محمد سيف: الصيف الهندي او كيف تصبح الكلمات مخابىء

armand_gatti
أرمان كاتي Armand Gatti

لقد قدم الكاتب والمخرج المسرحي “آرمون كاتي” في “بيت الشجره” الواقع في الضاحيه الباريسيه “مونتري” مسرحيته السياسية ( الصيف الهندي) او ( كيف تصبح الكلمات مخابئ).
ان مسرحية ” الصيف الهندي” او “كيف تصبح الكلمات مخابئ” مشروع تجريبي من طراز خاص، ساهمت وتساهم في بنائه الايادي والعقول والمخيلات منذ ما يقارب عشرين سنه وعلى رأس هذه القوى العاملة فيه “آرمون كاتي” ذلك السندباد البحري الذي ظل يسافر في فضاءات الكلام الجوال؛ في بحاره العميقة، عائما هائما منكفئا على نفسه، ينحت في السفن والبواخر التي توصله الى شواطئ الثقافات المختلفة باحثا في كنوزها عن سر الكون متخذا من الكلمات مخابئ يواجه فيها ومن خلالها قسوة العالم ولا عدله المشهودة.

آرمون كاتي

يعتبر آرمون كاتي واحدا من اهم الشخصيات المسرحية اللامعة والوهاجة في مجال المسرح السياسي الحديث. فهو صحفي، مؤلف مسرحي ومخرج سينمائي ولد في مدينة “موناكو” الفرنسية عام 1924. حياته ذاتها عباره عن مغامرة مثيره ساهم في انتاجها التاريخ وتقلباته المستمرة عندما جعل من ابن احد المهاجرين الايطال: مقاتل في صفوف احدى جماعات المقاومة في الحرب العالمية الثانية؛ محكوم بالإعدام يعفى عنه في اللحظة الاخيرة من تنفيذ الحكم؛ معتقل من قبل الالمان؛ هارب ملاحق ؛ وبعد تدريب قاس في بريطانيا ينتمي الى جناح فرنسا الحرة للمظليين حيث شارك وبشكل فعال في اقسى واكبر معارك تحرير فرنسا من الالمان. وبعد التحرير ُسرَّح ابن المهاجر الايطالي من الجيش لكي يستقر في باريس ويعمل في جريدة “الباريسيين الحرة” حيث يلتقي فيها في “بير جيفري” صديقه الصدوق الذي قام معه بعمل اكثر تحقيقاته الصحفية.
في عام 1954 حصل على جائزة “آلبرت – لوندر” عن مجموعة مقالات قام بنشرها حول الحيوانات المفترسه في السيرك. ولقد صنعت هذه الجائزة من آرمون كاتي واحدا من اهم واكبر المحققين الصحفيين الذين ذاع صيتهم ونشرت اخبارهم بين الاوساط الأدبية والإعلامية التي مهدت الطريق الى اعماله الدرامية الشعرية وكرست لها نوع من الخصوصية، التي تليق برجل عاش المنفى بكل معاناته واستنطق آلامه بالعديد من الريبورتاجات الصحفية التي ظلت