفظك الله وأهلك، أنا لا أنسى المشقة التي تكبدتها في الذهاب من ترشيحا إلى سحماتا وتصوير موقع بيتنا وصور عديدة جميلة أعادت إليّ الروح ايه والله عندما رأيت سماء سحماتا ناديت الأولاد أركضوا شوفوا سماء سحماتا مبارح (البارحة) وشعرت كمن كان في بئر عميق وفوجأ برؤية الأرض والسماء ترشيحا ليست قرية ولا بلدة هي مدينة بما فيها من مرافق وبما فيها من مستوى حضاري وثقافي.

فصل من كتاب جديد يصدر في ربيع 2017

اقرأ أيضا:

“سلام على البقيعة” فصل من كتاب مذكرات للكاتب الفلسطيني محمد خشان

الطيران الايطالي

محمد خشان، كاتب فلسطيني مقيم في بيروت، صدر له عن منشورات الجمل” كتاب مذكرات بعنوان “الخط الشمالي”..

mohammed_khachan@yahoo.com