“العري” قصة قصيرة للكاتب العراقي يحيى الشيخ

painting by Yehya al Sheikh
painting by Yehya al Sheikh

بصعوبة كبيرة أقنعت أهلي بفكرة الالتحاق بأكاديمية الفنون الجميلة، وكان عليَّ بالمقابل أن أوفر ما يلزم لدراستي وتحمل مسؤولية قراري هذا. الأقسام الداخلية للطلبة في بغداد، مخصصة لأبناء المحافظات. كان هذا اللقب “أبناء المحافظات” وحده كفيلاً بالإطاحة بالمرء إلى أسفل السافلين. وكنتُ واحداً من أولئك. ولكن مع أنّي أحمل هذا اللقب بجدارة، لم أحظ بمكان في الأقسام الداخلية.
توجهت بطلب المعونة من خال لي يقيم في بغداد منذ شبابه، تزوج من حسناء بغدادية عريقة، وأنشأ ثروة يحسب لها حساب. ليس لدي ما يفي بطبيعة ثروته، أو مصدرها، غير أنّي أعرف تاريخه الآخر فهو خالي وقد أسكنني عنده. أليس هذا كافيا ليسكت المرء عما لا يعنيه؟ كان خالي يسكن في قصر وسط بستان كبير على ضفة النهر. في طرف البستان بمحاذاة السياج الخلفي حيث أسكنني، غرفة كبيرة مستطيلة، طويلة أكثر من اللازم، تضم حماماً وزاوية مطبخ، كانت مخصصة للخدم الذين لم تعد حاجة لهم. للغرفة باب إلى الخارج عبر السياج، وباب إلى داخل البستان، بينها وبين القصر ممر طويل تكلله أشجار حمضيات وتين، يظللها نخيل عملاق، على جانبها الشرقي حوض سباحة، وعرائش تحتضن ظلالاً سرية، خشيت من إطالة النظر اليها أول مرة، وفي كل مرة.
كان لحياتي الخاصة المستقلة الجديدة في هذا المكان وفي العاصمة مذاق لم اجرّبه من قبل. رتبتُ الغرفة وخصصت زاويتها القريبة من النافذة للرسم، غير هذا لم تبخل عليّ عائلة خالي بما يلزمني من أثاث ولوازم معيشة، وأهمها أن أعيش في منأى عنهم، ويكون الباب بيني وبينهم مغلقاً طيلة الأيام. أذكر أني زرتهم مرة في العيد الكبير ومرة في العيد الصغير، وكنت ضيفاً خفيف الظل… لا غير.
يلتقي أبناء المحافظات مثل سرب غربان في أماكن معروفة باتت حكرا لهم؛ في المقاهي الشعبية والبارات الرخيصة وفي الشوارع الخلفية المكتظة للمدينة. أغلبهم كان يسكن جماعات في شقق مخصصة للعزاب، لها وضع استثنائي، وعادة ما تكون في منأى عن السكن العائلي. إلى هذه الشقق تسعى بائعات الهوى لإشباع نهم العزاب والتقاط الرزق.
حدثني صديق من مدينتي يسكن هناك، عن فتيات يترددن على شقتهم، ودعاني لزيارتهم والاستمتاع معهم. لأكثر من سبب لم أكن مرتاحاً لممارسة الجنس مع العواهر، كان لدي تصور شديد الوطأة عن قذارة وشعور بالقرف. لكني استجبت لدعوته وزرته يجرني فضول قوي إلى المكان. استقبلني ببشاشة وكان ثملاً:
“انت محظوظ… جاءتنا فتاة تشبه مريم العذراء في الصور الكلاسيكية، التي شاهدتها عندك”.
“انت تعرف أني لا أطيق هذا… جئت لأراك فقط”
“لا تتعالَ… أرجوك!”
“صدّقني جئت لأتعرف على حياتكم لا غير و …”
“رح للسينما أفضل…”
قبل أن يكمل جملته، خرجت برداء داخلي قصير فتاة لا تتجاوز العشرين، شعرها كثيف يغطي اكتافا عارية لم يكتمل عودها، لم يجرب الزمان عليها اعباءه، ينساب عليها بخصلات هوجاء تتدلى حتى صدرها، وتغطيه. وقعت عيناي في عينيها، فغمزت لي:
“هذا الحلو… متى يدخل؟”
” أشكركِ، لا رغبة لي”
وهي تمسح رقبتها، كانت عيناها تصطاد الحروف من فمي، ثم فتحتهما على سعتهما فأكلتا وجهها كله، أو هكذا بدتا لي، تبسمت بما يشبه مرارة الفشل، ودلفت إلى غرفة أخرى.
