“القرداتي” قصة للكاتب المصري جمال مقار

مهداة للأهل والإخوان

جمال مقار كاتب مصري
جمال مقار Gamal Makar

تثاءب الليل بغضب فوق التل الذي تعلوه أكوام من القمامة، ونفخ ريحا عاصفة عاتية، تحمل برد شتاء قارس، زأرت في غباء، ثم صفرت وهي تنفذ من فتحات الصاج المهترىء للعشة الصفيح القابعة فوق التل، وأخذت تضرب جسد القرد النحيل المشعر، الذي ظل طوال الليـل يرتجف من وخزات البرد .
حتى جاء الصباح ومعه شمس شتائية مريضة صفراء الوجه، حاولت قدر الجهد حتى نفذت أشعتها من فتحات الصاج الضيقة في هيئة حزم يضطرب في ثناياها غبار دقيق، مست بأناملها أطراف القرد، ووشت ببعض دفء لدمائه التي كادت تتجمد في عروقه من البرد والخوف .
رنا ببصره إلى الطبق المملوء خبزا مبلولا بالماء الذي لم يمسه منذ الأمس، رأى سربا من الذباب يحط عليه ويعمل أفواهه وأقدامه فيه، أشاح بنظره عنه، وغرق في ذكريات بعيدة.

***

منذ شهور، كان هناك محاطا بالجبال والأشجار، يهبط من تلك ليتسلق تلك، كان فتى يافعا واعدا يقف على أبواب الفحولة فخرا لعشيرته من القردة، هو الذي دافع عنهم أمام هجوم العشائر الأخرى في محاولتها انتزاع مواطن الطعام منهم، انتصر لأهله، وطرد الغزاة بقوة ساعديه المفتولين، وتوج ملكا في زفة من صرخات النصر .
ثم غازلته عينا تلك القردة اللعينة من قبيلة الرباحين، رمت إليه شباكا من نظرات عينيها، وكلما سعى خلفها، زاغت منه وتدللت عليه، وكلما راوده الزهد فيها، استكانت حتى تعيده لحوزتها، ولما جن بها ومنها طاردها طرادا مستميتا، هربت منه، وأخذته بين شقوق الجبال، ثم انفلتت، وضاع أثرها، فققز قفزة غاضبة خائبة أوقعته في جرف أملس، انتهى به إلى شق غائر، عندها جاءت القردة، ظلت تنظر إليه حينا حتى أدركها اليأس، فرمت له نظرة وداع أخيرة مبللة بالدموع، وانصرفت عنه .
راح يبعث بصرخاته، فجاءه بدلا من النجدة ثلاثة فتية يافعين، وبنظرة واحدة أيقنوا أن الحظ ساقه إليهم، هاهو أسير لديهم، نظروا إليه وتضاحكوا ساخرين منه :
ـ أنت وقعت يا ميموني ؟
قال واحد منهم لآخر:
ـ رُح هات شبكة وعصا غليظة طويلة .
جرى الولد وغاب عن عيونهم .
جلسوا على حافة الجرف الصخري يأكلون البلح المجفف ويرمون القرد بنواته ويتضاحكون، بينما كان يحمي وجهه ورأسه بيديه، سمعهم يتحدثون في شأنه، قال واحد منهم :
ـ انظروا إلى يديه، ألا تشبه يد الإنسان ؟
ـ القرد كان يوما إنسانا، حتى أغضبت بعض أفعاله السماء، فسخط قردا .
ـ أيمكن أن يعود إنسانا ؟
قال واحد منهم ساخرا :
ـ ممكن جدا، لو ضاجع امرأة .
انفجروا في الضحك، كان القرد يستمع إلى ما يقولونه مغتاظا، سبهم ببعض صرخات يعرفونها، قلدوا صرخاته، وحكوا أنوفهم بسبابتهم ليزيدوه غيظا على غيظ ، ثم عاودوا قذفه بنوات البلح .
**
جاء الولد لاهثا، يحمل عصا غليظة طويلة وشبكة مسدت حبالها من ليف النخل، وقف الفتية استعدادا، وبدأوا العمل، طرحوا شبكتهم على القرد، راغ منها، عاودوا رميها مرة ومرة حتى أوقعوا به في حبائلها، نزل إليه واحد منهم، ولما حاول رفعه هبشه هبشة أدمته، تناول العصا وأنال القرد ضربات ثقال دوخته، ثم تعاون الجميع في رفعهما.
قاوم وهم يحملونه، فنال خبطات أخرى من العصا الغليظة، جعلته يدرك جموح هؤلاء الفتية وقسوة قلوبهم، أن متألما وتحسس مواضع الضربات في جسده بيديه .

