إدريس المسماري عن رواية نجوى بن شتوان زرايب العبيد

غلاف رواية زرايب العبيد لنجوى بن شتوانفي روايتها” زرائب العبيد ” الصادرة عن دار الساقي 2016، ترتاد الكاتبة الليبية “نجوى بن شتوان” عوالم روائية جديدة على الرواية الليبية والعربية، تخترق من خلالها تابوت اجتماعية وتاريخية في تاريخ المجتمع الليبي، وتشكلاته الاقطاعية ـالعبودية وهي التابوت التي لم يتم الاقتراب منها وقراءة سياقاتها –حتى اللحظة الراهنة – لأنها تمس المنظومة المعقدة لتركيبة العلاقات الاجتماعية للمجتمع الليبي التقليدي ليومنا هذا .بالرغم من ان حكاياتها وقصصها معروفة ومتداولة على الصعيد الرواية الشفهية شعبيا.
مجتمع العبيد والاماء المنفيين في اطراف مدينة”بنغازي” مطلع القرن العشرين والذين يعيشون في اكواخ الصفيح على شاطيء بحر الصابري، في بؤس وفاقة وعوز، تلفحهم شمس الصيف الحارقة، وتميتهم عواصف وبرد الشتاء. ذلك هو العالم الذي تستنطقه “نجوى” بوعي وجراءة تكشف بها – روائيا- عن المسكوت عنه في ذلك المكان الذي يعتبر جزء رئيسيا من تاريخ المدينة.
من خلال قصة العشق التي تجمع السيد محمد والأمة تعويضة نعيش نزيف ذلك الزمان في بيئته العنصرية التي تضع الحواجز والفروقات مابين عالم الاسياد والعبيد، وهي بيئة ترفض أي علاقة ندية بين الاثنين، حتى وأن كان الحب ما يجمع بينهم. للسيد ان يضرب عبده ويعذبه بل وحتى ان يقتله اذ عصى امره، وله كذلك ان يتسرى باماته ويطلبها منهن ما شاء لمتعته ونزواته متى أراد ذلك!!…
ولكن ان يعشق السيد عبدته وتعشقه، فذلك هو الزلازل الذي يموج به عالم رواية “زرائب العبيد” وخلف ذلك الزلازال الذي تدور حوله احداث الرواية نعيش قسوة العالم الذي يعيش فيه العبيد ممن تم اسرهم من أوسط افريقيا وحملتهم القوافل ليباعوا في أسواق النخاسة ليعيشوا بعدها حياة الذل والهوان في ظل الفقر والحرمان والامراض، تجعل من حياتهم اقرب الى حياة الحيوانات، وما تسمية “الزرائب ” التي يعيشون فيها الاء توصيف حي لشكل وطبيعة وجودهم في ذلك العالم اللاإنساني الذي ترصد وقائعه واحداثه الكاتبة، من خلال ما يخبر به “عتيقة” ابن خالتها “فاطمة””علي” من حكاية اسرة والدها وعلاقة العشق التي جمعت بين أمها وابيها، وما تسرده هي”عتيقة عن ما عاشته في “زرائب العبيد ” من بؤس والم وجراح.
تضفر “نجوى ” باقتدار وبمهارة سردية ولغة فنية آسرة، القصص والحكايات الشعبية- شبه المعروفة – عن عالم “الزرائب ” ومدينة “بنغازي ” مع مطلع القرن العشرين في بنية روائية دائرية متماسكة، في فصول تتداخل فيها الاحداث والشخصيات، بتفاصيل حياتها المعقدة والمتشابكة، التكشف من خلالها طبيعة العلاقة مابين عالمي المدينة المتناقضين في شكل وأسلوب الحياة، حتى في ذاخل البيت الواحد، حيث يعمل العبيد في بيوت اسيادهم من البيض.يلبون لهم احتياجاتهم ومتطلباتهم اليومية من تنظيف وغسل وطبخ … الخ و يحق فيها للسيد ممارسة الجنس مع ايمائه باعتبارهن “ملك ايمانهم”. .
في نزوة لممارسة الجنس مع الزنجيات التي يشاع انهن ساخنات في الفراش وبارعات في ممارسته، يطاء محمد، ابن احد كبار التجار والمتزوج – بنت خاله – التي لم تنجب له أولاد ذكور، الخادم “تعويضة ” التي تهيم به ويهيم بها الى حد الجنون، وعندم تشعر امه “للاعويشة” بأن العلاقة بينهم قد تجاوزت حدها المتعارف عليه في علاقات عالم السادة والعبيد، وهو “التسري”، تخبر والده، وتبداء في حياكة مجموعة من المؤامرات والدسائس لنسف تلك العلاقة، من اسقاط حمل “تعويضة”، الى محاولة بيعها في سوق النخاسة، في غياب ابنها في تجارة القوافل، الى تزويجها من احد العبيد المخصيين “سالم”وأخيرا الى تعذيبها وموت طفلها عطشا لحليبها، ومقايضاتها بدين لفقيه الحي في ذمة الحاج احمد الكبير، لتنتهي مسجونة في بيت للدعارة، تفر منه بالصدفة الى “زرائب العبيد ” حيث تحوز حريتها في عالم البؤس والفاقة، في خضم حكاية الحب المأساوية بين تعويضه[S1] وسيدها محمد تتفرع الحكايات عن شخوص، درمة وعيدة وجاب الله وسقاوة وسالم وعلي وفاطمة والفقي وحسين وسالم ومفتاح وجوزيبي/يوسف لكل منهم حكاية تفضي الى حكاية تعويضة /صرية ومحمد لتشكل معا لحمة لحكاية اشمل واكبر هي حكاية “زرائب العبيد” وعلاقة أهلها بالسادة الاحرار من اهل المدينة . ولا يكتمل غنى ذلك العالم بتفاصيل حياة شخصيته وواقعها المر الاء باستدعاء فن الموسيقى والغناء الذي اطلقوه واشتهروا به “المرسكاوي”، الذي تنشج بمواويله واغانيه شخصيات الرواية.
بهذه الرواية الثرية تخطو “نجوى بن شتوان”بثقة واقتدار في عالم الرواية الليبية والعربية وتضع بصمتها الخاصة في هذا المشهد الروائي الكبير.

كاتب وشاعر من ليبيا
arajeenlibya@yahoo.com