فصول من رواية “شام” للكاتب السوري منير المجيد

Monir Almajid for kikah magazine 2017
منير المجيد Monir Almajid

كانت سلالة كاملة من الموسيقيين والمغنيين المصريين قد ماتوا خلال السنوات القليلة الماضية، والحياة الثقافية في البلاد كانت تتراجع وتصبح أكثر تفاهة بسبب استحواذ التلفزيون على إهتمام الناس، ببرامج رديئة ومسلاسلات أكثر رداءة، حينما تركت تدريس مادة الفنون في ثانوية عربستان، ذات الثانوية التي حصلت فيها على البكالوريا قبل أقل من عشر سنوات. كنت مرتاحاً، من جهة، لأنني تخلصت من رائحة ضراط وفساء وقذارة أجساد وثياب التلاميذ التي كانت تملأ غرف التدريس في أشهر شتاء القامشلي القاسية، وهذا وحده كان كافياً ليبعث في الجنون، وقلقاً، في الجانب الآخر، لأنني ذاهب لأداء الخدمة العسكرية.
لم أسمع أحداً يتذكرها، ممن خدموا، بحنين، كما نفعل عادة حينما نتذكر الأحداث التي مرت في حياتنا.
كان يوم صيف قائظ، حينما سلّمت أوراقي، مع مئات من شبان في عمري، وبعضهم من زملاء كلية الفنون، في ثكنة هنانو القريبة من قلعة حلب العتيدة. مررت بعدها كخروف إلى الحلاق الذي أزال شعر جمجمتي بالكامل، بينما اكتفيت بالنظر إلى الخصلات التي تساقطت حولي. بعد هذه المجزرة حصلت على بدلتي الكاكية، وأعازوا لي الإلتحاق بمدرسة المشاة في المسلمية بعد أسبوعين.
انضممت إلى الزملاء وصرنا نسخر من أشكالنا وضحكنا كثيراً، ثم اتفقنا على تناول وجبة من الكباب الحلبي ذائع الصيت مع ذاك البصل المثخن بالسمّاق. وقُبيل أن يحلّ المساء كنّا داخل باص في الطريق إلى دمشق.
طبعاً تحضّرت للتعليقات التي سأتلقاها من العائلة والأصدقاء في دمشق بشأن شعري الذي أزيل وصرت أشبه دجاجة مغليّة.
نهضت في اليوم التالي في وقت متأخر، فاغتسلت وذهبت إلى زيارة مها في القصاع. كان يوماً صيفياً دمشقياً على نحو تقليدي، رائحة الياسمين تنتشر في كل مكان، والشارع الذي تسكنه تظلّله أشجار الصفصاف والسرو التي تمنخلت فيها أشعة الشمس لتتلّطخ الأرصفة ببقع متوهجة من النور وليصبح المشهد وكأنه إحدى لوحات رسام إنطباعي.
قهقهت مها حينما رأتني، إلا أنها سرعان ما بدّلت تعابير وجهها كي لا تؤلمني أكثر وانصرفت لتحضير القهوة.
لم أذهب، في الحقيقة، لزيارة عادية لمها، بل كنت، لسبب ما، متيقناً أن سميّة ستظهر عندها على نحو مفاجئ أيضاً.
لقد مضى على آخر لقاء لنا أكثر من سنة، لم أسمع عنها شيئاً، وكذلك مها. مازلت مرتبطاً معها بشكل ما. المتطّيرون سيقولون إنها روحانيات، أما أنا فلا أعرف أي تفسير لهذا الأمر. شئ ما يدفعني، نعم، يدفعني ببساطة إلى أن أقوم به، ولا أعرف أكثر من هذا.
كنّا نشرب القهوة حينما وقفت سميّة على باب الصالون المشرع على الشارع، تفصله حديقة نحيفة. فغرت مها فاها وهرعت إلى احتضانها. جلست على الأريكة ونظرت إلي بابتسامة وقالت: «تسريحة جميلة». فابتسمت أيضاً. ولم نتبادل أية جملة في الدقائق الخمس التالية. مها كانت تمطرها بالأسئلة وسميّة ترّد عليها، وأنا كنت غائباً في قوقعة ولم أكن أسمع سوى صدى لحوارهما، وكأن الحوار يجري في غواصة.