بعد أيام التقيتُ صاحبي، وعادة يتذكر الناس لقاءهم الأخير، ما تم فيه وما كان يعوزهم قوله في حينها وفاتهم الوقت، وما اختمرت في اذهانهم من أفكار بعده. يعني: العودة إلى الماضي، فهو جميل دائماً وجاهز وتم تقدير حالته، فلا قلق منه غير الندم على فواته بسرعة… الحاضر لا يمنح نفسه كلية، والمستقبل سرابي الرؤيا. قال لي صاحبي أنّ الفتاة “سعاد”:
“سألت عنك”.
“ماذا يعني انها سألت عني؟”
“قالت: أين الحلو؟”
“اسمع! مادامت كذلك فدعني افاتحك بأمر، أنا بحاجة لموديل عارٍ… هل يمكنك اقناعها للجلوس لبضعة ساعات من اجل الرسم، الرسم لا غير، وسأدفع لها ما يمكنني… وأنت تعرف حالتي”.
لم أر صاحبي بهذا الوجه من قبل، وكأنه يتعرف عليّ لأول مرة.
” ما من مشكلة ابن خالي، اشتغل لك قواداً فنياً بالمجان”
ضحكنا واخذتنا الشوارع إلى حتف الليل.
انشغلت بامتحانات الفصل الأول ومجموعة كبيرة من الواجبات ومشاريع الرسم، ونسيت متابعة صاحبي، الذي أطلقت عليه لقب “قواد فني”. لكني كمن القى سنارته في الماء، عليه ان يتابع نبض خيطها، سواء علقت فيها سمكة أم طحلب أم هواء. فذهبت إلى شقته وكلي يقين أني ألقاه أو القاها هناك، لكن كفة اليقين رجّحت أن القاها. الشعور بالوهم أعمق من الشعور بالواقع مادام الخيال يشتغل، وكأنه يستحضر الأرواح.
في السلم الصاعد إلى شقتهم، سمعتُ حذاءً بكعب عال يهبط بوقع متراخٍ، مهملٍ، لا تعنيه السلالم، لا يعنيه الجسد الذي يحمله.
“سعاد … مرحبا!”
جفلت مثل طفلة تُفاجأُ متلبسة… عيناها الواسعتان أخذتني إلى متاهة.
“ها… الرسام الحلو”
“هل بلّغك عن حاجتي؟”
“نعم… دعنا نمشِ… ونتكلم”
على الرصيف اخذت ذراعي كما لو كنت أخصها وحدها، احتوتني دون ارادتي، دون إرادة العالم. كانت بحاجة لتستند على انسان ما.
“ما اسمك؟”
“رسن”
“رسن… يعجبني اروح السينما… خذني!”
التفتت إليّ، كانت عيناها تحرثان اعماقي… تلعثمت، فاكتشفت حيرتي، وبادرت بفرح:
“أنا أدعوك …”
لم أفهم من الفيلم شيئاً، وكنت في ضيق شديد، ويبدو أنها شمت رائحته في انفاسي:
“تعال نخرج!”
حالما استقبلنا الشارع سمعتُ أنفاسها العميقة، كما لو أنّها خرجت من بئر.
“فيلم سخيف… تعال نتعش!”
طأطأت برأسي وسحبت ذراعي لأهرب، فأمسكتني بقوة:
“أنت ضيفي لهذا اليوم، أرجوك!”
لم أكن قريبا من هذا المكان يوما، ولم أتخيّل حين دلفت الممر ماذا وراء البوابة الخشبية التقليدية البغدادية المفتوحة بثقة الضيف بمضيّفه. استقبلنا نادل وسيم الابتسامة، نظرت اليه مضيّفتي بتعالٍ، وطلبت منه مكاناً لاثنين. لم استسغ الطعام، واربكني عدد السكاكين والملاعق والشوكات على اليمين وعلى اليسار. أخذتُ خبزة وغمستها في سائل كان على طرف الاناء واكلتها. يبدو أنّها كانت تراقبني، توقفت عن ابتلاع لقمتها، وجمّدتني بنظرة لا معنى لها، ونادت النادل:
“عندكم باجة”
“نعم!”
“اجلب لنا اثنين … وأفرغ الطاولة”
وأشارت بيدها بما يعني؛ أرفع كل شيء… أكلنا مثل ذئاب في صحراء، بعثرنا عظام الفك والرأس والأسنان كيفما كان. مصصنا اصابعنا وخرجنا ننفخ الهواء.
