وليد هرمز: هل تشبه عملية تهجير المسيحيين من العراق بما حصل لليهود العراقيين؟

Walid Hermiz kikah
وليد هرمز Walid Hermiz

سؤال أخذ يُطرح بقوة بعد 2003 في العراق.

إن عُدنا قليلاً إلى سنوات الأربعينات والخمسينات وحتى أوائل السبعينات، وهي السنوات التي شملت التهجير القسري لليهود العراقيين إلى إسرائيل نرى أن عملية التهجير أخذت طابعاً ممنهجاً ومدروساً ومخططاً له من قبل السلطات العراقية منذ أيام الملكية وحتى بعد تحول العراق إلى النظام الجمهوري في العام 1958. كان هناك شبه اتفاق بين دولة إسرائيل والأنظمة العربية بما فيها العراق في المساهمة في عملية تهجير اليهود من البلدان العربية والحجة التي سوِّقَ لها هي أن هؤلاء القوم الذين هم من أصول يهودية أصبح لهم كيان قومي ـ ديني يستدعي ترحيلهم فأسقطت الجنسية العراقية عنهم وبذلك فقدوا كل مقومات المواطنة العراقية فتركوا كل شيء وراءهم ليغادر القسم الأعظم منهم إلى إسرائيل وتم استقبالهم كأبطال، مضطهدين في بلدانهم، عائدين إلى حضن “بلدهم الأم”.
إن كانت الحجة أعلاه لها مبرر “منطقي” في تهجير اليهود من العراق، فما هي المبررات التي تم اختراعها كي يتم ترويع المسيحيين وتهجيرهم بحيث وجدوا أنفسهم مضطرين لترك بلدهم الأمـ العراق ـ والهجرة إلى بلدان العالم المختلفة؟ لقد تُركت مهمة تهجير المسيحيين، هذه المرة، إلى المنظمات والأحزاب، والفصائل الدينية العراقية المسلحة ذات التركيبة الطائفية بلونيها السني والشيعي. قوى خارجة من عتمة الكهوف مستمدة قوتها من السلاح ومن تفويضِ إلهي أُجيزَ لها من خلال نصوصٍ دينية أُخرِجت على عجل ونُفِخَ فيها عبر وسائل شتى. كتبٌ بمجلداتٍ أنيقة الشكل، لكن بنصوصٍ ذات مضمونٍ يُشرِّع للقتل والتصفية الجسدية. كتب “إبنُ تيمية”، “صحيح البخاري”، وغيرها الكثير.
بلدٌ محتلٌ. قوى وأحزاب تأتمر بأوامر الذين احتلوا البلد. ملتحون اعتلوا المنابرَ، واستحلوا الجوامع، وأقاموا الحسينيات. تعددت الحوزات، والمراجع. أصبحت الفتاوى الدينية هي القانون السائد، ومنها تستمد القوى الخارجة على القانون قوتها، وسطوتها، والتحكم بحياة الناس في مشربهم وملبسهم، وحتى الهواء الذي يتنفسونه.

img007 1
في العام 2004، بعد غياب قسري في المنفى لأكثر من ربع قرن، عدتُ إلى البصرة المدينة التي ولدتُ وعشتُ فيها سنوات الطفولة والصبا والشباب. لم أعثر إلا على مدينة خرِبة. أكلتها الحروب، ودمرها الحصار. تعيش في فوضى بعد سقوط النظام الدكتاتوري. كل شيء في البصرة يعمه الخراب. حتى خراب النفوس. في زيارتي هذه تعمدت زيارة بعض الكنائس التي أعرفها منذ الطفولة. التقيت ببعض رجال الدين المسيحيين. كانت الكنائس مهجورة من روادها. استفسرت من أحد الكهنة عن سبب ذلك. كان متردداً بعض الشيء، لكن حين عرف أصولي، وجذور عائلتي المسيحية التي تمتد لمئات السنين في البصرة، أخرج لي من تحت قميصه الأسود منشوراً صادراً عن إحدى المنظمات الدينية في المدينة، ورجاني أن أقرأه كي تتوضح لي الصورة عن بعض أسباب الرعب الذي يعيشه المسيحيون في البصرة. ومما جاء في هذا المنشور حرفياً:
(( إن كل الأديان السماوية، والمسيحية بكل مذاهبها، واليهودية وغيرها، كلها تحرِّم السفور وتردع عنه، وكلها تحرم الزنا واللواط، وشرب الخمر. وليس هناك أي دين يحلله، أو يجيزه… وعلامة ذلك ـ كعلامة بسيطة عند المسيحيين، وكذلك اليهود. سبحان الله ـ إننا نجد النساء المتدينات في دينهن، والراهبات منهن، يلبسن الحجاب.. مع إن نسائهم كلهن سافرات، وكلهم يشربون الخمر، ويمارسون الزنا، ويأكلون لحم الخنزير، فنسألهم هل كان موسى الكليم (سلام الله عليه) يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، أو كان عيسى المسيح كذلك، أنتم تقدسونهم أم لا؟ هم عبرة لكم طبعا، فلماذا لا تكونوا مثلهم؟ أو كان الحواريون كذلك يشربون الخمر، أو يأكلون لحم الخنزير، أو نساء الحواريين غير محجبات، أو مريم العذراء، غير محجبة، ماذا تقولون؟))
img008 1هذا المنشور مذيل بتوقيع″ التجمع الثقافي الشبابي الإسلامي.
 إن مسألة تهجير المسيحيين من العراق باعتقادي مسألة ممنهجة ومخطط لها منذ زمن طويل، شاركت، تشارك فيه قوى عراقية وبغطاء دولي. ماحدث للموصل خير دليل على استمكال هذا المخطط الجهنمي.
الغريب في الأمر، أنه لم يصدر من المراجع الدينية السنية أو الشيعية في العراق أية فتوى تحرم قتل وتهجير المسيحيين من العراق.

وليد هرمز، شاعر عراقي – السويد
hermiz_9@hotmail.com