كنت قد أنهيت فنجاني الثاني، وأطفأت سيكارتي، حينما وقفت موجهاً كلامي إلى مها «دايمة». «يجب أن أذهب الآن»، دون أن أدع لها مجالاً لتوقفني أو حتى تردّ علي.
هذه كانت آخر مرة ألتقي سميّة.

***

على صوت قرقعة الباص الصغير الملئ بشبان خضعوا لماكينة حلاّق ثكنة هنانو، كانت وجهتنا مدرسة المشاة، شمال مدينة حلب. من النافذة الملوثة بآثار أصابع المسافرين وبقايا حشرات دقيقة مسكينة لاقت حتفها لأنها لم تكن حذرة بما فيه الكفاية، كنت أراقب السهوب الشاسعة بمرتفعاتها المتواضعة والتي فيها أشجار الفستق الذي ينتمي بإسمه لحلب. لم أشأ التحاور مع أحد، بل غصت في ذكريات رحلتي الأولى إلى دمشق، تلك السنة التي التحقت بجامعة دمشق.
كم كنت ساذجاً وغبياً حينما رضخت لخطط العائلة الإستراتيجية ووافقت على أخذ فرشة ثقيلة يصعب التحكم بها فها هي تهتز كقطعة جيلاتين عملاقة، مخدة أسطوانية طويلة داخل كيس أبيض أطرافه مخرمة كثياب النساء الداخلية، ولحاف مربع كبير بلونين، الأبيض يلتّف على الأزرق بمقدار عشر سنتيمترات وخُيّط حتى يصعب فكّه وغسيله. ومن ثمة حقيبة فيها بعض الثياب والكتب ولوازم مطبخ بسيطة.
لم أكن أعرف أن إيجاد غرفة مفروشة في دمشق أسهل بكثير من واحدة فارغة.
بعد أن حُمّلت كل هذه الأشياء على سطح الباص، مع عتاد وأشياء المسافرين الآخرين، بالإضافة إلى عنزة قاومت بشدة فكرة ربط أقدامها وتغطيتها، ثم شدّ هذه الهضبة التي شكّلها عمال الكراج بكل حرفية، رامين طرف الحبل من جهة لاخرى.
خرخر الباص مرتين، ثم أصدر صوت حشرجة كبيرة، وبدأ بالتحرك بينما كنت ألوّح لأمي وأخي.
كانت الساعة تُشارف على العاشرة مساءً حينما اجتاز باصنا شوارع الحسكة الخالية من كل شئ، إلا من عواميد الكهرباء النحيلة بضوء باهت ضعيف، وأكاد أجزم أنه أيقظ كل النائمين بصوت محرّك الديزل الذي يعود إلى الأربعينات.
بعد الحسكة مباشرة تبدأ بادية تمتد إلى دير الزور. لم يسنح لي الظلام من رؤيتها تلك الليلة، لكنني فوجئت بقبحها الشديد فيما بعد، حينما اجتزتها مرات عديدة.
سرعان ما غطّ بالنوم الذين كانوا قد تحضّروا جيداً لهذه الرحلة ولفّوا أنفسهم بعباءات سوداء لها فرو خرفان، وسمعنا أصوات شخيرهم.
إستراحات دير الزور والرقّة لم تفتح شهية إلا عدد قليل جداً من الركاب المنهكين والمقتولين بالبرد. وحده السائق كان يجلس على كرسي مهترئ قرب طاولة مهترئة، وثمة رجل يُقدم له مشاوي فاحت رائحتها اللذيذة، وُضعت في صحن كان أبيض اللون فيما مضى وغُطيت بخبز مرقّد.
وصلنا في ساعة مبكرّة إلى كراج حلب الصاخب والحيوي، مستنفدين من قلّة النوم. وبسرعة رُتّبت أمور نقل حاجياتي إلي باص دمشق، الذي ظل رجل ينادي بصوتٍ عالٍ لمدة ساعتين «راكب واحد إلى الشام»، رغم توافد الركّاب الذي لم ينقطع.