تلازم نصوصه الدرامية المتأثرة بشكل مباشر بالمسرحي الالماني بيسكاتور صاحب نظرية المسرح السياسي. في نفس العام ارسلته الجريدة الى “كويتمالا” لعمل تحقيق مطول عما يدور هناك من احداث حامية. ولقد صادف وصول ” كاتي” الى ” كويتمالا” حدوث انقلاب عسكري راحت ضحيته حكومة “أربينز” الديمقراطية لكي تحل مكانها سلطة ظلاميه زجت البلاد في حرب اهليه وحشيه ظلت مستمرة حتى يومنا هذا. عندما سقطت حكومة “اربينز” ولدت المقاومة الهندية للنظام العسكري الجديد. ومن اجل ان يكتشف ويختبر “كاتي” سرّ الاشياء عن قرب قرر الالتحاق بالمقاومة مصطحبا معه دليلاً يدعى “فيليبه”. وهنا تكمن البداية المعرفية الحقيقية “للاخر” لدى” كاتي”. بسبب وبفضل دليله “فيليبه” اكتشف “كاتي” عالم مجهول من قبل الثقافة الأوربية، حيث يقول في هذا الصدد 🙁 ان فيليبه معجزة وجودية جديدة ومضافة أغنت تجربتي وكشفت لي عن اسرار كونيه أخرى، كان من اجل فهمها ومعرفتها لا بد من الدخول فيها وبه.. لهذا دخلت). لقد تحولت عملية الالتحاق بالمقاومة الهندية بمثابة كابوس تضيئه نيران الحرائق المشتعلة في البلاد التي ظلت ومازالت ترقص على صوت الرصاص الخارج من فوهات البنادق والرشاشات الأتية من كل جهات الارض لان الحكومة الجديدة كشفت امر المقاومه. و بعد تبادل اطلاق الرصاص ما بين الجانبين سقط “فيليبه” صريعا وسقط معه آخرون اما كاتي فقد القي القبض عليه “وتم نقله على الفور الى العاصمة هناك حيث وجد زملائه الصحفيين زبائن فندق “انترنسيونال” وهم ينعمون بخيرات بلد تعبث به نيران الحرب. منذ ذلك الوقت والكلمات صارت بالنسبة لكاتي بمثابة مخابئ للمقاتلين الابطال الذين سقطوا وسيسقطون الى جانب “فيليبه” كل يوم. وبهذه الطريقة والكيفيه صارت اعمال كاتي الأدبية صدى لكلام “فيليبه”، هذا المقاتل الدليل الذي ولد في ” كويتمالا ” وظل في علاقة مستمرة ومتقدة مع هنود”مايا”. لقد كبرت هذه القضية لدى كاتي، وصارت تأخذ احجاما واشكالا أخرى يوما بعد يوم، وذلك من خلال احتكاكه بناس اخرين يشتركون من حيث الهم والعقيده مع فيليبه ويشاطروه الرأي ، مثل : كاميليوا توريس، يان سوسا، ميكائيل فيريك، ريكوبيرتا مانشوا، وبعض الكتاب والمثقفين امثال : اوتوا رينه كاستيلوا، ميكائل انجل استوريا ومانويل جوزيه آرك.

