“مقامة الخروج” قصة قصيرة للكاتب المصري جمال مقار

جمال مقار كاتب مصري
جمال مقار Gamal Makar

فيم كانت المرأة تفكر بعد أن أكلت من الشجرة؟
رأت آدم جالسا تحت شجرة عاريا بلا لباس، يمسك في يده جريدة مصورة من جرائد الجنة، ويقلب فيها حتى وصل إلى صفحة الكرة الأرضية، كان يشاهد مستمتعا صور الحياة، وقفت تتأمله، لأول مرة تراه، هذا الشعر الأسود الجعد الغزير الذي يكلل رأسه، والعضلات التي يذخر بها جسده، يا الله، كل هذه التقاسيم الجسدانية!! كأن جسده معزوفة موسيقية تدغدغ نغماتها خلايا جسدها، تقف وهي لا تريم، تتحسس بعينيها كل قسمة فيه بدءاً من الرقبة الطويلة القوية وهذين العاتقين والمنكبين العريضين والذراعين العَضِلتين المفتولتين فتلا كجذع شجرة سنديان، والصدر الذي يغطيه شعر كثيف، يذكرها بالتلة المعشوبة التي تقع فوقها الشجرة المحرمة، ثم هذا ال… ، ارتعد جسدها، همست لنفسها :
ـ أكل هذا يا مسكين؛ بينا ستظل إلى أبد الدهر صائعا ضائعا بلا عمل تقضي وقتك فيما لا يفيد ولا ينفع.
اقتربت منه، فلم ينتبه لوجودها، ثم انتبه ولم يعبأ، أخذت تهش ذكور الطيور الملونة التي كانت تبعث بألحان أشواقها لإناثها، أحدثت ضجة كبيرة، حتى انفزع آدم، ورفع رأسه إليها، قال:
ـ ماذا هناك ؟
ـ هذه الطيور أصبحت مزعجة.
لم يدرك آدم معنى هذه الكلمة الجديدة، أدارها في فمه ( مزعجة) فكر مليا في معنى الكلمة، ثم مط شفتيه وانصرف مرة أخرى لصفحة الكرة الأرضية، لكن صوت حفيف عنيف أحدثته حواء وهي تنتزع بيديها أوراقا من شجرة موز، جعله ينظر إليها؛ وهي تلف الأوراق الخضراء الكبيرة حول حقويها، تمعن فيها رآها أصبحت أكثر جمالا بذلك اللباس الأخضر، تساءل متعجبا:
ـ لماذا تغطي جسدها؟ ما أعجب هذا المخلوق، كل الحيوانات في الجنة عرايا، وأنا نفسي عاريا.
كان شىء غريب يعمل في عقله، هو لم يرها منذ الأمس، لكنها لما عادت أصبحت تتصرف على نحو عجيب، تصدر ألفاظا لم يسمعها من قبل، يحار في معناها، وللحظة رأى في يدها ثمرة من تلك الشجرة، التي حُرم عليهما الأكل منها، اندهش، ورنا إلى الشجرة، رأى ثمارها تكاد على البعد تضىء، نهض، سألها:
ـ أ قطعتها من الشجرة المحرمة؟
هزت رأسها في براءة، أخذ الثمرة من يدها، كانت تبدو ثمرة عادية، ليس بها ذلك الشعاع الخفي الذي يشع منها وهي معلقة على فروع الشجرة، هم يقذف بها بعيدا، فندت منها صرخة قصيرة، توقف ونظر إليها متعجبا متسائلا:
ـ ماذا؟
ـ لا تلقها.
ـ لماذا؟
ـ جئت بها لتأكلها.
ـ متى؟
ـ الآن.
ـ كيف؟
ـ اقضمها، سيسيل منها عصير طيب المذاق.
قال يسألها:
ـ أ أكلتي من الشجرة؟
ـ نعم، أكلت منها.
ها هي بعد أن رفعته من مقام الجهل إلى مقام الأسئلة، تأخذه إلى مقام الإجابات، وتهوي به إلى متاهة الحيرة، هز رأسه رافضا الفكرة، وضع يديه على رأسه متكدرا، بكت في صمت، وقالت تودعه:
ـ سأجمع أشياءي وأمضى.
ـ أشياؤك؟ أي أشياء لك هنا؟ نحن مجردين من الأشياء.
ـ صارت لي بعض أشياء قليلة منذ أن أكلت الثمرة.
ـ مثل؟
ـ صنعتُ من ليف الأشجار ثوبا، وأخذتُ من حجر الصوان قطعة تشبه نصل سكين، لأدفع بها عن نفسي أذى الكائنات الأرضية.
لم يفهم آدم من كلامها سوى كلمة( أشياء)لكنه أدرك أنها ستمضي وتتركه، هز رأسه أسفا،وهمس مودعا:
ـ صاحبتك السلامة.
ـ بل قل الندامة.
لأول مرة في حياتها، تنساب دموعها على وجنتيها، ومع ذلك كانت الماكرة تعرف آدم جيدا، وتدرك أن قطرات الماء هذه ستهز كيانه هزا، فالدموع أحالت وجهها إلى وجه طفل صغير بائس ضائع.
اقترب منها مندهشا لمرأى دموعها، بدأ خفقان قلبه يزداد تسارعا، وأطلت من عينيه نظرة مشفقة، مد أصبعا ومسح به دمعة انسابت على خدها، أزاحت في رفق يده، وهمت تمضي عنه، فأمسك بها من كتفها وثورة عارمة تعتمل بداخله، قال لها:
ـ إذا مضيت وتركتني، ستعود الجنة كما كانت قبل مجيئك مكانا مجردا بلا معنى، وسأمضي يومي في ملل يقتلني في كل لحظة أعيشها.
قال، ثم قضم في غضب قضمة كبيرة من الثمرة التي جاءت بها المرأة إليه، انفتحت عينه،واستحالت الجنة أمام عينيه مجرد غابة، أدرك أن الوقت قصير، ورأى المرأة جنة الوقت، نظر إليها، كانت تلك أول مرة يراها وهي واقفة أمامه مثالا حيا للجمال الأنثوي متى اكتمل، شعر مسترسل كأنه جدول ماء منساب يكاد يلمس كعبيها، وعينان واسعتان معبرتان عن روح مفعم بالحب، وشفتان ترسلان نداء خفيا لقلبه، وجيد سارح ريان، وثديان ناهضان يرضعان السماء، وخصر ضامر، وفخذان مدملجتان مترعتان بالوعد، يعلوهما مثلث يغطيه دغل صغير، فارت بداخله الشهوات وهو ينظر إلى جسدها، تلاقت عيونهما، فأدرك أنها أيضا تشتاق إليه، اقترب منها، تعانقا وراحا يتلاثمان لثمات سريعة متلهفة، ثم تدحرجا معا على العشب، حتى التقيا، وساد الغابة صمت غريب، ووقفت كل الطيورعلى الشجر، والحيوانات عند ينابيع المياه؛ تشاهدهما وهما يتشاجران.