***

بدت مدرسة المشاة موحشة من الخارج، بمدخلها الباطوني ذو الطلاء المُصفّر الذي يشبه رطوبة الجدران، والشجرتين المزروعتين دون خطة وترتيب.
المساعد الأول كان يتفحص أوراقنا على صوت أغنية لفريد الأطرش آتية من مسجّل كاسيت. فكرت: «فريد يَبكي أكثر ممّا يُغنّي»، فابتسمت معجباً بإستنتاجي هذا.
بعد إجراءات عقيمة وتوزيع بعض الحاجيات وبطانيات بنيّة تُثير الحزن، سُمح لنا أن ندخل إلى المدرسة.
على يمين الساحة الكبيرة بناء الإدارة المؤلف من طابقين، وعلى مدّ البصر مهاجع كبيرة بحجم سفن الشحن. الأرض شقراء اللون، والنباتات الشوكية حرقتها الشمس منذ مدة طويلة، وهناك بعض أشجار السرو القاسية التي تتحمّل أسوأ المناخات، واخرى لا أعرفها.
كنّا نتّجه إلى المهجع المخصص لنا، حاملين أمتعتنا التي كبرت وازداد وزنها، حينما أستقبلنا مجموعة من الشبان بجلودهم المحمّصة، يرتدون ثيابهم الكاكي المُحمّلة بشريط أخضر على الكتف، يعتمرون قبعات تبلّلت أطرافها قليلاً، وأعناقهم المتعرّقة تلمع كحراشف السمك، صارخين فينا أن نترك أشياءنا ونصطف في رتل. لمحت بينهم زميلي في كلية الفنون والقامشلاوي جوزيف، وآخرين من الخريجين السابقين.
كان هؤلاء من دورة الضباط التي سبقتنا بستة أشهر، وكنّا في الواقع متحضّرين لمثل هذا الإستقبال. هؤلاء يريدون إذلالنا، تماماً مثل ما تعرضوا إليه على يد الدورة التي قبلهم. هكذا كانت التعليمات. الخدمة العسكرية هي حفنة كبيرة من التعليمات، كثير منها لا يخضع إلى قوانين المنطق.
أمرونا أن نزحف على الأرض المتربة الصلبة، متّجهين إلى دغل قصير من النباتات الشوكية.
فجأة رأيت جوزيف واقفاً قرب رأسي يأمرني أن أغيّر إتجاهي. كان يبعدني عن تلك الأشواك. الأخوة القامشلاوية في أبهى صورها.
لم أشعر بقلة زهو خلال حياتي كلها مثل تلك اللحظة القصيرة التي مرّت، وأثقلت عليّ بهموم وقلق لم أجربهما قبل الآن، فتضمّخت عيناي بالدموع. خبّأت رأسي وصرت أتنفس تلك التربة الشقراء. لن أسمح لأحد أن يراني بكل هذا الضعف حتى لو امتلأت رئتاي بتراب مدرسة المشاة.
أخيراً، دخلنا المهجع بهرج كبير، وانتقينا أسرتنا دون خطّة.
كان المهجع طويلاً جداً، بصفين من الأسرة المزدوجة على كل جانب، يفصل السرير والآخر خزانة حديدية بلون الرماد، تكفي لأربعة جنود أغرار.
كنّا رهطاً غريباً يُمثّل كل محافظات البلاد بسبب كثرة اللهجات التي تقاطعت من فوق الأسرّة التي انهمكنا بترتيبها، وفق قواعد صارمة شرحها لنا الأقدمون. كان هناك ذوي البشرة السمراء الشديدة، السمر، البيض، بعضهم شقر بعيون زرقاء كمياه البحر. الهزيلون والمربوعون والممتلأؤون. الوسيمون والأقل وسامة والقبيحون. شبان بأنوف عادية، ودقيقة، وآخرون كانت أنوفهم تحمل باقي أجسادهم.
لكن تشاركنا في شيئين: الشعر، أو لنقل غياب الشعر، والبدلات الكاكية. حسناً، في وجوم تلك اللحظات أيضاً.