gatis 7
أرمان كاتي Armand Gatti

اعمال كاتي

في عام 1954، نشر كاتي في جريدة ” الباريسيين الحرة” مجموعة من المقالات التي نذكر اهمها : عملية عصير الفاكهة، قصة حرب أهلية، تحرير كويتمالا، صورة الديكتاتور، مقابلة مع ميكائيل انجل اوستورياس، رسائل فرنسية. في عام 1959 بدأت اعماله الدرامية تتلاحق وهي تحمل ثمارها المختلفة والمتنوعة التي كانت ما ان تخرج حتى تثير الجدل والبلبلة حولها لشدة صرامتها ولغتها النقدية اللاذعة. ولقد عرضت له في امريكا الجنوبية مسرحيتي ” الولادة والضفدع – الجاموس ” وعرضت له في الصين مسرحيتي ” السمكة السوداء و الرجل الوحيد” ولقد تطرق كاتي في مسرحياته الى مواضيع عده ومختلفة استنطقت : شخص ابيه ذلك المهاجر الايطالي في مسرحية “موت من اجل الثورة” مثلما تطرق الى كفاح الطبقات العاملة في مسرحيته ” غناء جماهيري امام الكرسي الكهربائي” والى الفاشية في مسرحية ” شهواة وهوى الجنرال فرانكو” والى القنبلة الذرية في مسرحية ” اللقلق” والى حرب فيتنام في مسرحية ” في مثل فيتنام” والى حياة الشوارع المهددة من قبل المومسات المتنقلات، في مسرحية ؛ شموس شارع القديس بليز الثالث عشر”. ان مسرح آرمون كاتي يقترب من حيث الشكل و المضمون من المسرح الباروكي في اسلوبه التعبيري الذي يختلف عن المسرح الاتباعي في مادته الأدبية وفي بنائه الفني. فهو مسرح زخرفي تميزه الحركة والشكل الحر، يختلط فيه الفضاء بالزمن، الخيال بالواقع، شخصياته تتصارع بضراوة استعاريه لكي تزاوج في النهاية ما بين الملحمة والحياة اليوميه. ويعتمد نصوصه على مناخات شغوفه بغنائية الكلمات التي تنحرف عن معانيها الأصلية من اجل ان تشكل كوكبة من المتاهات الغنية بالإشارات والدلالات التي يترجمها خير ترجمه الاخراج المسرحي نفسه والذي يعمل كاتي في الكثير من عروضه على شرحها امام المتفرج قبل كل العرض. ولقد انصبت هموم كاتي منذ عام 1986 وانشغل باله في كتابة نصوص مسرحيه اقل ثقلا وتعقيدا تعني بجمهور خاص مثلما تستهدف اولئك الذين امتنعوا عن الكلام او بالأحرى اولئك الذين فقدوا حق الكلام بعدما همشتهم الحياة العصرية وجردتهم من انسانيتهم البالغة الوضوح. محاولا ان يُجملّ مذابحهم من خلال منحهم نَفَسَهُ الشعري الذي تمثل في مسرحية ” موجز صغير لحرب عصابات المدن”. منذ ذلك اليوم وكاتي يعمل في مناطق ومدن سكانيه آهلة بالمعوقين والمهاجرين العاطلين عن العمل؛ يعمل بين صفوف مرتكبي الجرائم والجنح؛ بين المسجونين صانعا من حياة هؤلاء المسحوقين الذين لا حول لهم ولا قوه افلاما وصورا شعريه تخاطب ضمير العالم المعدوم. ومن هذه الافلام نذكر : فيلم ” العم”، فيلم ” الاتروا كريستوبال” الذي صورَ في كوبا، فيلم “الممر المفتوح”، كنا جميعا نحمل اسم الشجر” الذي صور في ايرلندا الشماليه. وهكذا لقد تنوعت نتاجات آرمون كاتي وتوزعت ما بين الشعر الدرامي، المقال، الرسم، السينما.
في عام 1973 صمم بوسترا يستنطق فيه حالة الصدام الذي دارَّ ما بين هنود” وتديدكني” وال F B I حيث القي القبض فيه على ليوناردو بولتني.
في عام 1974 كتب واخرج في برلين مسرحية:” اربعة مصابين بمرض الفصام يبحثون عن وطن يتنازعون على وجوده.
عام 1977 كتب واخرج مسرحية ” الوصل” في مدينة “تلوز” الفرنسية تكريما لصديقه “كاميلو توريس”.
في عام 1985 كتب سيناريو سينمائي عن شاعر كويتمالا ومراسلها الحربي” مانوئيل جوزيه آرك”.
في عام 1988 اقترح على منطقة “سين – سان دوني” مجموعة مشاريع مسرحيه لسبعة مدن واقضيه تابعه لهذه المنطقة الباريسية الكبيرة، ولقد اعتمدت هذه المشاريع على نصوص ” استورياس زيكوبيرتا ما نشو ” وعلى بعض نصوص كاتي التي يحيّ فيها ليوناردو بولتني وإندين لا كوتا المسجونان منذ ما يقارب العشرين عاما في احدى السجون الأمريكية:
– اربعة مصابين بمرض الفصام يبحثون عن وطن يتنازعون على وجوده.
– صلب هجين.
– مقاطع من ليونارد دفنشي ترشحه لان يكون مؤلفا من خلال الكلمات نفسها.
– السفر الاول مع لغة ” مايا”.
لقد القي القبض على ليوناردو بولتني واودع في السجن ظلما وها هو اليوم وبعد مرور عشرين عاما من السجن يكاد ان يموت من المرض في مستشفيات احدى السجون الأمريكية ، يقول كاتي في هذا الصدد :” انه من غير الممكن ان يموت هذا الانسان من غير ان يعرف ان هنالك صديق له في احدى بقاع العالم وفي ناحية سين – سان دوني على وجه التحديد”.

