عن كتاب “من مسرح المثاقفة الى تناسج ثقافات الفرجة” مقال للمسرحي العراقي محمد سيف

كتاب مسرح المثاقفةصدر كتاب (من مسرح المثاقفة الى تناسج ثقافات الفرجة)، للباحثة اريكا فيشر ليشته، مديرة المعهد الدولي لتناسج ثقافات الفرجة للجامعة الحرة في برلين، عن المركز الدولي لدراسات الفرجة في طنجة، الذي يساهم رئيسه الأستاذ الدكتور خالد امين، ليس في تقديمه وترجمته فحسب وانما في تأليفه أيضا. فالكتاب يتألف من 216 صفحة، ويحتوي على ثلاثة فصول: مسرح المثاقفة، تناسج ثقافات الفرجة، الذي تستعرض فيه النصف الأول من القرن العشرين الذي اعتبرته نقطة انطلاق لتطور المسرح، حيث تتساءل من خلال صفحاته، عن مدى (تحقق العلاقة المثمرة بين مسرح ثقافة ما وعناصر من تقاليد مسرحية غربية وظائف محددة، قد تكون ذات جدوى حينما تقارن مع بعضها البعض؟ أم ثمة هنالك طرائف متشابهة لمقارنة العرض المسرحي لتؤكد وحدة ثابته قد تجعل من مقارنة خذه الظاهرة مفيدة وذات جدوى؟) (ص61). ومن اجل الإجابة على مثل هذه التساؤلات، لا بد من الرجوع الى مسرح القرن العشرين الذي حاول إعادة الاتصال مع الأصول المسرحية المزالة منها الصفة البرجوازية، والعودة إلى الأساس، انطلاقا من الثورة التي قام بها الرمزيون والسرياليون، واكتشاف الأشكال الدرامية الغريبة التي ساعدت على تطوير الأبحاث المسرحية، وقيادتها نحو أشكال جديدة ذات جماليات متنوعة عالية، مثل، وضع جسد الممثل على المسرح الذي صار يشبه إلى حد كبير جسد الراقص، بفضل اللعب بالإنارة الذي أعطى قيمة إلى الحركات التي يقوم بها، أثناء انتقالاته، وتعبير وجهه، وعمل المخرج الذي أصبح متفوقا، سواء في قيادة الممثل، أوفي بحثه عن (تطابق الهوية)، وفقا لمنهج ستانسلانفسكي، أوفي تنظيم الفضاء، والإضاءة، والصوت. مستوحيا نظريات كوردن كريك، التي تبناها جاك كوبو وأدولف آبيا في محاكاتهما للبساطة، والتجريد، والأسلبة. ومع اكتشاف المسرح الشرقي من خلال قدوم فرقة مسرح بالي في عام 1931 إلى باريس، التي أثرت كثيرا على أتنونين أرتو وتركت انطباعا قويا عليه، وكذلك مسرح النو الياباني، ومسرح خيال الظل في الدراما السنسكريتية، اكتشف المسرحيون الأوربيون لغة جديدة دعتهم لأن يعيدوا التفكير في مسرحهم وفي الوهم المستخدم فيه. وإلى جانب نظريات آرتو في تثوير المسرح، كانت هناك الثورة البريشتية، التي غيرت بدورها اتجاه فن الإخراج تغيرا عميقا في العالم كله، التي كانت المتأثرة برينهارت وبالمسرح الشرقي. فالمسرح بالنسبة لهذا الأخير، ينبغي أن يكون (مرآة لثقافة الشعوب)، وأن يتجنب ترك المشاهد أن يكون مجرد مستهلك للعرض بشكل سلبي. ومن أجل كسر الوهم المسرحي، لا بد من تقطيع المشهد باستمرار، مثل مشاهد المسرح الصيني، من خلال كسر الفعل، بواسطة الغناء، والكولاج وإدخال الرموز باستمرار. مثلما ينبغي على المسرح، أن يجعل الأمور العادية تكون غير عادية وغير متوقعة، لأجل محاكمتها بنظرة جديدة. لقد كان الهدف من وراء التحولات العميقة التي عرفها المسرح الطليعي الأوربي هو: (دحض كل ما هو أدبي واقعي نفسي في مسرح الوهم. مما أثر بشكل مباشر في وضعية النص الأدبي واللغة الدرامية، وفن الأداء، وتصور الفضاء المسرحي …) (ص63). وهكذا تأسست الوظيفة الجمالية للمثاقفة في المسرح المعاصر على إعادة احياء الاشكال المسرحية التقليدية، وإعادة خلق المسرح نفسه، وذلك من خلال ارتطام الثقافات ببعضها وتداخل اشكالها المسرحية الخاصة، وتغير مفرداتها الاجتماعية، وهذا ما اكسب المسرح تقنيات جديدة، ورؤى مختلفة وأساليب جديدة طرحت أسئلة كثيرة حول مفهوم الهوية والهيمنة الثقافية والانصهار في بوتقة الحضارة الغربية، وكيف مسرحة المسرح