عقل العويط عن كتاب “غيمة أربطها بخيط” للشاعر اللبناني عبده وازن

الشاعر مجتازاً الأبواب من غير تهيّب إلى العالم اللامرئيّ

غلاف كتاب عبده وازنغيمة أربطها بخيط”، كتاب الشاعر والناقد عبده وازن الجديد، صادراً لدى “نوفل/ هاشيت أنطوان”، هو اختبارٌ قصصيّ سرديّ كيميائيّ للتداخُل بين عالمَين، أحدهما العالم الحلمي، وثانيهما العالم الواعي، ولتمازُج هذه العالمَين، ولتلاقحهما، وللتزاوُر بينهما، ولردم الهوّة المحتملَة الفاصلة بينهما، في كتابة نصوصية “مفتوحة”، تترك الباب مشرَّعاً على مناطق الحلم، لا في أغوار النفس فحسب، بل أيضاً وفي الآن نفسه داخل أغوار اللغة بالذات.
هل من نوع تنتمي إليه هذه الكتابة؟ لا بدّ أن الصيغة “القصصية” السردية هي الإناء الأسلوبي الذي يحتضن لغة الكتاب. السرد هو اليوم اللغة الأولى في الأدب. أأكون مغالياً إذا خرجتُ باستنتاج “قصصي محلوم” كهذا؟ يمكنني أن أرى الشعر هنا، فاتحاً طريقاً خاصة، مختلفة، عمادها السرد من حيث البنية، وسماؤها الغيوم من حيث العالم اللغوي المخترَع. لغة الكتاب هي هنا سلسة، مرنة، هادئة، مفتوحة، وحالمة. بل أكاد أقول إن حلميتها “واقعية”، “قصصية”، بحيث لا يشعر القارئ أنه أمام ضغثٍ واهم، أو أمام يقظةٍ حادّة، ولا حتى أمام سيلٍ تخييلي. تنكتب الأحلام كما لو أنها تسيل أو تُرى على شريط سينمائي، بالتفاصيل، والوقائع، والشخصيات، والملامح، والاحتمالات النفسية المكثفة، المفتوحة على عالم اللاوعي، بما ينطوي عليه من تعقيدات وتهويمات ومكبوتات واحتلامات، تتداخل وتتلاقح وتتصاهر، لتؤلف عالماً يستشعر المرء “واقعيته” من استحالته المكبوتة أحياناً، وحيناً من الرغبة في حصوله وتجسّده، وحيناً آخر من حقيقته المحلومة.
هذه “السهولة” المتمادية في “رؤية” الأحلام، و”تَذَكُّرها”، ومن ثمّ كتابتها، لا يستطيعها إلاّ الخلاّقون، أي الذين ينتمون في طبائعهم ومواهبهم إلى دنيا التألق الروحي، بما يفترض فتح الباب على مصاريعه كافة لجهة الكفاءة في ردم الهوة المفتعلة التي تفصل بين عالم العقل الواعي وعالم العقل الباطني. هنا يفسح عبده وازن الطريق أمام الباطن، ويسلس له، جاعلاً منه فرساً فالتة في برٍّ شاسع ومفتوح على اللانهائي. يمكنني أن أقدّر، مثلاً، أن في مقدور هذا الكتاب الذي يقع في أكثر من مئتين وخمسين صفحة، أن يصير ألف صفحة، ما دامت السيولة متيسرة؛ أقصد سيولة الحبر النازف من الباطن نحو النفس الواعية واللغة الواعية.
يكشف عبده وازن النقاب في الجزء الاخير من كتابه عن رؤيته “الثقافية” و”النفسية” و”العلمية” لهذه الأحلام، وعن حقيقته معها، وموقفه منها، جاعلاً من هذه المسألة شأناً كيانياً في شخصه، وفي لغته، معتبراً أن الأحلام عنده شأنها شأن التنفس وجريان الدم في الأوردة، ليس من سبيل إلى وقف جريانها. وإذا كان عبده وازن “يعي” أحلامه، و”يتذكّرها”، فلا بدّ في المقابل من أن تفوته أحلام كثيرة تسيل تحت الطبقات الدفينة والعميقة والمظلمة جداً جداً داخل الذات، وهي ستظلّ تسيل هناك إلى أن يتيسّر لها أن تخترق تلك الطبقات. وقد لا يتيسّر لها ذلك البتّة. حتى لكأن الأحلام هي حياة ثانية إضافية يحياها الشاعر، حالماً، واعياً، أو في الضغث، أو في اليقظة الحالمة. ويمكنني أن أذهب إلى أبعد، فأزعم أن هناك حيوات غيمية لا نهائية يحياها المرء لكنه لا يمكنه أن يدرك مرماها، ولا أن ينوصل بها، وإنْ بخيطٍ واهٍ، ملموس أو غير ملموس.