محتوى المشروع

ان المشروع في كليته بمثابة مجموعة من الاصداء التي تثيرها بعض التأملات العميقة في:
– ظاهرة الإبادة الجماعية لجنس الهنود.
– ثقافات “مايا” المتعددة التي اخترعت علم الفلك ودرجة الصفر.
– الرقص المقدس للشمس والذي اعتبر مقاوما ومضادا لامريكا.
– لغتهم ومعتقداتهم.
– اعمالهم الفنية الشبيه بأعمال ليوناردو بولتني الذي نجح برسمها في السجن.
لقد اراد كاتي في هده التظاهرة الثقافية السياسية الفنية التي اشتملت على العرض، المؤتمر، المعرض، الفيلم، البوستر والكتابة ان يثَورَّ الكلمات من اجل ان تجد هذه الأخيرة من جديد معانيها التي تتوجه الى الاغنياء، الى الفقراء، الى الهنود، وإلينا نحن سكان هذا العالم في نفس الوقت. الكلمات بالنسبة لكاتي لا تعود على هذا الذي يستخدمها فقط، مثلما يجب ان لا تأخذ اتجاها ومعنا واحدا لدى البعض في حين تصبح عند البعض الاخر بمثابة مخزن للتاريخ والقص. لهذا يجب البحث عنها وعن معانيها؛ يجب رجها وتثويرها من اجل ان تعطينا وتمنحنا قليلا من حياتاتها.

العرض

لقد تالف العرض او العروض التي قدمها كاتي من عدة اصوات ومريّ تعكس في مجموعها اشياء صغيره وكثيره، اشياء ملونه تتحرك في فضاءات العرض بنوع من الشمولية من اجل ان ترسم عوالم مختلفة الالوان والاشكال زاهيه ومعتمة؛ عوالم ثرية تترجمها بحساسية اصوات الحناجر والحركات لمختلف المجاميع والمشاغل المسرحية التي انتشرت في اروقة ودهاليز سبعة ضواحي باريسة. ولقد خضعت هذه المشاغل المسرحية لنمط معين من التقاليد الحياتية والفنية التي ساهمت في خلقها مجموعة من التطبيقات والممارسات الإنتاجية المختلفة، مثل :
– العمل التشكيلي “الكرافيك” الذي تأسس بشكل خاص على كيفية انتاج بوستر مطبوع على الخشب او على الزجاج او على اشياء أخرى.
– العمل على صناعة النص : كتابتا ومسرحتا.
– ممارسة رياضة الكونفو “kung – fu”من اجل معرفة الجسد واكتشاف الفضاء الذي يحيط فيه.
ان الغاية من ممارسة هذه الرياضة التي شكلت قلب الحركة المسرحية في عرض كاتي وسر من اسرار ديمومته هو تمالك النفس وربط جأشها في العلاقة مع الاخر. هذا بالإضافة الى بناء وتكوين حركات ذات دلالات لغويه تعبيريه. فهي رياضه قد عرفت بتدريباتها القاسية وتحتاج الى نظام وانتظام من قبل الممثل الذي يفترض ان يتحول ويتلون امام المتفرج لحظة العرض. وهذا لا يتم في تقديرنا او يتحقق الا بمعرفة الممثل لجسده والسيطرة عليه كي يتسنى له بالتالي ممارسة فن التكيف مع الحركة والوضعية المطلوبة داخل الفضاء المسرحي. ثم ان الالمام بهذا النوع من الممارسات الرياضية/الفنية تسمح للممثل لان يتطرق للعديد من المسائل، مثل : كيف الاتصال بالأخر والاقتراب منه “عندما اتحدث له عن نفسي”.