رتّبت فراشي الذي اخترته في الأسفل لسهولة تركيب الناموسية، ولاحظت أن البعض يراقبني، وتهامس إثنان مشيرين نحوي. تبيّن فيما بعد أن الناموسية كانت فكرة عبقرية، فالمكان كان ضارياً يعجّ بعشرات الأنواع من الذباب والحشرات والبعوض.
جاء طالب ضابط وزعق آمراً أن نقف باستعداد. مرّ ذارعاً المهجع الطويل متفحصاً أسرّتنا ووجوهنا، ثم طلب منّا أن نجتمع في الساحة الرئيسية مصطحبين الملاعق وآنية الطعام فوراً.
هناك تحلّق حولنا عدد آخر من زملائه ووجوهم جدّية وفظّة، ثم جاء ضابط برتبة نقيب ووقفنا مشدودي القامة بينما صرخ أحد الطلاب مقدماً إليه دورة الأغرار الجديدة.
بهدوء دخلنا قاعة الطعام متبعين التعليمات الصارمة في الآداب العسكرية، وانتظرنا مجئ طلاب الضباط، بينما كانت أوعية الفاصولياء، كبيرة الحجم، بمرق البندورة ولحم ما، توضع على الطاولات المعدنية، ففاحت رائحة تشبه تماماً تلك التي كان مطعم الحاج رفيعة ينشرها مغطياً عدة شوارع في مركز مدينة القامشلي.
حينما أذن لنا أخيراً بالبدء بتناول الطعام، تحول صمت القاعة الكبيرة إلى جحيم من الدمدمة وأصوات الملاعق والصحون ودفع وسحب الكراسي المعدنية. وخلال دقيقة كانت تلك الأواني الكبيرة فارغة إلا من بقايا صلصة البندورة، ثم تلك الصورة التي مازلت أتذكرها وكأنها حيّة: في نهاية الطاولة، زميل لنا أشقر مفتول العضلات ماسكاً بجرذ من ذنبه، ميت مطبوخ في إناء الفاصولياء.
لم يتفوّه أحد بكلمة، ولم يتعدّ الإنتظار سوى بضع ثوانٍ. تناولنا طعامنا، ولاحظت أن الأشقر مفتول العضلات إنشغل أيضاً بتناول الطعام.
لم يعرف أحد كيف وصل ذاك الجرذ البائس إلى طاولة طعامنا. هل وُضع على نحو مقصود كتتمة لحفل الترحيب بنا، أم كان مجرد إهمال من المجندين المفروزين إلى شوون المطبخ؟
رائحة دورات المياه وقذارتها أشعرتني بدوار حقيقي. تعلمت بعدئذ، كما الآخرين، الإنتظار لقضاء حاجتنا، كما الكلاب، كي نذهب إلى فناء بعيد بالرغم من خطر وجود الثعابين والعقارب.
في منتصف تلك الليلة، بعد أن غرقنا منهارين في النوم، أيقظنا شبان الشريط الأخضر على الأكتاف بزعيق وضجيج طالبين منّا أن نجتمع خارج المهجع حفاة، وبثيابنا الداخلية. ثم أمرونا أن نعود إلى الداخل. أحدهم طلب من محمود، الشاب النحيل وقصير القامة أن ينفخ على الضوء الكهربائي ليطفئه، فوقف على السرير العلوي محاولاً تنفيذ الأمر بمنتهى الجدية.

***

لمحت دمشق من أعالي الهضبة وهي تعوم على غيوم حليبية، ثم بدا الباص وكأنه يتفكك حينما نزلنا باتجاه ضواحي العاصمة.
كم تأوي من الناس؟ فدمشق لم يكن لها أبداً إحصاء دقيق، لكنني، أنا الآتي من القامشلي، أراها كبيرة وواسعة.
أثارني منظر البيوت التي تسلّقت وتعلّقت بجبل قاسيون كخفافيش بلون الخبز من ساحة الحجاز، الموقف الأخير لرحلة الباص من حلب، والتي توّقف فيها عدّة مرّات، تعرّفت حينها، قليلاً، على المعرّة وحماة وحمص.