أزعم ان كتاب عبده وازن هذا، يحضّني على مثل هذه القراءة المفتوحة على التأويل. لا يهمّني في هذا المجال أن أتكئ على فرويد ولا على منافسه يونغ، ولا على سواهما من العلماء. وكم كنتُ أتمنى لو أن الكاتب ترك أحلامه وحدها على السجيّة، من دون أن “يعقلنها” في قراءات نفسية. ما أجمل أن يبقى المرء “أميّاً” وهو رهين أحلامه. ترى، أيكون رهيناً في تلك الحال، أم حرّاً، موغلاً في براري حريته إلى حيث لا يصل عقلٌ ولا حتى خيال؟! لستُ أدري. لكن، إذا ارتأيتُ مع علماء النفس أن العقل الواعي لا يمثل إلاّ جزءاً بسيطاً جداً من عالم العقل الكلّي، أفلا يكون في مقدور الشاعر الكاتب أو السينمائي أو الرسّام، أن يجرح الغلالة الشفّافة المترائية بين العالمَين، لينخرط في عقله الحلمي الكامن هناك، و”يستحلبه” ليجعل منه مادة أدبية ولغوية، معبَّراً عنها بوقائع ومعطيات متدفقة “من هناك”؟ أعتقد أن عبده وازن يفعل الكثير من هذا، مثلما يفعل الكثير من غيره، غير مكترث بالتفسير أو آبِه له، مخترعاً عالماً “وقائعياً” فيه من الحقيقة قدر ما فيه من الضغث والوهم والحلم واليقظة الواعية.
لا أضع قيوداً على ما يفعله عبده وازن. فليخترع بأحلامه. لِمَ لا. وليسجّلها. لِمَ لا أيضاً. وليخلط بين الاختراع والتسجيل. لِمَ لا أيضاً وأيضاً. هذه في رأيي مهمة الكاتب الحالم، أن “يكذب”، حيث يصير “الكذب” حلماً أو شعراً أو سينما أو كتابة مفتوحة.
يقرّظني جداً أن أكون الرفيق الثالث مع عبده وازن ومع أنسي الحاج في “الحلم الأخير” الذي عنوانه “أنسي ليس هنا”: “صعدنا أنا وعقل صديقي، الدرج الذي يؤدي إلى الشقة التي يسكنها أنسي الحاج في الطابق الثاني من البناية قرب العازارية في الأشرفية، ولمّا وصلنا رأينا الباب الأحمر مفتوحاً والغرف فارغة، دخلنا فإذا بي أسمع صوت ليلى زوجته تكلّمني، من غير أن أفهم ما تقول. كان صوتها مثل الصدى يتبدّد في البيت. قبل أن أنزل التفتُّ إلى جانب الباب عند العتبة فرأيتُ صورة ممحوّة لقدّيس أو قدّيسة… حين أصبحنا على الطريق أبصرنا أنسي ينادينا بضحكته الأليفة رافعاً يده اليمنى: أنا لم أعد أسكن هنا، ألا تعلمان؟”.
قبل أن “ينهي” عبده وازن كتابة أحلامه، يستشهد بقولَين، الأول لجيرار دو نيرفال: “الحلم حياة أخرى، لم أستطع أن أجتاز من غيّر تهيّب، تلك الأبواب العاجية الصلدة التي تفصلنا عن العالم اللامرئي”، رابطاً إياه بالقول الثاني لأندره بروتون حيث ثمة “نجمة ليس سوى نجمة تائهة في فراء الليل”.
عبده وازن يجتاز، لكن بلا تهيّب، تلك الأبواب العاجية التي تفصله عن العالم اللامرئي. كنجمة تائهة يجتاز تلك الأبواب. فهنيئاً له!

عن جريدة “النهار” البيروتية يناير 2017