الغريب كأفق للتحول (ص75)، وبالتالي كيف افرز النص الأجنبي تحولا عميقا في الشكل المسرحي التقليدي وجعله منتجا، من خلال عملية إعادة إحيائه من جديد ليتلاءم مع حاجيات الحالة الاجتماعية المتغيرة باستمرار. ثم تناقش اريكا فيشر، موضوع التغير في المسرح الناتج عن التلقي المنتج (ص87)، وتبحثت عن المسرح الجديد، من خلال إعادة المسرحة بوصفها تلقيا منتجا لمسرح الشرق الأقصى (ص93)، بتحليل وظيفة ومعنى التلقي المنتج لمسرح الشرق الأقصى بهدف تطوير شفرة مسرحية جديدة، وكيفية إعادة ترتيب العلاقة بين الخشبة والجمهور(ص99)، مسلطة الضوء على تجربة مايرهولد في هذا الجانب الذي يعتبر المتفرج المبدع الرابع، وكيف تمكن مايرهولد من إعادة النظر في العلاقة بين الخشبة والصالة، بالإضافة الى نقل الخاصية المهيمنة من التواصل الداخلي إلى التواصل الخارجي، ثم تتطرق الى الحالات المختلفة للوجود البيني، استنادا الى ما ورد في كتابها الأخير (جماليات الأداء: نظرية في علم العرض)، وارتهان الفرجة بفعل تلك الحالات التي تتحقق عبر الحضور الجسدي للمؤدين والجمهور. فالجمهور يتأثر بكل ما يصدر عن المؤدين، ويتأثر بدورهم بردود فعل الجمهور(ص119)، وبعد موضوع تناسج ثقافات الفرجة، تنتقل بنا اريكا فيشر الى فصل حوار المثاقفة المسرحية بين الشرق والغرب، من خلال مناقشة أفكار كل من الباحث الهندي رستم باروتشا والباحث الدكتور خالد امين في عملية اثراء الجدل حول مفهوم المثاقفة.

خالد امين
خالد أمين

لقد استعارة وتبنت أريكا فيشر مصطلح مفهوم تناسج الثقافات من يوجينا باربا، الذي لم يهتم كثيرا بفهم الثقافة الأجنبية وإن ما يشغله فيها هو السلوك اليومي الغريب الذي يغيره بدوره من خلال مَنْتَجَته حركيا على سبيل المثال، كما فعل في مسرحية “فاوست” “لغوته” عندما جعل الراقصتين الهندية واليابانية تعتمدان الارتجال في أدائهما، فبدت الثقافة الهندية هامشية، بارتكازه على نموذج رقص (الاوديسي)1 الذي اشتغل عليه (سنجكاتا بنكرافي) بقوة انطلاقا من الارتجال أيضأ. وقد اشتغل الدكتور خالد أمين على مفهوم التناسخ الذي تبنته اريكا فيشر، ونحت مفهومه في الأوساط المسرحية العربية، من خلال دخوله إلى مفهوم التناسج من باب الهجنة والنقد المزدوج، الذي تقر به أريكا فيشر نفسها عندما تقول: ( في الوقت الذي يظل فيه مصطلح ‘مسرح المثاقفة’ أو حتى ‘فرجة المثاقفة’ محاصرا داخل تناقضات معيبة، يشير مفهوم ‘تناسج ثقافات الفرجة’ إلى تنظيرات استشرافية تروم تجاوز أفق تنظيرات ‘ما بعد الاستعمار’، وذلك من خلال الانفتاح على وجهات نظر أخرى بخصوص الأداء/ الفرجة مع الأخذ بعين الاعتبار دائما ‘النقد المزدوج’ كما طرحها الباحث المغربي خالد أمين؛ حيث انطلق أمين من فكرة عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي الذي طالب بـ ‘سوسيولوجيا ضد الاستعمار’ في العالم العربي مبنية على نقد مزدوج). وهذا ما يمكن أن نلمسه بشكل جيد، من المقدمة الطويلة التي وضعها خالد امين لكتاب أريكا فيشر، كمدخل معرفي للعديد من المفاهيم التي وردت بالكتاب، انطلاقا من مصطلح الهوية الذي يعتبر مدخلا أساسيا لفهم مفهوم المثاقفة ودلالته، لأنه بقدر ما يبدو مصطلحا اشكاليا من حيث معناه الذي حاولت من خلاله الشعوب منذ بدا البشرية، المحافظة على تميزها اجتماعيا واثنيا وثقافيا، بقدر ما نجده اليوم يفقد ثباته بانصهار معناه في الاشكال الهاربة والمهاجر، والقابلة للتحول وغير المستقرة، وخاصة في مجال المسرح، لأن هذا الأخير مثلما يقول خالد امين: (من أكثر الفنون المقاومة لمنطق القار والمتجانس والمطلق) (ص 13)، فهو فضاء متحول ومتغير ويأخذ دائما وجوها جديدة مثل المدينة تماما.