محطة الحجاز ذات البناء البهي والتاريخ البائد، التي كان قطارها الضيّق يربط الشام بالحجاز، تسهيلاً للحجيج الذين كانوا يقضون بالمئات جرّاء رحلة مرعبة كانت تستمر أكثر من شهر، وسرعان ما دُمّر وصار خراباً إبّان الثورة العربية على الخلافة العثمانية، قُبيل الحرب العالمية الأولى، فغطّت السكك اللامعة، تحت أشعة الشمس الحارقة، رمال البوادي والصحارى وعشّشت فيها العقارب بعد تسع سنوات فقط من تشغيلها.
بعدئذ اقتصر دور قطارات المحطة على نقل المسافرين والمتنزهين إلى ضواحي دمشق ومصايفها، مُصدرة الصفير الذي يجب على القطارات إطلاقه، وذاك الدخان القاتم تاركاً خلفه كومة من التلوّث.
وضع حَمّالٌ فراشي وحاجياتي على عربته التي كان يدفعها بقوة ساعديه، وأوصاني بفندق قريب في المرجة.
كانت غرف الفندق البسيطة تطلّ على فناء توسطته بركة دمشقية لها أضلاع، وفي كل أرجاء الفناء تنكات صفيح غطاها الصدأ وجرار مليئة بالريحان الأخضر والنبيذي، وعدد كبير من الزهور والورود، رغم أن برد تشرين كان يتسرب بهدوء إلى كل مكان.
لم أستطع البقاء في الفندق طويلاً. أردت أن أتعرّف إلى دمشق. الشام. فخرجت في جولة حرصت أن لا أبتعد عن الفندق كثيراً كي لا أتوه في هذا الحجم اللانهائي.
كان الضجيج جحيمياً، وروائح عادمات الديزل تخنق الناس. أصوات الموسيقى والمذيعين وأبواق السيارات تملأ الفراغ. لماذا كل هذا الولع بالضجيج؟ سألت نفسي.
مررت قرب مطعم شممت منه رائحة الفول المدمس المغناجة فلم أستطع المقاومة. فاجأتني الطريقة الدمشقية بهرس الفول، وأنا الذي عشقت دوماً الفول على الطريقة الحلبية: وضوح الحبة التي تسبح يداً بيد مع البقدونس المفروم في صلصة جعلتها الطحينة والثوم والليمون بيضاء تاركة بحيرات صغيرة من زيت الزيتون العفريني الذهبي تظهر هنا وهناك.
وقفت على طرف ساحة فيكتوريا مستغرباً ذاك الجدول الناحل الملئ بنفايات من كل نوع يمّر بكسل في أخاديد طينية ومتشققة. سألت أحد المارة، وأنا أتمنى أن يجيب بالنفي: «هل هذا بردى؟». قال وهو يرمقني بطرف عينه وبلهجة ساخرة: «نعم».
إذاً، بردى ليس كل تلك القصائد والأغاني التي قيلت عنه، بردى هو مجرد قليل من الماء يمّر في قاذورات.
هل أنهكني منظر بردى أم الضجيج؟ لا أدري، لكنني عدت إلى الفندق ونمت حتى شروق شمس اليوم التالي.
خصّصت اليوم كله أبحث عن غرفة للإيجار. مررت على عشرات المكاتب العقارية، إلى أن قال لي صاحب المكتب العجوز ببرود: «عندي غرفة تناسبك!».
كان للرجل صلعة كبيرة الحجم بيضاء محمّرة مبقّعة بنقاط بنيّة، وفم مزموم خالٍ من الأسنان ومُجعّد يشبه فتحة شرج.
قادني إلى شارع الصالحية، وأشار إلى بناء البرلمان حينما مررنا قربه. اجتزنا شارع العابد وأدخلني زقاقاً ضيقاً وأشار إلى بناء من أربع طوابق مازالت جدرانه عارية. صعدنا الدرج الذي لم يكن منتهياً أيضاً، وفوق السطح، كان هناك غرفتان يفصلهما مرحاض.
«البناية كلها يسكنها طلاب الجامعة»، قال العجوز.
عند حلول المساء كانت فرشتي تحتلّ قرابة نصف مساحة الغرفة. انتفضت مذعوراً على صوت أذان المغرب الآتي من مئذنة جامع على بعد أمتار قليلة.