“تعال نشرب شاياً عند الحضرة”
عند سور الحضرة، كان رجل يفترش الأرض وامامه موقد صغير عليه بعض دوارق معدنية سخِمة، تحيط بالرجل صفائح معدنية صدئة للجلوس. جلسنا وقدم لنا الشاي كما لو كنا في بيته، ولم يرفع عينيه على “فتاتي”. شربنا أكثر من قدح بمتعة عميقة، واتفقنا على مواعيد لزيارتها وما ادفعه لها مقابل ذلك. نهضنا لنغادر، مدت يدها لتدفع الحساب، نظر الرجل في عيني يطلب النجدة؛ هل من المعقول أن تدفع امرأة عن رجل في ظل الحضرة؟ ابتسمتْ له ووضعتْ مبلغاً مجزياً على المقعد، وسبقتني.
اخذنا عربة اجرة، اوصلتني إلى بيتي، وواصلت هي طريقها.
دأبت “سعاد” تأتيني كل جمعة. تجلس عارية كما أطلب منها، بصبر يفوق ما للحجر. في الأشهر الأخيرة، أخذت تقضي ساعات أطول مما اتفقنا عليه، وتقوم بتنظيف المكان، وقامت أكثر من مرة بأعداد طعام الغداء. أكثر من مرة دخلت لتستحم وطلبت منشفتي… أمسى بيننا خبز وملح وساعات نمو أفكار ونظرات، أخذت الطفولة تعود لابتسامتها. كنا نخرج أحيانا إلى ما نحبه من سينما أو مقاه، او نزهة على الشاطئ. عرّفتني على اسمها الصريح “خولة عبد ريه” وأهم مفاصل ومنعطفات حياتها، حدثتني عن المرأة التي اسقطتها في الحضيض. ولم أكن راغباً بهذا، ولكني تركتها تعترف حتى غسلت قلبها، بكت وتنفست بعمق. عبر حديثنا عن الأفلام ورواياتها تعرّفتُ على افكارها في الحياة وحساسيتها الفطرية للأدب، للفكاهة، وحبها بالمسرح، سألتني مرة:
“رسن! هل أنا امرأة قذرة في نظرك؟”
“لا، لا أشعر بهذا”
“لماذا لم تلمسني، ألا تشتهيني؟”
“أتمنى أن تصدقي ما أقوله… أنا لا أرسمك فقط، أنا أخلق منك نموذجا أسمى من حاجتي لافهم نفسي، فكرة أسمى مني ومنك، أنا أعيد صياغة ذاتي من خلالك… أسعى لاستيعابك”.
لا أعتقد أنّها فهمت جملتي الطويلة، المركبة، الذاتية، غير أن رعشة اهدابها وحركة شفتيها كانت تنم عن رض ساذج، عن يقين بمقدس يُسمع مرة واحدة ولا يجيز الشك به.
جاءت العطلة الصيفية، وكان لزاماً عليّ السفر إلى أهلي. في حضن المكان الأم كما في حضن الأم لا يتمنى المرء غير النسيان وشم رائحة العواطف البكر يحملها إليه نهر عريق بلا منة. جاءتني رسالة منها مذيلة بعنوان لا اعرفه: (خولة عبد ربه، خياطة الرافدين، البتاوين، بغداد).
” عزيزي رسن
لا بد أنك في متعة عجزت بغداد بكل مغرياتها عن توفيرها لك، وهذا يسعدني تصوره، واتخيلك بين اهلك مثل بطل اسطوري عائد من غزوة في غابات الأرز، يحدثهم عن معاركه مع الوحوش الضارية… يا ليتهم يعرفون كم كنت بائساً ووحيداً.
أكتب لك باسمي الصريح خولة وليس سعاد، التي تعرفت عليها وهي تمسح عرق الرجال عنها، يوم كنت تخجل من النظر في عيون النساء الموبقات.
لا أخفي عليك سراً كتمته طيلة الأشهر الماضية، أنّى سُحرت بك، بصفاء عينيك، التي كشفت لي نقاء روحك.
كنت اتأملك كما كنت تتأملني وترسمني، كنت أفكر بك، اتمناك، أنا التي فقدت كل رغبة بالرجال.
هل تذكر حين طلبت مني أن ارفع شعري عن نهدي؟ كنت أتمنى لو جئتني ورفعته بنفسك.
كنت أتمنى لمسة أصبع منك تعير جسدي كرامة وتزرع فيه حرارة فقدها.
ستضحك مني ولاريب، كانت اصابعك تثيرني، كنت أفكر بها تحصي مساماتي، تمرح على جسدي، تتلمس أنوثتي، ليس على الورق، بل بالواقع.