**

قال لهم التاجر: عندي كثير من أمثاله، لم يعد له سوق.
بمضي الوقت أرهقهم أكله وحراسته، ومن تاجر لتاجر كانوا يسحبون القرد بحبل من رقبته تصحبهم سخريات الناس :
ـ قريبكم ياولد أنت وهو ؟
ـ إيه، كان مسافرا في الخارج ورجع ؟
أصابهم اليأس، تشاوروا في أمره، و قالوا للتاجر:
ـ ننزل في ثمنه يا أبو خالنا .
ـ عشرة جنيهات لاغير .
قال وأخرج الورقة النقدية، وزام :
ـ همم ؟
ـ لكن ….
كاد يعيد الورقة إلى سيالة جلبابه، قال :
ـ خلّيه عندكم لما ثمنه يزيد .
نتشها واحد منهم من يده، ورمى الحبل في حجر التاجر وهو يسب ويلعن في سره، وهم يبتعدون، صاح فيهم التاجر سائلا :
ـ ما اسمه ؟
ـ ميمون يا ميمون .
ـ يللا، يا أولاد ……
جروا وهم يضحكون .
هبط به التاجرإلى القاهرة ومعه رسالته من الصقور والحيات والعقارب والطيور الزاهية الألوان، ووقف في سوق السيدة عائشة، مضى الوقت به ولم يبع شيئا، وقبل أن يقفل النهار،جاء طبيب بيطري واشترى حية من حيات (الطريشة)، ثم جاء فتايان واشتريا صقرا، واستبشر التاجر خيرا .
انصرف النهار، هم يجمع حاله وماله، جاء رجل يلبس جلبابا نظيفا به رقع كبيرة، وقف يتأمل القرد، ثم سأل :
ـ متعلم ؟
قال التاجر ساخرا :
ـ لا ، لم يذهب يوما لمدرسة .
ـ يا أخي ، خلّيك حلوا .
ـ القصد والقول، جبلاوي، ينفع معك؟ .
ـ كم عمره ؟
ـ صغير، ابن سنتين ونصف .
ـ عال، ومطلوبك .
ـ مئة جنيها .
وبعد جدال وفصال، نزل التاجر بالثمن عشرتين من الجنيهات، وناول القرداتي الحبل، فسحب القرد ومضى.

**

من يد إلى يد إلى يد، لم يستطع أحد رياضته، كان عاصيا عصيا على التدريب، ليس لغباء منه ولكن أملا في أن يطلق ذلك سراحه، فيعود إلى بلاده البعيدة وعشيرته الحبيبة .
كان إذا ما اشتد صاحبه في معاملته، لجأ إلى الاضراب عن الطعام والشراب، حتى يخف وزنه ويشف جلده ويرقد قريبا من الموت، يرى بعين خياله ناسه في الجبال البعيدة ينظرون إليه، ويحلم بأنه عاد إليهم، يراهم فرحين بعودته إليهم .
عندها يدرك اليأس صاحبه، فيبيعه لصاحب جديد .
هكذا حتى انتهي إلى يد ذلك القرداتي اللعين، سمع اسمه وصاحبه القديم يسلمه الحبل والعصا الخيزران :
ـ مبروك يا مأمون .
أمسك الحبل بيد والعصا بيد، وأناله عربونا من عدة ضربات قاسية، ثم جره جرا، وهو يقول :
ـ نهارك أسود معي، أنا قرداتي ابن قرداتي .
حين وصلا إلى العشة الصفيح، كانت الشمس تحط عن كتفيها أحمال نهار قاس، وتهوى من التعب خلف الجبل، رماه في العشة، وأحكم اغلاق بابها عليه، وهو يقول :
ـ الصباح رباح يا ربّاح .