جاء يوسف، جاري القاطن في الغرفة المجاورة ورحبّ بي. بعدها تناولت معه عشاءً من خبز وزيتون وشاي وشنكليش. «من صنع الوالدة»، قال يوسف بلهجة أهل الساحل التي تشبه الأغاني.
في تلك الليلة بدأتُ فترة جديدة من حياتي، وحينما وضعت رأسي على المخدة المُطرزّة أطرافها، لم يكن الشنكليش الحرّيف هو الشئ الوحيد الجديد عليّ، بل هوجمت من كل جهة، حالما أطفأت اللمبة الصفراء الخافتة، من بقّ الفراش.
لم أنم إلا لحظات قليلة طيلة الليل. وحينما وصل ضوء الشمس بمشقة مجتازاً كل هذه العوائق التي بناها الناس، اختفت الحشرات، إما لأنها شبعت من دمائي أو لأنها تكره الضوء كأي مصّاص دماء.
قُرع باب الغرفة، وحينما فتحته وقفت إمرأة ملفّعة بالأسود تحمل طفلاً على كتفها، وقالت «جديد؟». وقبل أن أجيب، ظهر يوسف، وطلب منها أن تنصرف.
«عاهرة». أخبرني يوسف حين انصرفت. «إنهّن في كل مكان، فقيرات نازحي الجولان البؤساء. خاصة البناء هذا له شعبية كبيرة، لأنه يشبه مدينة جامعية لا رقابة عليها».

***

ها نحن ذا نتفانى في خدمة الوطن/العلم. تعّلمنا ضرب الكعوب وإلقاء التحيّة بصوت عالٍ والوقوف بتسمّر. حملنا بنادق فارغة من الذخيرة، وارتدينا أزياء الميدان الثقيلة وخوذة نتنة تعرّقت فيها مئات الرؤوس الحليقة، وركضنا بخرق، بينما الأشياء المعلّقة فينا تتقاذف وتتراطم، وكأننا قطيع من الأغنام المذعورة.
كنّا نخشى مدير المدرسة، الجنرال، بنظاراته الشمسية حاملاً على طرف مؤخرته مسدساً، ليس لأنه عاملنا بقسوة، بل بسبب حضوره المهيب والمثير للحفيظة. حينما اقترب منّا، تلك المرّات النادرة، توقّف الضباط، نحن، الهواء والأشجار، عن الحركة. وحده الذباب كان يرتطم بنا لاحساً تعرق أجسادنا، مُصْدراً طنطنةً تُحطّم الأعصاب.
حينما التحقت بمدرسة المشاة، كنت قد وضعت شوكة وسكين وملعقة في حقيبة حاجياتي. يا للغباء. أشعر، حتى اليوم، بسعادة غامرة لأنني تركت الشوكة والسكين مخبأة ومغطاة بحرص في حقيبتي. تصورّت مدى سخرية الزملاء لو اكتشفوا سرّي. كنّا نضع ملاعقنا في إحدى الجيبين الملصقين على صدور بزاتنا وكأنها أقلام حبر، ونحمل صحوننا البلاستيكية ثلاث مرّات في اليوم ونهرول إلى الساحة، نصطف، ومن ثمة نتبع أوامر طلاب الضباط، بعد إذلالنا، بدخول قاعة المطعم.
التدريب الرياضي في الصباح المُبكّر كان عقوبة قصوى للكثيرين، خاصة لمحمود الذي كان يفرك عينيه ويشتم ويعترض «كل يوم رياضة؟ اللعنة». يلي ذلك، بعد ٥ دقائق من تناول الإفطار، ساعات قُبيل الظهر بالتدريب تحت ظلم شمس تمّوز، وفي الإستراحات القليلة التي كان ينعم بها علينا الضباط، كنّا نترنّح وننهار في نوم عميق في ظلّ الأشجار، ناسين تدخين سجائرنا، متعة الحياة المدنية الوحيدة التي سُمح لنا بممارستها.
«بدون أكل خراء»، الجملة التي تناوب على قولها المدربون، صارت كلاماً عادياً متداولاً، تماما كما «صباح الخير» أو «تصبحون على خير».