إن ظاهرة المسرح في العالم هي تواصل أكثر مما هي صراعٌ. وإن المسرح هو حقلٌ للتبادل الثقافي حيث يستقبل المتفرجُ ثقافة الآخر وتجاربه وإرثه وديانته، دون أي نزعة عنصرية أو تفاضليّة. فالمسرح نقيضٌ تماما للسياسة وانتفاعاتها ورهاناتها الآنية والضيقة في أفقها. وحينما يستقي (بروك)، و(منوشكين)، و(باربا) وغيرهم من المجرّبين المسرحيين من الثقافات الأخرى، وبالعكس، فهذا يعني أنّ العالم في حاجة ماسّة لحوار ثقافي مستمر. ولكننا نرى أن اريكا فيشر تنتقد روبرت ويلسون الذي يقدم بموجبها عناصر من ثقافات مختلفة تماما،، ثم ينتج صورا من دون معاني مسبقة، وتنتقد ايضا بيترك بروك في تغنية بزمن “المسرح الكوني”، وباختيار عناصر قابلة للفهم والتداول من جميع الثقافات. وعدم اهتمامه بالهويات الثقافية المحددة، لتوقه نحو ما هو كوني، (أي التجانس الإنساني في كليته بعيدا عن الاختلافات المحددة)(ص79). وتتساءل بخصوص تحقيق الرغبة الكونية التي من شأنها ان تلغي مطالب الهوية الخاصة للثقافات غير الغربية وغير المصنعة وانصهارها في “ثقافة مركزية” مهيمنة وهي الثقافة الغربيةـ تقول: (هل هي احدى سبل مقاومة الإمبريالية الثقافية ؟ أم على العكس، فرصة ذهبية لإحياء الإمبريالية الثقافية والاستغلال الثقافي) (ص80).
إن هذا الغموض والالتباس الذي واكب مسار عملية التناسج الثقافي، والانفتاح على الآخر، وامتزاج الهويات والثقافات وانصهار بعضها ببعض وهيمنة الواحدة على الأخرى، جعل الدكتور خالد أمين يشرح في مقدمته، مفهوم “المثاقفة الذي يشير في (دلالته على التفاعل بين ثقافات مختلفة في التأثير والتأثر، وفي التمثل والتبادل؛ والتثاقف، الذي هو في ابهى تجلياته وصفا وسعيا نحو الانفتاح على الآخر من دون الانصهار في ثقافته، وإبراز الذات من دون انغلاق مطلق) (ص14). لكي يلقي الضوء من خلال ذلك على الالتباس الذي حدث في أوساط البحث المسرحي الدولي، الذي اصبح يرمز بموجبه الى مثاقفة مهيمنة اكثر منها تلقائية ومتكافلة، مستعرضا آراء كل من الفيلسوف الكندي شارلز تايلر الذي يميز بين interculturalism( اندماج المجموعات الثقافية) وبين multiculturalism الذي يؤدي الى وهم وعزل وانكفاء ثقافات بعض المجموعات وصراعها مع الآخر، مما يثير العنف لدى جميع الأطراف في تدافعاتها الهوياتية، وهذا ما يسميه عبد الكبير الخطيبي وفقا لاستشهاد خالد أمين: بـ “الهوية العمياء” أو “الاختلافات المتوحشة”2؛ مثلما يلجأ إلى آراء حسن حنفي في تناوله موضوع إشكالية المثاقفة الشائكة، الذي تعني “القضاء على الثقافات المحلية من اجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها وهيمنتها على غيرها”؛ وانتقاد عز الدين مناصرة، لإستعلائية المفهوم الأوربي للمثاقفة، في ” الاخضاع من طرف واحد، والقبول بالخضوع والتلذذ به من الطرف الآخر”3. هذا بالإضافة الى العديد من الآراء واساءات دعاة النموذج الارشادي الذي صاغه الليبيراليون الجدد مثل برنارد لويس وصمويل هنتنتون تحت شعر “صراع الحضارات، واستعمال مقولة الشاعر الإنكليزي روديارد كبلنغ التي اطلقها نهاية القرن التاسع عشر “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيان”، في حين تنص قصيدة كبلنغ على