**

الآن، والجوع والبرد يتناهشان جسده النحيل البالي، يسمع نحنحة صاحبه الجديد وهو قادم نحوه، فيشتد ارتجاف جسده .
انحدف باب العشة، وصفع ضياء الشمس الباهت عينيه، فأخفى وجهه بيديه، ارتمى عليه ظل صاحبه الثقيل وهو يسعل سعالا جافا قاسيا، رفع كفيه عن وجهه، رأى صاحبه يقف عند رأسه بجلباب متسخ تعلوه سترة مزيتة، ينظر إلى الطبق الفخار المملوء بالخبز المبلول، همهم :
ـ يعني، الأكل لم يعجب سيادتك، والذوق لم يعد ينفع معك .
استدار خارجا، وأغلق الباب، غاب سويعة، وعاد حاملا في يد قطة صغيرة تكاد ضلوعها تقفز من الجوع، وفي اليد الأخرى يمسك بسكين ماضية .
انحنى على طبق الطعام وهو يقبض على القطة الصغيرة من جلد قفاها، دس فمها فيه، وهو يقول :
ـ كلى يا ملعونة .
والقطة تحاول أن تتملص من قبضته القاسية، وتموء من الألم مواء رفيعا يكاد يثقب رأس القرد، والرجل يهتف بها :
ـ كلي، كلي، آه، أنت لا تسمعين الكلام، طيب.
حز زورها بسكينه، فانبجس الدم منه رشاشا، أغرق وجهه الرجل وجعله مخيفا، رمى بها بعيدا في أحد الأركان، وتقدم من القرد وبعينيه نظرة قاسية، تشى برغبته في القتل، حتى بال القرد على نفسه، بينما ظل الرجل يقترب منه وهو يلوح بالسكين :
ـ وأنت يا روح أمك، كل .
ارتعد جسد القرد ارتعادات عصبية متتالية، صرخ الرجل فيه :
ـ ها……..
أقبل القرد على طبق الطعام، وضرب كفه الصغير فيه، واحتفن حفنة من الخبز المبلول، أودعها فمه الذي جف ريقه، تلوى من مذاقها القاسي، ابتلعها بصعوبة، وتوقف عن التقاط الطعام، نظرإلى الرجل الواقف عند رأسه، ورمش جفناه، رماه الرجل بنظرة قاسية، ولوح بالسكين في الهواء كأنه يذبح قردا خفيا، وصاح :
ـ ها .
فاحتفن القرد حفنة أخرى، كان مذاقها أطيب أثرا عليه من الأولى، لكنه توقف، فعاود القرداتي الصراخ والتلويح بالسكين في الهواء:
ـ ها .
ومن ها إلى ها، ظل يحتفن الطعام حفنة حفنة، وأحس بمذاقه الطيب في فمه، وبدفئه في معدته، وتسلل الدفء لروحه فأنعش قلبه الخائف، وسمع الرجل وهو يركله قائلا :
ـ صنف كلب صحيح .
وقبل أن يخرج رماه بنظرة مخيفة، قال :
ـ هنا ليس معلفا للبهائم يا عين أمك، كل وأشبع وشد حيلك، شغلنا صعب ومحتاج قوة وشدة .
**
مرت أيام قاسية عليه، لفته فيها الوحدة وقسوة الحبس، دار في محبسه يبحث عن منفذ للهرب، وقلب في رأسه الحيلة تلو الحيلة، لكنه كان في كل مرة يهز رأسه، لأنه كان يدرك لو طاش سهمه وخابت حيلته سيلقى مصيرا قاسيا على يد ذلك السفاح، الذي كان يدرك ما يدور في رأس القرد، قال له :
ـ وحياة أمك ما تفلت من يدي أبدا، وإن فلت سأعيدك ولو كنت في جبال الواق واق، وإن أعدتك قطعت رقبتك، خلّيك جدعا وافهم قولي وكلامي، وخلّيني أحبك .
قال ولسعه بالخيزرانة :
ـ كل .
أكل وأكل، ويوم من بعد يوم، انصلب ظهره واستد عوده واستقامت مشيته، والقرداتي ينظر إليه بعين خبيرة تنتظر.