لم أكن اسيطر على عينيك اللتين كانتا تحرثانني، وكان هذا يبث فيّ شعوراً بالجمال والعظمة؛ أنّي مع رجل يتمكن من ايغال روحه عبر النظرات، عبر الانفاس المتلاحقة التي كنت تزفرها فيّ من بعيد. معك استرجعت شرفي، شرف الانسان.
لا يفوتني الاعتراف بين يدك، من أنّي لم أفهم جملتك الطويلة التي القيتها علي، حين سألتك كيف تراني… سمعتها منك كما اسمع قولاً يؤخذ كما هو بلا فهم. انتظر منك حل طلاسمها.
أدرك الآن كم كانت الحياة ضنينة عليّ وكم كنتُ بحاجة لإنسان مثلك إلى جانبي، لكني سعيدة بك وأنا بعيدة عن العالم.
خلال الأشهر التي قضيتها معك كنت انظر في مرآة نقية بلا زئبق، هما عيناك، فتعرفت على نفسي.
لم اخبرك في وقتها أني تركت العمل الشاق الذي كنت امارسه، وعدت اشتغل في معمل الخياطة مع عمي الذي حدثتك عنه. وما اخذته منك اشتريت به هدية بمناسبة نجاحك، تركتها لك في بيت خالك.
إن عدت لي سيكون الله قد استجاب لتوبتي وبكائي وتضرعي. وإن لم يكن سأنتظرك بلا صبر حتى أخر العمر.
خولة… التي لن تنساك “
قرأت الرسالة مرات ومرات، ليتأكد غبائي، كيف تعاملت معها كما اتعامل مع التماثيل التي نرسمها في المرسم؟ فكتبت لها:
” خولة…
انتظرت أياماً لاستوعب المسافة التي قذفتني عبرها رسالتك. ولا املك ازاءها غير ان أوضح لك ما كنت أكنه ازائك خلال أشهر علاقتنا.
كان يومي الأول معك من أقسى الايام في حياتي وكنت أتمنى لو شقت الأرض وابتلعتني؛ أن تصرف عليّ فتاة مما تجنيه من شقائها. لهذا كان مشروع رسمك هو ايفاء بالدين الثقيل الذي غرقت ليس بمبلغه بل بمعناه. لم أكن في نية معاشرتك، بالرغم من تحرك مشاعري بهذا الاتجاه غير مرة، انما كان هذا سيفسد كل شيء، ويفسدك أيضا.
كان جسدك السلس، بمثابة مهبط للروح، وحقل لتضاريسي على الورق. كانت انحناءاته وخفايا ظلاله مبعث فرح، وعاطفة واشواق كنت اعالجها بصبر وحرقة. هناك كنت تسمعين انفاسي التي تذكرينها في رسالتك. لا أخفي عليك كنت أحترق، وأُغالي بالصبر.
أتذكر ابتسامتك حين طلبت منك رفع خصلات شعرك الفاحم عن نهدك، قلتُ مع نفسي أنّها تعتقد أنّى بحاجة لمتعة النظر اليها. في الحقيقة كنت ابحث عن الحدود الضبابية الغائبة للحلمة وهي تذوب في استدارة النهد، فهي لديك مثل بقعة لون مائي وردي على ورقة مبّتلة. كنتُ أتأمل مرؤةً عاريةً، وحليباً مقدساً.
لابد أنّ أمري أثار عجبك، وكان يثير عجبي أيضاً، كيف تمكنتُ من لجم عواطفي والهيمنة على حواسي إلى هذا الحد. كيف أمكنني تحويلك إلى قيمة خارج جسدك، وانظر اليك كمعنى مجرد لجمال راودتني، لأكثر من مرة، فكرة السجود امامه.
لا أخفى عليك كنتُ امارس خلال الجلسات واجبَ ترويض نفسي، وترويضك أيضاً. لا يمكنني تحديد بواعث ثقتي وايماني بك، لكني الآن أقولها بصوت مسموع، أنّي أؤمن بك. أؤمن بروحك وأقدسك، فقد رفعتني إلى مقام يعجز عنه الأنبياء.
فرحت أنك تركت مهنة الشقاء والعودة للعمل في الخياطة، واعدك بمجموعة تصاميم لأزياء كنت اعددتها للدراسة.
لن أدعك تنتظرين طويلاً “بلا صبر حتى آخر العمر” كما تكتبين، سأقطع اجازتي وأعود…
المخلص لك… رسن”

رسام وكاتب عراقي، النرويج
alsheikhyahya@gmail.com