شيء مغاير تماما مفاده” لا يوجد هناك شرق ولا غرب” في لحظة اللقاء الحاسم بين “الرجال الأقوياء” […] كما لا يوجد تحديد علمي دقيق للتقسيم الثقافي(شرق/غرب) أو حتى الاقتصادي (شمال غني/جنوب/فقير)(ص18). يشير خال امين من خلال ذلك، الى عدم دقة مقولة صراع الحضارات، وعدم براءتها، ويعوضها بمقولة محمد عابد الجابري التي يجدها اقرب الى الدقة: (ان العلاقة بين الحضارات امس واليوم ليست علاقة تصادم بل علاقة تداخل). لا سيما ان مشروع التناسج الذي تدافع عنه اريكا فيشر ينبذ مبدأ “صراع الحضارات ( كأفق عدواني لا عقلاني، نبذ يتجاوز مسألة حوار الحضارات الى البحث عن انجع السبل لتحقيق توازن المصالح في صناعة الفرجة المنتمية الى جميع الجغرافيات الثقافية من دون إلغاء الاختلافات) (ص 19). وعليه، يمكن القول إن المثاقفة المسرحية أيضا لها جانب سياسي لا ينبغي تجاهله؛ وهو مرتبط بالعلاقات السلطوية بين الثقافات (اريكا فيشر ص 80). ثم ينتقل بنا خالد امين الى مسرح المثاقفة وهيمنة النموذج الغربي، التي اثار الكثير من الآراء والاهواء، التي استطاعت الباحثة اريكا فيشر ان تستقرأ بحوثه من خلال أيضا، جهود وآراء الباحثان رستم باروتشا وخالد امين نفسه، في الفصل الأخير من الكتاب.
إن المسرح انعكاس للعالم، انه مثلما يقول هاملت شكسبير، يجب أن: (لا يتخطى حشمة الطبيعة. فكل مبالغة في القول والحركة إنما هي نابية عن التمثيل، وما هذه الــــغاية مـــنذ البدء حتى اليوم، إلا أشبه بإقامة المرآة أمام الطبيـــعة، لكي تعكس للفضيلة محيّاها، وللزراية صــــورتَها، ولجسد العصر والمجتمع شكله وأثــــره)4. ولكن فن الانعكاس، معقد، ويحتاج إلى اشتــغال تطهيري. فالواقعي يعيش بشكل سيئ على المسرح. وإن المسرح، ليس أكثر من الرسم، في تصويره الفوتوغرافي للواقع، وإن العالم المُستحضر الأنيق يضع المتفرج نفسه في تساؤل وجودي. وإن اللعب الدرامي، منذ بداياته، سواء في الشرق أم في الغرب، كان دائما أنيقا، وبمقدار ما عرف الفن الشرقي قليلا من التطور، بمقدار ما مرّ المسرح الغربي بسلسة من التحولات، وقام بتأثيث أناقة الواقعية. وهذه واحدة من مميزات فنون المكان: لقد كانت العروض المرئية القديمة مؤثثة بشكل أنيق، لذلك لم تصبح العروض من الناحية البلاستيكية واقعية إلا متأخرا.

الهوامش

1= إن مصدر رقص الاوديسي هو الاوريزا الواقعة في شرق الهند، وهو مستوحى في الأصل من عبادة كرشنا. وإن مبدأ هذا النوع من الرقص يتأسس على “التريبانج” الذي يقسم جسد الراقص إلى ثلاثة أجزاء: الرأس، النصف الأعلى من الجسد والجذع. إن حركة هذه الأجزاء الثلاثة معا هي التي تمرر العواطف والتعبيرات الإيحائية المراد تقديمها. انه رقص صعب ومعقد ويحتاج الى دقة وعناية من قبل الراقص.
2= عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، منشورات الجمل.
3= عز الدين المناصرة، المثاقفة والنقد المقارن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996.
4= شكسبير، مسرحية هاملت، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، العراق 1986،، وزارة الثقافة والأعلام، دار المأمون للترجمة والنشر، صفحة 99-100.4

محمد سيف، باريس
muhamadsef@hotmail.com