**

يوما، جلس الرجل على حجر يبرز من الأرض، وأشار ببنانه إليه :
ـ تعال .
جاء، مشى بكفه على رأسه، وربت على ظهره، وقال له متوددا :
ـ يا عبيط ، الدنيا كلها قرود، كلنا قرود، أنا وأنت والناس من حولنا، لكن سبحان من سلط أبدان على أبدان، وأنا وأنت رزقنا على الله، ولو شددت حيلك معي أزوجك زيجة عز من صبية مهلبية عند مسعود الودود في حارة بير الجن .
استكان القرد له ومست روحه لمسة الكف التي مشت على رأسه، رآه يتناول رقا له صاجات صلصلت وهو يرفعه ويهزه في الهواء، قال له :
ـ شف، رقصة العجوز .
نهض القرداتي، ورقص وهو يحني ظهره، والقرد ينظر إليه منتشيا، قال الرجل :
ـ يللا، أشوف الرقص .
لكن القرد لم يتحرك من مكانه، راقب نظرة الغضب وهي تسرح على وجه الرجل، وارتعد قلبه، قال الرجل وهو يجز على أسنانه :
ـ طيب ، شف نومة العازب، طبعا أنا وأنت نعرفها جيدا .
ارتمى الرجل على الأرض يتمرغ ويتقلب، وراقب وجه القرد وهو يضحك، ثم نهض من رقدته، وقال :
ـ يللا، يا حلو، نم نومة العازب .
ابتأس وجه القرد، ورمش جفناه، قال الرجل :
ـ يا ابن القديمة، طيب .
تركه ومضى عنه مغلقا الباب عليه، غاب ساعة قبل أن يسمع سعاله الجاف الحاد يخالط ثغاء معزة، فغامت عيناه ودق قلبه دقات سريعة مضطربة وسابت مفاصله وأعصابه ودار بسرعة في أركان العشة، ولما فتح الرجل الباب، رآه يمسك بعنزة صغيرة يجرها من أذنها جرا، جرى إلى أحد الأركان واضعا كفيه فوق رأسه، وأقعى على الأرض متكوما محاولا الاختفاء وهو يموء كأنه قطة صغيرة.
دخل الرجل العشة تسبقه رائحة عرقه الزنخة، رمى المعزة في عنف، وجفف عرقه في طرف جلبابه، التقط أنفاسه، واستجمع قوته، وقال مخاطبا العنزة :
ـ رقصة العجوز يا بنت …….
وراح يرقص محنيا ظهره، قال لها :
ـ ارقصي .
لكن المعزة المسكينة حملقت في غباء، وطبعا لم تدرك شيئا، زام القرداتي، وقال :
ـ طيب، نومة العازب يا حلوة .
وارتمى على الأرض يتقلب، ثم نهض، وزام في الهواء زومتين وهو ينفض التراب عن جلبابه، أدار البصر فيهما، وقال :
ـ أنا سأعرف كيف أربيكما، أنت وهي .
ضرب كفه في جيب سترته الداخلي وأخرج السكين الحامية، ومشى بها على رقبة العنزة، حزها من الوريد للوريد، فارتمت تتخبط في دمائها، بينما شل الرعب القرد، والرجل يقترب منه ممسكا بالسكين التي تقطر بالدماء، تراجع القرد في بؤس ومسكنة إلى أحد الأركان، قال الرجل مهدرا :
ـ وأنت يا ….، جاء دورك، أشوف رقصة العجوز، ها.
رقص بقدمين دائختين، ودار حول نفسه، والرجل يصرخ :
ـ ها .
والقرد يدور، التقط الرجل الرق المعلق إلى مسمار، أمسك به وبدأ يوقع عليه بأصابعه :
ـ الليل الليل يا ميمون .
بدأت خطوات القرد تنتظم مع وقع أصابع الرجل على الرق، وتتداخل مع صليل صاجاته، وبدأ القرد ينسجم مع الايقاع ويرقص بمزاج عال، راق له الحال فظل يرقص.
ولما انتهى الرجل من الدق على الرق، هتف به :
ـ ها .
عندها توقف القرد عن الرقص، ودون أن يهتف به الرجل نام نومة العازب، تقلب وتمرغ في تراب العشة، وعندما انتهى نظر إلى القرداتي، وجده سعيدا مسرورا فاطمأن قلبه، مشى الرجل إليه وأخرج قطعتي كرامل من جيبه دس واحدة في فمه، والأخرى زج بها في فم القرد هاتفا وهو يهز الرق : تحية للقرد.
فصلصلت الصاجات .