Gattis 5

الاخراج والتمثيل

هل يتوجب على الممثل ان يلعب دوره انطلاقا من رأسه ام انطلاق من احساسه بدوره؟ وهل ان تجسيد الشخصية المطلوبة والاخلاص لها يعتبر احسن رهانا وضمانا للشخصية من دراستها والابتعاد بها وعنها قدر ما يمكن؟ من هو الممثل في حقيقة الامر : هل هو بهلوان؛ هل هو مشخصاتي ام خطيب سياسي؟ ان العرض الذي نحن بصدد الحديث عنه لا يجيبنا على جميع الأسئلة المطروحة بقدر ما يلقي بنا في احضان الممثل الخطيب الذي ينتمي في شكله ومضمونه الى المسرح السياسي الذي يزج بأبطال الرواية او الحدث في قلب المدينة او داخل مجموعة من المجاميع. ثم ان تعبير المسرح السياسي يعني وبشكل دقيق: المسرح التحريضي؛ يعني المسرح الشعبي؛ يعني المسرح البريشتي الملحمي الذي يعتمد على الحبكات المتعددة، الرواية والسرد، الأغنية المُعَلقة، استخدام اللافتة للدلالة على المكان، الإعارة الوهمية؛ يعني المسرح التسجيلي الذي يدون الوقائع التاريخية من غير توثيقها؛ يعني المسرح الوثائقي الذي حدد مواصفاته “بيتر فايس″ نفسه قائلا: بأنه مسرح يعتمد على التقارير التعليمية، وهو مسرح يختار مادته من الثيمات الاجتماعية والسياسية وهو اعمق بكثير من التقارير الصحفية الدعائية”. ان شخصيات هذا النوع من المسرح ليست بالشخصيات الحياتية البيتية بقدر ما هي شخصيات شموليه لا تعتمد في تركيبتها على طبخات نفسيه وطبيعية. ولكي يكون هذا المسرح مؤثرا وفعالا باللحمة الجمعية للمجتمع لابد له من ان يتمرد على البناية التقليدية للمسرح وان يخرج خارج معماريتها من اجل ان يلتقي بجمهور لم تسنح له الفرصة ولا الظرف لان يذهب او يرتاد المسرح. إن الغاية من هذا النوع من المسرح هو الانتصار لفكرة او أيديولوجية معينه؛ الانتصار لمعتقد اجتماعي؛ الانتصار لمشروع فلسفي.
لا يمكننا ان نتحدث في مقالنا هذا عن الاخراج والتمثيل بشكل تقليدي عن عمل ” كيف تصبح الكلمات مخابىء”، لان المعاير الجمالية والفنية فيه تختلف بكثير عن المعاير الطبيعية لباقي العروض المألوفة. وذلك لان المؤلف والمخرج آرمون كاتي ومثلما اشرنا اعلاه قد اعتمد على نصوص عدة مختلفة حاول مسرحتها وفقا لرؤيه سياسيه شعائريه استهدفت وبشكل مباشر لا انسانية النظام الأمريكي. اما فيما يخص التمثيل، فلقد اعتمد كاتي على متدربين حاول ان يحصل عليهم من احدى مكاتب العمل التي تهتم بشؤون العاطلين عن العمل من المهاجرين الذين ليس هم بالضرورة ممثلين محترفين او هواة. ولكن لكل قاعدة استثناء والاستثناء في هذا العرض كان ” سمير عبد الجبار ورياض جميل المثليين والمخرجين العراقيين الذين درسوا المسرح وعرفوه عن قرب سوآءا في بغداد او في باريس. ولقد كان لهذين الفنانين دورا خاص في هذا العرض الذي يزعم مخرجه بانه ليس مع الممثل المحترفف، إذ منحه طعما ورائحة طقسية. ففي مشاهد الرقص المقدس للشمس غنى ورقص سمير عبد الجبار مدينته كربلاء بكيفية عزائيه حزينة جمعت ما بين الغناء البدوي والردات الحسينية في ايام عاشور، في حين استنطق رياض جميل الحس السياسي للشعب العراقي وعبر عن حالات النفي التي تعرض لها من الداخل والخارج، هذا الشعب الذي تضرب جذوره في ارض اول الحضارات واقدمها بأدائه بشكل غنائي لأبيات شعريه للشاعر العراقي سعدي يوسف. ولقد كان اداء هذين الفنانين العراقيين وسط مجموعة من الاصوات والالوان الغريبة بمثابة رحلة من الحنان الى الماضي البعيد؛ رحلة يبحثون فيها عن بقايا من الذاكرة الجمعية لشعب ظل طريقه بفعل الحاضر الغامض والمستقبل المفتقد. ولقد رافق هذه المناخات المشحونة بالغناء والقصيد ايقاعات أفريقية ترجمت في ايقاعاتها وحركاتها المتواترة حداء البدو وبحثهم المستمر عن عين ماء صافيه.

مخرج وناقد مسرحي، باريس

muhamadsef@hotmail.com