مباخذنا صارت نوم ليلة دون إرهاب وغزوات تنكيل من طلاب الضباط، الذين كانوا يلهون بنا على هواهم.
ترويضنا هذا سوف يستمر أربعين يوماً، لن يُسمح لنا خلال هذه المدة بمغادرة المدرسة.
لكننا استطعنا، في فترات الراحة الوجيزة، أن نتعارف ونتقارب ونتصادق، ونعيد اكتشاف معادن بعضنا البعض. منير الشعراني، فؤاد الراشد، ريمون بطرس وعدنان أبو شعر كانوا الأقرب.
إزدادت معاناتي من آلام الخاصرة تحت ضغط وابل التمارين البدنية والضغوط النفسية، وتحوّلت إلى خرقة وعظام مطحونة، رغم ذاك الإطار المخادع من الشباب البهيج. أي تعثّر كان بوسعه أن يحولّني إلى فتات. هزالي ترسّخ على نحو واضح. رُباه، لقد صرت نفاية بشرية.
قدوم الشتاء أساء من الأوضاع أكثر. صحيح أن أسراب البعوض غاصت في الأرض واختفت، وكذلك كل أنواع الحشرات وقطعان الذباب، إلا أن البرد الذي كان يتسّرب إلى عظامنا، بالرغم من بزاتنا العسكرية الشتوية السميكة. ووجود مدفأتين في ذاك المهجع الكبير، المضمّخ برائحة سجائرنا وأنفاسنا وروائحنا، لم يفيا إلا بمقدار ضئيل.
شكى أحد الزملاء الحلبيين من آلام مبرحة في ظهره، فسخر منه الضباط المدربون، ونعته أحدهم بالإمرأة، مما أطار بصواب ريمون بعدئذ في المهجع واعتبره شوفينياً وحطّاً من قدر المرأة.
بعد أسبوعين صُرف ذاك الزميل من الخدمة، بسبب حالة معقدة من الديسك هشّمت له ظهره.
في أمسيات الخميس، حيث كنّا نرتاح يوم الجمعة، اعتادت الثلّة الحلبية التحلّق والتحدّث بصوت عالٍ يسمعه كل من في المهجع. الحديث كان دائماً وأبداً عن أطعمة المطبخ الحلبي الشهية.
في حلقة اخرى كان خريجو جامعات الإتحاد السوفييتي يلقون نُكاتهم باللغة الروسية ويترنحون ويهتزون ضحكاً. وفي تجمع آخر كانت مجموعة تؤدي صلاة العشاء يؤمهم دائماً تيسير بلحيته التي كان يحرص على تشذيبها كلما أتيح له ذلك.
بسرعة عجيبة صرنا نتشابه جميعاً، بعد تلك السمرة التي حمّصت جلودنا جميعاً. حتى ذاك الأشقر ذي العيون الزرقاء.
تهامس البعض في إحدى أمسيات الخميس، عن كازينو على مقربة. كانت أمسية باردة دون أن تكون واخزة، وكان القمر يُلّون قمم الأشياء والأشجار بالفضّة، حينما وصلنا إلى فجوة صغيرة مفتوحة عمداً في سور الأسلاك الشائكة الذي كان يحيط بالمدرسة. تسللّنا، بالتآمر مع الحرّاس المجندين تلك الليلة، وعلى ناصية الطريق وقفت سيارات تكسي عديدة، وكأنهم كانوا على دراية بتلك المغامرات الصغيرة.
كان الكازينو مليئاً بالرجال، ومجندين آخرين والنقيب حسين، أحد ضباطنا، الذي نظر إلينا مبتسماً هازاً رأسه بحنان. في البداية أرعبنا وجوده، لكنه حين قدم إلينا منعنا من الوقوف لإلقاء التحية العسكرية وضرب الكعبين، بل أرادنا أن نتمتع بالأمسية وأن لا نثقل من العرق.
كانت أمسية ممتعة جداً. كباب وعرق بطّة وراقصة ألهبتنا جميعاً. هذه أول أنثى نراها منذ أسابيع. محمود صرّح أنه سيمارس العادة السرية حين يعود، فسأله آخر “أين”.

كاتب سوري، الدانمارك

moniralmajid@gmail.com