**

يوما بعد يوم، ازاداد القرد حنكة وبراعة في الرقص حتى أذهل القرداتي، نظر إليه متعجبا متسائلا :
ـ أنت قرد أم جن ؟
هز القرد رأسه منتشيا، وقفز في الهواء، ولف ذراعيه حول رقبة القرداتي، وتبادلا القبل .
هكذا أنس أحدهما للآخر، ولما اطمأن القرداتي للقرد تمام الاطمئنان، ألبسه طرطورا أحمر، وسترة صغيرة تشبه سترته، نزل به من الجبل إلى دروب المدينة، وساح معا في شوارعها،
وأذهلا الخلق الذين كانوا يتحلقون ليروا ذلك القرد أبا صديري وهو ينام نومة العازب، ويرقص رقصة االعجوز ويعجن عجين الفلاحة ويزحف ليصور للناس كيف خرج الملك من مصر ذليلا منكسرا.
الناس جميعهم ضحكوا وفرحوا، ووضعوا نقودا كثيرة بسرور في رق القرداتي المقلوب .

**

امتلأ جيبه القرداتي بالنقود، ولعب بالفلوس لعبا، ولما راق له الحال والبال، عزم على الزواج، فخطبت له الخاطبة بنتا بيضاء طرية وحلوة، وقبيل يوم زفافه بأيام، أقسم ليحلي للقرد فمه، وأخذه إلى مسعود الودود في حارة بير الجن، هناك أدخله على مهلبية، وعلى الرغم من أن مهلبية لم تكن مهلبية بل كانت تسبقه بأعوام كثيرة، إلا أنه رضى بما قسم له، وأبلى معها بلاء حسنا .

**

في يوم زفاف القرداتي رقص ميمون كما لم يرقص من قبل، حتى قيل إنه سحب البساط من تحت قدمي الراقصة السمينة التي لم تستطع أن تجاري رشاقة حركاته ولا خفة ظله .

**

لم يعد القرد قردا ولا القرداتي قرداتي، بل صارا صديقين لاتفرقهما إلا ساعات النوم، حتى عندما يعودان من يوم عمل شاق وطويل، يأخذه معه إلى البيت، ولما لم تكن امرأة القرداتي امرأة نكدية بل كانت طروبا تحب اللعب والمرح، لذا كانت تضع أمامهما الطعام وهي تتمنى لهما الهناء والشفاء، وكانا بعد أن ينالا حظهما من الطعام، يخرجان معا ليقضيا مع الجيرة أمسيات رائعة في مجالس السمر التي تقام أعلى ربوة تطل على المدينة.

هناك حيث تدور الجوزة وأكواب الشاي على الجلوس، أحب القرد قصعة النار لأنها كانت تبعث بالدفء إلى أوصاله، ثم بدأ يتابع الصبي الذي كان يدس براد الشاي في النار، ظنه حينا قردا صغيرا، وأخذ يقلده، وما أن يجتمع السامر وتضرم النار في القصعة حتى يسرع ويدس براد الشاي في النار .
وعندما يغلي الشاي ويطرطرش من البزبوز، يدرك القرد ما يجب عليه أن يفعله، فيتناول قطعة من القماش، ويبدأ في صب الشاي في الأكواب ويدور بها على الشاربين .
وبمضي الوقت أصبح القرد مركزا لمجلس السمر، حتى جاء رجال من مناطق أخرى ليشاهدوا هذه العجيبة ،ويشهدوا بأن لله في خلقه شئون لم يدركوها ولو عاشوا مقدار ما عاشوه مرتين .

**

لكن دوام الحال من المحال، كيف وكل شيء تمام التمام ؟
رزق القرداتي ولدا يشبه القرد شبها شديدا، وقالت النسوة إن ذلك لأن امرأة القرداتي وحمت كثيرا وهي ترى القرد أمامها، لكن ذلك لم ينفع شيئا مع حزن القرداتي، الذي كتم ألمه بين ضلوعه وقبل بمشيئة الله، ولما شب الولد وصار له من العمر سبعة أعوام، بدت عليه مخايل العبط، وأخذ يرمش بجفنيه كما يفعل القرد .

**

ازداد القرداتي حزنا على حزن، ووجد في الكيف سلواه، كان يرصع حجارة الجوزة بفصوص منه، وصار يدخن في شراهة بالغة، حتى ازداد سعاله جفافا وقسوة، كان يكح حتى تجحظ عيناه ويحترق صدره، لكنه لم يكف يوما عن الخروج بقرده سعيا وراء الرزق، وكان ميمون يعوض يأس صاحبه وحزنه، فيزيد الرقص مرحا وشقاوة، بل أخذ منه الرق ومشى به مقلوبا، فزادت هبات الناس وعطاياهم لهما .
حتى جاء صباح بارد غائم، ولم يجىء صاحبه ليضع له الطعام، ويربت بيده على رأسه ويلقمه قطعة حلوى أو كرامل، وانتظر القرد والجوع يعضه عضا، حتى ارتفعت الشمس وأصبحت في سمت السماء لكن أحدا لم يأت .
وصار مزاج القرد حادا عصبيا، دار حول نفسه في أرجاء العشة، دار ولف حتى تعب، فجلس على الحجر الذي يبرز من الأرض واضعا وجهه بين كفيه، وبكى بكاء مرا .

مر اليوم، وأذن المغرب، وأيقن القرد أن مكروها أصاب صاحبه وإلا لِم لَم يأت ؟ فتكوم في أحد الأركان يمص أصابعه ويئن من قرصة الجوع، ثم تخاطف النوم جفنيه فنام وقام ونام، حتى جاء الصباح، انتظر أن يجيء أحد إليه، ومر الوقت ولم يحضر أحد، جن جنونه، وراح يضرب الصاج بيديه ويصرخ، لكن أحدا لم يسمع صراخه، وفي نوبة هيجانه انتزع لوح من الخشب الذي يثبت الصاج ببعضه، وانهال دقا على الصاج، حتى سمع أقداما تهرول، وأصواتا تعلو، ثم انفتح الباب وأطلت زوج القرداتي بعينين باكيتين مقروحتين من كثرة العياط، وطفلها الصغير يمسك بذيل جلبابها، وينظر في خوف للقرد الذي بدا مشهد هيجانه مخيفا، اقتربت المرأة منه، ووضعت كسرة جافة أمامه، وقالت له :
ـ الراجل مات يا ميمون، مات .
رف جفناه رفات سريعة وكادت الدمعة تفر من عينه، بينما واصلت المرأة :
ـ سامحني، نسيتك .
غرق القرد في صمت غميق وتناول كسرة الخبز، وقضمها بأسنانه، وراح يأكل في صمت، وهو يرقب المرأة وطفلها يستديران ليمضيا عنه، ويغلقان الباب عليه .

**

في الصباح، جاءت المرأة ومعها كسرة خبز جافة في يد وفي اليد الأخرى ابنها الصغير، ناولته كسرة الخبز، وجلست محزونة على الحجر الذي يبرز من الأرض، ثم قالت المرأة تسأله :
ـ من أين سنأكل، من أين ؟
بقى ساكنا، ولاح أمامه مصيره البائس، سيموت هو أيضا من الجوع، رنا طويلا إلى الولد الواقف الذي يمسك بجلباب أمه، فأدركت المرأة ما يرمي القرد إليه، وقالت :
ـ معقول ؟ نشوف .
استدارت المرأة خارجة وطفلها يمسك بذيل جلبابها، غابت ساعة، عادت وطفلها الذي ألبسته جلبابا فضفاضا وسترة تشبه سترة أبيه، وقفت به عند رأس ميمون، وقالت :
ـ ها ، ما رأيك في الريس الجديد يا عم ؟
هز القرد رأسه في مكر وتصنع الرضا، عادت المرأة تقول :
ـ يللا، ربنا معكما، أروح أشوف أفراخى الصغيرة .
لفت على عقبيها، وخرجت .

**

لما ابتعدت المرأة ، دار الولد في أرجاء العشة، وتناول الرق المعلق على مسمار، هزه، صلصلت صاجاته، فانتشى الولد، وراح يرقص رقصة العجوز، تقافز ونط نطات كثيرة بارعة، أعجبت القرد، ولما أصاب التعب الولد، توقف يلتقط أنفاسه ويجفف عرقه، عندها اصطدمت يده بشيء في جيب سترته الداخلي، مد يده وأخرجه، رأى القرد السكين الماضية في يده، ارتد للخلف خائفا، انتظر أن يفعل الولد شيئا يذكر بأبيه، لكنه ظل ساكنا يحملق في السكين والرق، ثم ألقى بالسكين على الأرض، وجلس على الحجر البارز يبكي .
نظر القرد، فرأى الباب مفتوحا لأول مرة بلا حسيب أو رقيب، مشى حتى أصبح خارج العشة، وقف يتأمل المدينة التي تقبع بعيدا أسفل التل، السيارات التي تسرع، بدت صغيرة كأنها لعب أطفال .
ظل واقفا يفكر، حتى بدهته الفكرة، فجحظت عيناه من روعتها، استدار عائدا للعشة، وبدأ ينضو ثيابه، ثم خلع الثياب التي يلبسها الولد، استبدلا ثيابهما، وعندما وضع الطرطور فوق رأس الولد، أصبح مشهده رائعا أمام عينيي القرد .
عندها نزع القرد السلسلة عن عنقه، ولفها حول رقبة الولد، سحبه منها قائلا :
ـ سبحان من سلط أبدان على أبدان، هيا بنا، رزقي ورزقك على الله .

***

جاب بالولد دروب المدينة، وكلما انفسح أمامه ميدان، توقف به، وتحلق الناس حولهما ليشهدوا هذه العجيبة الغريبة، القرد يوقع على الرق بينما يرقص الولد رقصة العجوز أو ينام نومة العازب أو يلت ويعجن كما الفلاحة، ثم يزحف ليصور للناس كيف خرج الملك من مصر منكسرا ذليلا .
كان نجاحهما مذهلا، وما جمعاه في يوم لم يجمعه مأمون القرداتي في عشرة أيام، وفي المساء، عادا للمرأة متعبين مكدودين، استقبلتهما هاشة باشة، ثم أنها أجلست القرد على مقعد قديم، ومسحت جبينه بكفها، ولما أفرغ جيب سيالته من النقود جحظت عينا المرأة، وانحنت تجمع النقود وتقبل يد القرد شاكرة ممتنة، ثم قامت واغترفت طبق حساء خضراوات ووضعته أمامه، بينما جلس الولد عند قدميه يعبث بالسلسلة ويهز الرق في الهواء، والقرد يمسح على رأسه بكفه، نهضت المرأة وأحضرت كسرة خبز جافة وأعطتها للولد، فقرضها كما الفأر في التذاذ ورمش بجفنيه سعيدا شاكرا راضيا .

وبينما هما يأكلان، نهضت المرأة، وأحضرت طست الغسيل، وجلست إليه تغسل هدومها وهدومهما، راح جسدها وجاء، فانكشف ستر فخذيها، ورأى القرد لحم المرأة الأبيض، فاضطرب جسده، ورأت المرأة …. القرد الأحمر، فاضطربت مشاعرها .
بينما غفا الولد وهو جالس، نهضت المرأة عن غسيلها، وأنامت الطفل على الحصيرة التي تغطي أرض الغرفة، ثم قامت وأفرغت طست الغسيل وملأته ماء نظيفا دافئا، وجلست تحمم القرد، دلكت له ظهره وساعديه وهو يئن منتشيا، جففت جسده كله، ومشطت شعره الكثيف، وهي تفعل مسته، فارتعد، ابتسمت المرأة له، أخذته من كفه، وقالت :
ـ تعال .

**

في تلك الليلة بات القرد على السرير، وتبادل مع المرأة أشياء كثيرة ـ الدفء والانتشاء ومباهج الجسد ـ وفكرت المرأة : ( وما له ؟ القرد أفضل كثيرا من الرجل، روحه مرحة بريئة، وشعره الكثيف يدفئني ويثير مشاعري، سأعرف كيف أجعل منه رجلا ولا كل الرجال ).

**

قالت له وهي تضع أمامه صحن الحساء :
ـ كل يا سيد الرجال حتى تشبع .
ولما شبع قالت له :
ـ أتعرف ما الذي يفرق الانسان عن القرد؟
هز القرد رأسه نافيا، قالت :
ـ الكلام، لابد وأن تنطق، فإن لم تنطق ظللت قردا في نظر الناس، هيا ، قل ( سو سو ، نو نو )
بدأ القرد يلعب شدقيه محاولا النطق، حتى يئس، ويئست المرأة منه، جلست مطرقة تفكر، وفجأة سمعت صوتا يجيئها :
ـ فيما تفكرين ؟
اندهشت المرأة، وانتابها رعب قصي، وتراجعت للخلف، نظر لها القرد مبتسما، وقال :
ـ لاتخافي، فأنا الآن أعرف الكلام تماما كبني الانسان .
نهضت المرأة ومايزال عقلها مذهولا، هزت رأسها مرات، ثم انحنت على القرد تقبله، قال لها وهو يبعدها بكفه :
ـ كفى، احضري لي جلبابا نظيفا، لأخرج .
جرت المرأة وأحضرت لها جلبابا نظيفا وسترة جديدة، ووضعت عند قدميه خفا، دس قدميه فيه، ونهض ليخرج .

**

في ذلك المساء وفي كل المساءات التالية، جلس القرد في مجالس السمر على مصطبة يتحلق من حوله الرجال ليستمعوا إليه بانصات شديد واهتمام بالغ، وهو يتحدث إليهم في شئون كثيرة ليس من بينها السياسة .

كاتب مصري

gamal_z_m@hotmail.com